• عدد المراجعات :
  • 1158
  • 11/13/2011
  • تاريخ :

لا ترتکب المعصية من اجل العبادة

لا ترتکب المعصیة من اجل العبادة

هناك أفكار يقتنع بها الإنسان ويقبلها بوعيه وعقله، وهناك رغبات تنطلق من شهوات الإنسان وعواطفه، أما الوسواس فهو خواطر شاذة يدرك المصاب بها أنها خاطئة لا تستند إلى أساس، كما يشعر بثقل وطأتها عليه، فهو لا يرغبها ولا يحبها، ويبدي التذمر والتضجر من معاناته منها.

فالوسواسي يدرك أن لا معنى لأفعاله، وأن سلوكياته لا عقلانية ولا منطقية، إلا أنه يشعر بالعجز عن منع نفسه من الانخراط في هذه السلوكيات نظراً لنزوعاته غير الخاضعة لسيطرته.

ويرى بعض علماء النفس: أن عدداً قليلاً جداً من المرضى الذين لا ينظرون إلى سلوكياتهم كأمور لا معنى لها أو غير منطقية، بل يعتقدون أن لديهم السبب الكافي لما يبدونه من اهتمام في سلوكياتهم، كما وأن طقوسهم الجبرية ستمنع من تعريضهم لنتائج كارثية حسب معتقدهم.

الوسواس تبذير او اسراف

في بيان الفرق بين الإسراف والتبذير، والّذي يظهر من خلال الدقّة والتأمّل أنّ الإسراف بمعنى الخروج عن حدّ الاعتدال والاقتصاد من دون تضييع شيء بحسب الظاهر، کلبس الثياب الثمينة القيّمة الّتي تساوي قيمتها أضعاف قيمة الثياب العادية مئات المرّات مثلا، فهو إسراف، وفي الحال لم يضيّع شيء، ولکن التبذير هو ما يؤدي إلى تضييع نعم الله تعالى، کما إذا هيّأ لعشرة أشخاص مثلا طعام خمسين شخصاً بحيث يطرح الزائد ويفسد.

هذا هو الفرق بين الکلمتين، ويؤيد ذلک أيضاً المعنى اللغوي لهما، نعم ربّما اتحدا واستعملا في معنى واحد.

اعرف اخوان الشياطين

إن هنالك مالا مسرفا فيه، ومالا مبذرا به.. فالإنسان تارة يسرف: بمعنى أن أصل العملية صحيح، حيث أن له الحق في أن يشتري طعاما مثلا، ولكن يشتري زيادة عن حاجته.. وتارة يبذر: أي أنه يشتري ما لا يحتاج إليه، ويجعل ماله في غير موضعه؛ فهؤلاء عبر عنهم القرآن الكريم بأنهم أخوان الشياطين، حيث قال تعالى في كتابه الكريم: (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ)(اسراء/27) إذا كان صرف المال الفاني في غير محله يعد تبذيرا، ويجعل الإنسان من أخوان الشياطين؛ فكيف بما هو أرقى من المال، عندما يصرف في غير محله، ألا وهو العمر والوقت؟!..

عبدالله بن سنان قال: ذكرت لأبي عبدالله عليه السلام رجلاً مبتلى بالوضوء والصلاة وقلت: هو رجل عاقل، فقال أبو عبدالله: وأي عقل له وهو يطيع الشيطان؟ فقلت له: وكيف يطيع الشيطان؟ فقال: سله هذا الذي يأتيه من أي شيء هو؟ (1)

لاتضيع ساعات العمر

جاءت آيات كثيرة تبين مسئولية هذا الإنسان على عمله، وأنه سيحاسب على كل ما قدم من عمل: خيراً كان أو شراً. كما يتضح ذلك من خلال قوله (وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ)(بقره/48) إن القسم الجاد في حياتنا، يكاد ينحصر في الحضور إلى المسجد، والوقوف للصلاة بين يدي الله عز وجل.. وإلا فإن الأعمار في تلف مستمر، (إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ)(العصر/2) بعض الناس يمضي يومياً ثلاث أو أربع ساعات في سيارته، والبعض الآخر قد يمضي ساعات من الانتظار في طوابير الشراء، وهناك من هو مبتلى بالأرق؛ لا هو مستيقظ فيعمل شيئا، ولا نائم فيرتاح بدنه.. فهذه الحالات تكون قصراً دون اختيار من الإنسان.. ولكن أحيانا الإنسان بسوء اختياره، يمضي ساعات من عمره في النظر إلى التلفاز، دون أن يستفيد من ذلك شيئا لدنياه أو لآخرته.

 فإذن، ماذا نعمل في معظم ساعات العمر، التي هي عبارة عن هذه الساعات التالفة؟..

