• عدد المراجعات :
  • 1125
  • 11/8/2011
  • تاريخ :

الصفات الفعلية – نظرية الاشاعرة (1)

الصفات الفعلیة – نظرية الاشاعرة (1)

نظرية الأشاعرة: 

جعلت الأشاعرة التكلم من الصفات الذاتيّة ، ووصفوا كلامه سبحانه بالكلام النفسي ، و قالوا: إنَّ الكلام النفسي غير العلم ، و غير الإِرادة و الكراهة . و قد تفننوا في تقريب ما ادّعوه بفنون مختلفة ، و قبل أن نقوم بنقل نصوصهم نرسم مقدمة مفيدة في المقام فنقول : لا شكّ أَنَّ المتكلم عندما يخبر عن شيء ففيه عدة تصورات و تصديق ، كلها من مقولة العلم ، أمّا التصور فهو عبارة عن إحضار الموضوع و المحمول و النسبة بينهما في الذهن . و أمّا التصديق فهو الإِذعان بنفس النسبة على المشهور.

ولا شكّ أنَّ التصور و التصديق شعبتا العلم . و العلم ينقسم إليهما .  و قد قالوا : العلم إن كان إذعاناً بالنسبة ، فتصديق و إلاَّ فتصور . هذا في الإِخبار عن الشيء.

و أمّا الإِنشاء ، ففي مورد الأمر ، إرادة في الذهن ، و في مورد النهي ، كراهة فيه .  وفي الاستفهام والتمني و الترجيّ ما يناسبها.

فالأشاعرة قائلون بأنَّ في الجمل الإِخبارية - وراء العلم - و في الإِنشائية ، كالأمر و النهي مثلاً  ، وراء الإِرادة و الكراهة ، شيء في ذهن المتكلم يسمّى بالكلام النفسي ، و هو الكلام حقيقة ، و أمّا الكلام اللفظي فهوتعبير عنه ، و هذا الكلام (النفسي) في الإِنسان حادث يتبع حدوث ذاته ، و فيه سبحانه قديم لقدم ذاته ، ولأجل إيضاح الحال نأتي بنصوص أقطاب الأشاعرة في المقام.

1ـ قال الفاضل القوشجي في شرح التجريد: « إنَّ من يورد صيغة أمر أو نهي أو نداء أو إخبار أو إستخبار أو غير ذلك يجد في نفسه معاني يعبّر عنها ، نسمّيها بالكلام الحسيّ . و المعنى الذي يجده في نفسه ويدور في خِلْده ، لا يختلف باختلاف العبارات بحسب الأوضاع و الاصطلاحات ، و يقصد المتكلم حصوله في نفس السامع على موجبه ، هو الذي نسمّيه الكلام» (1).

و لا يخفى أن ما ذكره مجمل لا يعرب عن شيء واضح ، ولكن الفضل بن روزبهان ذكر كلاماً أوضح من كلامه.

2ـ قال الفضل في نهج الحق: « إِنَّ الكلام عندهم لفظ مشترك يطلقونه على المؤلف من الحروف المسموعة ، و تارة يطلقونه على المعنى القائم بالنفس الذي يعبر عنه بالألفاظ و يقولون هو الكلام حقيقة ، و هو قديم قائم بذاته .  و لا بدّ من إِثبات هذا الكلام ، فإنَّ العرف لا يفهمون من الكلام إلاّ المؤلف من الحروف و الأصوات فنقول:

ليرجع الشخص إلى نفسه أنَّه إذا أراد التكلّم بالكلام فهل يفهم من ذاته أنَّه يزوّر و يرتب معاني فيعزِم على التكلّم بها ، كما أنَّ من أراد الدخول على السلطان أو العالم ، فإنّه يرتب في نفسه معاني و أشياء و يقول في نفسه سأتكلم بهذا . فالمنصف يجد من نفسه هذا البتَّة. فها هو الكلام النفسي .

