• عدد المراجعات :
  • 501
  • 11/18/2011
  • تاريخ :

المصلحون وانحراف الامم

المصلحون وانحراف الامم

(عيسى بن مريم والإمام الحسين) نموذجا

تعيش الأمة الإنسانية في أيامنا هذه مناسبتين كبيرتين على قلوب الإنسانية جمعاء فذكرى استشهاد الإمام الحسين وولادة السيد المسيح عليهما أفضل التحية والسلام، هاتين المناسبتين تمثلان تواصلا فكريا مهما في طبيعة ونوع الرسالة التي حملها كلا منهما، رغم اختلافهم المكاني والزماني والعقائدي، فالأول يمثل خط الأنبياء بشخصه فيما مثل الثاني خط النبوة بامتداده وانتسابه لجده محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).

الثائرين عاشا في مجتمعين تشابهت أعراض الانحراف العقائدي فيهما كثيرا واكتنفت رسالة الأنبياء حالة من التحريف، فالمسيح والملقب بـ (يشوع) أي المخُلّص من الضلالة، عاش في البيئة اليهودية التي عاصرت الكثير من أنبياء بني إسرائيل، لكن الأمة (الإسرائيلية) هذه لم تحتفظ بمواريث أنبيائها وحرفت الكلم عن مواضعه وتمسكت بقشور الشريعة (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ).

فيما عاش الإمام الحسين (ع) في مجتمع توافد عليه الأنبياء منذ الرسل الأولى للخلق حتى خاتمهم محمد (صلى الله عيه واله وسلم) غير إن هذا المجتمع أشبه سابقه الذي عاش مرحلة من حالة بدا الانحراف عن جادة الرسالة السماوية، فبعد رحيل خاتم الأنبياء وما جرى بعده وتسلم بني أمية للسلطة، فإن القيادة التي تربعت على عرش الخلافة الإسلامية والتي من المفترض أنها حاملة لمشعل الرسالة الإلهية للسلام والإسلام إلى أرجاء العالم، أصبحت في يد أعدائها، بحيث وصلت الأمور من التدني أن يتولى مثل يزيد (لعنه الله) ولاية العهد وخلافة المسلمين، وهو الذي لا يمتلك أدنى مؤهلات الإنسان السوي فضلاً عن مؤهلات قيادة التجربة الإسلامية، فهو معروف باللهو وارتكاب الموبقات وماله من باقي الصفات الذميمة.

المرحلتين التي عاشها النبي عيسى عليه وعلى نبينا أفضل التحية والسلام والإمام الحسين عليه السلام تعد من اشد المراحل قساوة كون أعدائهم ممن يدعي التدين ظاهرا ويحاول إخفاء ما يريد تمريره سرا، ومثل هؤلاء (وعاظ السلاطين) يحاولون دائما إظهار المصلحين على إنهم خارجون على حكم الأمير الموجود في زمانهم، فعيسى اجتمع في وقته أحبار اليهود فقالوا (إننا نخاف إن يفسد علينا ديننا، إي يفسد في الحقيقة ملكهم الدنيوي)، فوشوا به الى الحاكم الروماني آنذاك واظهروا له بان عيسى عليه السلام ممن يحاولون زعزعة نظام الحكم والخروج عن قوانينه حتى اقنعوا الحاكم بضرورة التخلص منه، وكذا تشابهت سيرة الإمام الحسين بوجود ممن يدعي التدين في زمانه حيث أفتى علماء السلاطين بجواز قتل بن بنت رسول الله بحجة خروجه عن أمير زمانه أمثال (شريح القاضي).

فكانت دعوة عيسى أن يا قوم لا تشركوا بالله فهو خالقكم وما الأحبار والرهبان إلا أناس تستروا بزي الدين لحكمكم وخداعكم فاخذوا يقتلون خيراكم ويستبيحون أموالكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم، فلم تستجب له إلا امة قليلة ولم يجد من إذن صاغية، وكذا كانت دعوة سيد الشهداء منذ حركته الأولى من المدينة الى كربلاء استجابة لدعوة جده رسول الله (ص) :

(من رأى منكم سلطاناً جائراً مستحلاً لحرام الله ولم يغير عليه بقول أو فعل كان حقاً على الله أن يدخله معه جهنم).