يوم القيامة يُسأل عن أربع

والسؤال يستغرق كلّ وجود الانسان وكيانه واعتقاده ، لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال :

(لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع : عن عمره فيما أفناه ، وعن جسده فيما أبلاه ، وعن ماله مما اكتسبه وفيم أنفقه ، وعن حبّنا أهل البيت )

.(2)

 والمراد بأهل البيت الذين يُسأل الناس عن محبّتهم ، هم المنصوص على عصمتهم في قوله تعالى : ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) .(الاحزاب/4)

والحساب : هو المقابلة بين الأعمال والجزاء عليها ، والمواقفة للعبد على ما فرط منه ، والتوبيخ له على سيئاته ، والحمد له على حسناته ، ومعاملته في ذلك باستحقاقه.(3)

 والله تعالى يخاطب عباده من الأولين والآخرين بمجمل حساب عملهم مخاطبةً واحدةً ، يسمع منها كلّ واحد قضيته دون غيرها ، ويظنّ أنه المخاطب دون غيره ، لا تشغله تعالى مخاطبة عن مخاطبة ، ويفرغ من حساب الأولين والآخرين في مقدار ساعة من ساعات الدنيا.(4)

ما هو حکم الشرع؟

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)0(حجرات/1)

يَا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله لا تقضوا أمرًا دون أمر الله ورسوله من شرائع دينكم فتبتدعوا, وخافوا الله في قولكم وفعلكم أن يخالَف أمر الله ورسوله, إن الله سميع لأقوالكم, عليم بنياتكم وأفعالكم. وفي هذا تحذير للمؤمنين أن يبتدعوا في الدين, أو يشرعوا ما لم يأذن به الله.

في الطهارة

فمثلاً أوجب الإسلام طهارة البدن والثياب من النجاسات كشرط لصحة الصلاة، فالمطلوب هو اجتناب ما علم نجاسته، أما الظن والشك والاحتمال فلا يؤخذ به، لأن الأصل هو الطهارة فيحكم بطهارة كل شيء ما لم تثبت نجاسته . وتلك قاعدة فقهية وردت بها نصوص عديدة، كموثقة عمار عن الإمام الصادق  قال: (كل شيء نظيف حتى تعلم أنه قـذر، فإذا علمت فقد قـذر، وما لم تعلـم فليس عليـك).(5)

وورد عن الإمام علي  أنه قال:«ما أبالي أبول أصابني أو ماء، إذا لم أعلم».(6)

هذا هو الحكم الشرعي، لكن المبتلى بمرض الوسواس في هذا المجال يضع لنفسه قاعدة معاكسة، ويعمل بشكل مناقض لحكم الشرع، فالأصل عنده نجاسة الأشياء، وطهارتها تحتاج إلى إثبات، إنه يشك في نجاسة كل شيء وعلى أساس الافتراضات البعيدة.

وأوجب الإسلام الطهارة من الحدث لأداء الصلاة بالوضوء أو الغسل أو التيمم وأحكامها واضحة اليسر والسهولة، لكن مرض الوسواس يحوّلها إلى عملية معقدة، حيث يقضي بعض المصابين بهذا المرض وقتاً طويلاً، لإنجاز وظيفة الوضوء أو الغسل، ويهدرون كمية كبيرة من الماء، والأسوأ من ذلك ما يرهقون به أنفسهم من مشقة وعناء..

هكذا يأمر الإسلام، وهكذا كان يفعل المعصومون، ومن تبعهم من العلماء والفقهاء، حيث لا يصرفون في الوضوء أكثر من دقيقة أو دقيقتين، وبمقدار يسير من الماء، فلماذا يتصرّف الوسواسيون في وضوئهم وغسلهم بهذه الطريقة .

في الصلاة

قد تحصل للمصلي حالات من الشك والسهو في أفعال الصلاة أو أذكارها، وذلك أمر طبيعي ضمن الحدود المتعارفة، ولهذه الحالات أحكام يذكرها الفقهاء، لكن كثرة الشك، والسهو، تعتبر عرضاً من أعراض مرض الوسواس، لذلك يستثنيها الفقهاء من انطباق أحكام الشكوك، ويتعاملون معها كحالة مرضية ينبغي معالجتها بعدم الاستجابة لها، لذلك أفتى الفقهاء بأن (الوسواسي إذا شك في الإتيان بالصلاة وعدمه فإنه يبني على أنه قد أتى بالصلاة وإن كان شكه أثناء وقت الصلاة).(7)