ثمّ نقول على طريقة الدليل إِنَّ الألفاظ التي نتكلم بها لها مدلولات قائمة بالنفس فنقول هذه المدلولات هي الكلام النفسي» (2).

والكلام النفسي في الإِخبار معنى قائم بالنفس لا يتغير بتغير العبارات ، و هو غير العلم ؛ إذ قد يخبر الرجل عمّا لا يعلمه ، بل يعلم خلافه ، أو يشكّ فيه»

يلاحظ عليه:  إِنَّ ما ذكره صحيح ولكن المهم إِثبات أنَّ هذه المعاني في الإِخبار غير العلم ، و هو غير ثابت بل الثابت خلافه ، و أنَّ المعاني التي تدور في خِلْد المتكلم ليست إلاّ تصور المعاني المفردة ، أو المركبة ، أو الإِذعان بالنسبة ، فيرجع الكلام النفسي إلى التصورات و التصديقات ، فأي شيء هنا وراء العلم حتى نسمّيه بالكلام النفسي . كما أنَّه عندما يرتب المتكلم المعاني الإِنشائية ، فلا يرتب إلا إرادته و كراهته ، أو ما يكون مقدمة لهما ، كتصور الشيء و التصديق بالفائدة . فيرجع الكلام النفسي في الإِنشاء إلى الإِرادة و الكراهة ، فأي شيء هنا غيرهما و غير التصوّر حتى نسميه بالكلام النفسي . و عند ذلك لا يكون التكلم و صفاً وراء العلم في الإِخبار ووراءه مع الإِرادة في الإِنشاء . مع أنَّ الأشاعرة يصرّون على إثبات وصف للمتكلم وراء العلم و الإِرادة ؛ و لأجل ذلك يقولون : كونه متكلماً بالذات ، غير كونه عالماً و مريداً بالذات .  و الأوْلى أن نستعرض ما استدلوا به على أنَّ الكلام النفسي شيء وراء العلم . و هذا بيانه:

الأوّل : إنَّ الكلام النفسي غير العلم ؛ لأنّ الرجل قد يخبر عمّا لا يعلمه بل يعلم خلافه أو يشكّ فيه ، فالإِخبار عن الشيء غير العلم به . قال السيّد الشريف في شرح المواقف: « والكلام النفسي في الإِخبار معنى قائم بالنفس لا يتغير بتغير العبارات ، و هو غير العلم ؛ إذ قد يخبر الرجل عمّا لا يعلمه ، بل يعلم خلافه ، أو يشكّ فيه» (3).

يلاحظ عليه : إنَّ المراد من رجوع كل ما في الذهن في ظرف الإِخبار إلى العلم ، هو الرجوع إلى العلم الجامع بين التصور و التصديق . فالمخبر الشاك أو العالم بالخلاف يتصور الموضوع و المحمول و النسبة الحُكميّة ، ثمّ يخبر. فما في ذهنه من هذه التصورات الثلاثة لا يخرج عن إطار العلم ، و هو التصور . نعم ليس في ذهنه الشق الآخر من العلم و هو التصديق . و منشأ الإِشتباه تفسير العلم بالتصديق فزعموا أنَّه غيرموجود عند الإِخبار في ذهن المُخبر الشاك أو العالِم بالخلاف ، و الغفلةُ عن أنَّ عدم وجود العلم بمعنى التصديق لا يدُلّ على عدم وجود القسم الآخر من العلم و هو التصوّر.

المصادر:

(1) شرح التجريد للقوشجي : ص 420.

(2) نهج الحق المطبوع في ضمن دلائل الصدق : ج 1، ص 146، ط النجف .

(3) شرح المواقف : ج 2، ص 94.


مقارنة بين صنع الله وصنع البشر لتوضيح معنى المعرفة الفطرية(2)

 مقارنة بين صنع الله وصنع البشر لتوضيح معنى المعرفة الفطرية(3)

الماركسية واللاأخلاق

نشأة العرفان و التصوف عند المسلمين

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)