• عدد المراجعات :
  • 441
  • 11/14/2011
  • تاريخ :

بيعة الغدير .. حقيقة لا يمكن إنكارها أو كتمانها  

بيعة الغدير .. حقيقة لا يمكن إنكارها أو كتمانها

المفكرون والعلماء والمؤرخون الباحثون في علم التاريخ متفقون على أن التأريخ الاسلامي قد كتب باداة أموية وعباسية سعياً منها لقلب الحقائق التي دارت في مسيرة الدولة الاسلامية منذ تأسيسها على عهد الرسول الأعظم (ص) في المدينة المنورة والتضليل والتغطية على انحرافات كبار القوم وقادتهم مما قاله وأوصى به النبي محمد (ص) على عهده ومن بعده رغم وقوفهم بانه كما قال الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم.. " وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى" [النجم 3و4]. وكانت عملية التضليل على واقعة الغدير والعمل على ايجاد لغط وشكوك في حقيقتها ومصداقيتها بأعتبارها أمر ألهي هي أكبر تلك الانحرافات وأكثرها قساوة للقوم ضد الاسلام المحمدي الأصيل الذي كان يصبو اليه الرسول الأكرم (ص) لنشره في المعمورة بأمر من الخالق المتعال.

 ومما لا شكّ فيه أن مسألة الغدير، بكل إيحاءاتها وإشاراتها، تركت آثارها العميقة في الكيان الاسلامي العام، حيث استطاعت ـ في كل تفاعلاتها وكل المواقف السلبية والايجابية منها ـ أن تختصر التاريخ الاسلامي في حركة التنوع والاختلاف والصراع ومن أهم خصوصياته انه لا مجال للعذر مرة أخرى بعد ان تم إكمال الدين على يد الرسول الاعظم (صلى الله عليه واله وسلم) حيث أتمها بولاية امير المؤمنين وأهل بيته( عليهم السلام).

فخلال عودة الرسول محمد (ص) من حجّة الوداع، أنزل الله سبحانه وتعالى الوحي عليه ليأمره القيام بأمر مهم وضروري لابقاء الاسلام ديناً خالداً على مدى العصور القادمة وحتى قيام القيامة بصورة صحيحة ، حيث خاطبه بالقول:"يا أيها الرسول بلِّغ ما أُنزِلَ إليكَ من ربِّك وإنْ لم تفعل فما بلّغت رسالتَه واللَّهُ يَعْصمُك من الناس...} [المائدة:67].

وهنا بلغ رسول الله (ص) رسالته الربانية وبالصورة التي ذكرها ونقلها كبار علماء ورواة العامة من ابن عساكر في تاريخ ابن عساكر ج2و ابن المغازلي : المناقب ص31و ابن كثير : تفسير القرآن ج2 ص15و الآلوسي : روح المعاني ج4 ص282و السيوطي : تاريخ الخلفاء ص169و الطبري : ذخائر العقبى ص67والذهبي : التلخيص ج3 ص109و اليعقوبي : تاريخ اليعقوبي ج1 ص422وابن كثير : البداية والنهاية ج5 ص209 والنيسابوري : ثمار القلوب ج2 ص906و السمهودي : جواهر العقدين ص236و النسائي : فضائل الصحابة ص15 والخوارزمي : المناقب ص156 وابن طلحة الشافعي : مطالب السؤول ص4 والشهرستاني : الملل والنحل ج1 ص163 وابن خلدون : المقدمة ص246 وعشرات أخرين منهم ، حيث لا يسع المقال لذكرهم جميعاً .

فقد أمر رسول الله (ص) الناس لصنع منبر له ومن ثم اعتلاه وخطب فيهم خطبة قيمة وغراء ،وقد رفع يدي الامام علي (ع) حتى بان بياض إبطيهما للناس:"ألا مَنْ كنت مولاه فعلي (ع) مولاه. اللهم والِ مِنْ والاه، وعادِ مَنْ عاداه... وأدِرْ الحق معه حيثما دار".

وبعد أن نصب الرسول(ص) الامام علي(ع) وبآمر من الخالق المتعال آميراٌ على المسلمين نزلت آية" الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا " [المائدة 3] . ليؤكد بذلك أن علياً (ع) يمثل الحق على نحوٍ لا يبقى هناك للباطل أي دور في حياته، ولهذا فإنه إذا انطلق، فسينطلق الحق معه، وإذا وقف فسيقف الحق معه، وإذا حارب فسيحارب الحق معه، وإذا عارض فسيعارض الحق معه، لأنه لن ينفصل عن الحق، ولن ينفصل الحق عنه في أي مجال.

والشاهد الأقوى على حقيقة بيعة الغدير لامام علي بن ابي طالب أمير المؤمنين (ع) هي تهنئة الخليفة الاول والثاني  وجمع غفير من أصحاب رسول الله(ص) للإمام علي(ع) ، حيث كان الخليفة الاولى والثاني من أول من بادر الى التهنئة، وقالا له: "هنيئاً لك يا علي ابن ابي طالب اصبحت وامسيت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة". وجاء في رواية اخرى :

"فلقيه الخليفة الثاني بعد ذلك ، فقال له : هنيئاً يا ابن أبي طالب ؛ أصبحتَ وأمسيتَ مولى كلِّ مؤمن ومؤمنة" والتي روته آيضاٌ كتب الصحاح جميعها .

ومن هذا المنطلق نرى ان واقعة الغدير تنطوي بعنوانها كميثاق للأمة ودستورها على خصوصيتين مهمتين :

* الأولى: ظرفيتها فقد تزامنت مع آخر لحظات الرسالة الخاتمة حيث تجلت من خلالها أرقى حقيقة وجودية ألاّ وهي " الولاية "؛ فقد كان لسان الحال فيها يقول "لا دين بلا ولاية "؛ لأنّ الدين المفرَّغ منها ماهيته مغايرة للحق والقانون الإلهي.

* الثانية : مصداقها هو " ولي الله " المتصدي للدفاع عن حريم هذه الحقيقة الدينية والمتجلي في شخص من فدى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بنفسه.

إنّ مفهوم القيادة الذي جسدته واقعة الغدير يمكّن الأمة الإسلامية من صياغة وجود جديد يقيها الضياع ، ويشدّ على يدها مؤمنا لها المسير على صراط مستقيم، يضمن لها أطرا سليمة وقوانين إسلامية كانت قد هجرتها ردحًا من الزمن ، رغم تحذيرات نبيها فعن أمير المؤمنين ( عليه السَّلام ) أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله ) قال في خطبة حجة الوداع: "... لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض ...

وختاماً ، طالما أن الدين وصل إلى كماله في واقعة الغدير ، فتبعا يكون الغدير محورا كماليا للأمة جمعاء وضربة قاضية للمشركين والكفار ومن سار على ديدنهم. وفي الوقت نفسه اغلاقا لباب الاعتذار أمام من سوّلت وتسوّل له نفسه تزييف الحقائق. قالت السيدة فاطمة (ع) : " ... وهل ترك أبي يوم الغدير لأحدٍ عذرا ..."

المصدر:کيهان العربي

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)