لقد تحرك الثائرين كلا في مجتمعه لتقويم الاعوجاج واجتثاث الفساد من جذوره، سواء الفساد الديني او السياسي او الاقتصادي او الاجتماعي، وذلك لا يكون إلا بالانتفاضة والوقوف بوجه المفسدين لهدِّ أركان حكمهم وزلزلة الأرض من تحت أقدامهم، ومن هذا المنطلق فان الثورتين (اليسوعية والحسينية) هما منطلقاً وملهماً لكلِّ المستضعفين والمحرومين في أرجاء العالم، للثورة على الظلم والفساد بشتى أنواعه، ورغم الفاصلة الزمنية الكبيرة بين هذين المصلحين إلا إن أهدافهم كانت تسير بنهج واحدا وجامعة واحدة ولعل خير دليل على ذلك هو وجود النصارى بين أنصار الحسين عليه السلام رغم إنهم كانوا على دين المسيح عليه السلام وهذا ما أكده التاريخ واقره العقلاء.

اليوم ونحن في زمن أصبح العالم كالقرية الواحدة فإننا نجد بان أوجه الظلم قد تشابهت في جميع أنحاء المعمورة والواقع والدلائل تشير بان الإنسانية تتعرض لحالة متساوية من التسلط والدكتاتورية والإرهاب وان في غرب الأرض كما في مشرقها أناس تحت سياط الجلادين والمفسدين والجبابرة، وان وعاظ السلاطين منتشرين في بقاع المعمورة يزينون للفاسدين أعمالهم ويصورونهم بأنهم خلفاء الله على الأرض وان على الجميع إطاعتهم بلا نقاش، فيما اخذ قسم آخر يقتلون الناس باسم الدين ويعلنون الجهاد حتى على الذين لا حول لهم ولاقوه من اجل فكر ضال اتبعوه.

لقد علمتنا التجارب إن المفسدين والطغاة يحاربون المصلحين أولا في كل مجتمع لأنهم يعلمون بان هؤلاء هم العقل الموجه للمجتمع والذي يقف أمامهم فإذا تمكنوا منهم فان المجتمع يصبح مستباحا أمامهم بجميع طوائفه، بل حتى أنصار الطغاة لن يسلموا من أذاهم ورعونتهم فيما بعد وهذا ما حصل لكل من ساند الطغاة والجبابرة فكان مصيره أما القتل على يد نفس الطاغية او السجن فخسر الدنيا والآخرة.

 والنصرة لمثل هؤلاء المصلحين تأتي اليوم بالدعوة الى التغيير والثورة على الفساد والتي يجب أن تكون من خلال إصلاح منظومة القيم الأخلاقية لنا ولمجتمعنا بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة والسير نحو التسامح وخلق مجتمع أنساني يكون فيه (الإنسان) القيمة العليا ومادون ذلك فهو خلق من اجل الإنسان، وإذا ما سرنا على نهج هؤلاء المصلحين فإننا سنجد أنفسنا أنصارا لهم بكل معنى الكلمة حتى وان لم نعش زمانهم، كما يقول سماحة المرجع الديني السيد صادق الشيرازي (دام ظله): (إن ذكرى عاشوراء هي التي غرست في أعماقنا العبودية لله (عز وجل) ومبادئ الإنسانية والإيثار وخدمة الآخرين والعطف على الضعفاء والدفاع عن المظلومين ولأجل هذا يجب أن نحافظ على جذوة عاشوراء متقدة على الدوام).

المناسبتين العظيمتين تدفع الإنسانية جمعاء من اجل الترابط والتكاتف في حلقات نصرة الإنسان لأخيه الإنسان أياً كان نوعه وصنفه ودينه، فالظلم واحد والمظلومون متعددون، والتاريخ يعيد نفسه بصور شتى ولكن يبقى الهدف واحد لجميع المصلحين.

عدنان الصالحي

اعداد : سيد مرتضي محمدي

القسم العربي - تبيان


سر عظمة الإمام الحسين عليه السلام

ما المقصود بـ (الوتر الموتور) في زيارة الإمام الحسين (عليه السلام)؟

الإمام الحسين ( عليه السلام ) و الاعرابي

علم الإمام الحسين ( عليه السلام ) بأصوات الحيوانات

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)