وأفتوا بأن لا قيمة لـ(شك كثير الشك وإن لم يصل إلى حد الوسواس، سواء كان في الركعات والأفعال، أو الشرائط، فيبني على وقوع ما شك فيه، وإن كان في محله، وإذا شك في حصول ما يفسد الصلاة يبني على عدم وقوعه، فلو شك بين الثلاث والأربع يبني على الأربع، ولو شك بين الأربع والخمس يبني على الأربع أيضاً، وإن شك أنه ركع أم لا؟ يبني على أنه ركع، وإن شك أنه ركع ركوعين أم واحداً بنى على عدم الزيادة، ولو شك أنه صلى ركعة أو ركعتين بنى على الركعتين، ولو شك في الصبح أنه صلى ركعتين أو ثلاثاً بنى على أنه صلى ركعتين، وهكذا) (8)  وحينما يشك في صحة كلمة أو لفظة في القراءة أو الأذكار يبني على الصحة.

واعتبر كثير من الفقهاء أن من يعتريه الشك في صلاة واحدة ثلاث مرات، أو في كل ثلاث صلوات مرة واحدة، دون مبرر استثنائي كما لو كان في حالة خوف أو غضب أو همّ، فإنه حينئذٍ ينطبق عليه أنه كثير الشك ولا يبالي بشكه بل يبني على الصحة. وبعض الفقهاء أرجع تحديد الحالة إلى العرف، فمن اعتبره العرف كثير الشك كان له حكمه.(9)

بل قال الفقهاء أنه: (لا يجوز لكثير الشك الاعتناء بشكه، فلو شك في أنه ركع أو لا؟ لا يجوز له أن يركع، وإلا بطلت الصلاة).(10)

افتراء على الله

إن الله تعالى هو الذي يقرر موارد الإثم، والأمور التي تستوجب الحساب والعقاب، ولا يصح للإنسان أن يتبرع من نفسه فيقرر أن هذا ذنباً، وأن هذا العمل يستوجب إثماً، فذلك افتراء على الله. وما دام الشرع يعلن بوضوح: أن لا مسؤولية عليك في موارد شكك وسهوك، واحتمالك للخلل والخطá ويقول لك: إن عملك صحيح، فكيف يجوز لك أن تتوقف عن قبول حكم الله وترفضه؟

فإذا كنت تكرر عملك في الوضوء والصلاة فراراً من الإثم والذنب، فإنك بهذا التصرف توقع نفسك في أعظم إثم وأسوأ ذنب.

 عرض وتبيين مفاهيم اليسر والسماحة في الدين، فقد أنزل الله شريعته رحمة للناس ولإسعاد حياتهم، يقول تعالى:(يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ)(بقره/185)ويقول تعالى:(وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (حج/78)  كما تقرر مبادئ الشريعة أصالة الطهارة، وأصالة الإباحة، ورفع المسؤولية عن الجاهل والناسي، وأن كل عمل فرغت منه أو تجاوزته ثم شككت فيه فلا قيمة ولا أثر لذلك الشك.

الحديث عن عفو الله ورحمته وأنه تعالى خلق الناس ليرحمهم، وأن عفوه واسع، وكرمه عظيم، وبالتالي لا داعي لهذا التشدد والتكلف.

إن إحاطة المبتلى بالوسواس بهذا الجو المعرفي، وتكرار هذه الأفكار والطروحات عليه، إضافة إلى تشجيعه على برنامج منع الاستجابة، يساعد كثيراً على تفكيك تصوراته الخاطئة، وإعادة بناء أفكاره، وتصحيح ممارساته بشكل تدريجي، قد يستغرق وقتاً، لكنه يؤدي إلى نتيجة مفيدة.

المصادر:

1- الخصال / الصدوق : 253/125 ، الأمالي / الطوسي : 593/1237 ، المعجم الكبير/ الطبراني11 : 83/11177 ـ دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ، مجمع الزوائد / الهيثمي 10 : 346 ـ دار الكتاب العربي ـ بيروت.

2-تصحيح الاعتقاد / المفيد : 113.

3-الاعتقادات / الصدوق : 75.

5-أصول الكافي ج1 ص13

6-  الحر العاملي: محمد بن الحسن/ وسائل الشيعة حديث رقم 4195.

7-  المصدر السابق حديث رقم 4196.

8-  اليزدي: السيد محمد كاظم/ العروة الوثقى - فصل في الشك/ مسألة 8.

9-المصدر السابق/ فصل في الشكوك التي لا اعتبار بها.

10-  المصدر السابق/ مسألة رقم 1.

11-  المصدر السابق/ مسألة رقم 4.


تنمية القابليات في باطن الإنسان

القابليات الروحية لدى الإنسان

التربية البدنية من وجهة نظر الإسلام

مناقشة نظرية نسبية الأخلاق

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)