• عدد المراجعات :
  • 4321
  • 11/7/2011
  • تاريخ :

فن الرباعيات في الشعر الفارسي

فن الرباعيات في الشعر الفارسي

اسمه بالرباعيات المنظومة بالفارسية على شكل (الدوبيت) والمكونة من أربعة أشطر تنتهي بقافية واحدة ووزن واحد؛ وهو ما عرف باسم الرباعي الكامل، أما الرباعي الخصيّ (الأعرج) فهو يقوم على وزن واحد مع اختلاف قافية الشطر الثالث – غالباً-. والوزن هو بحر (الهزج) المؤلف من تكرار تفعيلة (مفاعيلن) ست مرَّات.. وقد استخرج منه الشعراء أربعة وعشرين وزناً.. علماً أن معظم رباعيات الخيّام من الخصيّ.‏

ولذلك سميت بالرباعيات، وهذا الفن معروف في الشعر الفارسي منذ أواخر القرن الثالث الهجري. وقد نظم عليه شهيد البلخي المتوفى (325ه ‍ /936م) والرّودكي السمرقندي المتوفى (329ه ‍ /940م) والدقيق الطوسي المتوفى (368ه ‍ /978م).. وأبو سعيد ابن أبي الخير المتوفى (440ه ‍ /1049م)؛ وغيرهم.. ‏

وعرف بعض معاصري الخيام الرباعيات واشتهروا بها كالشيخ عبد الله الأنصاري المتوفي (488ه ‍ /1088م) فضلاً عن أنَّ الأستاذ أحمد حامد الصراف وآخرين يرون أن هناك شاعراً آخر يدعى الخيّامي، واسمه علي بن محمد بن أحمد بن خلف الخراساني الملقب علاء الدين.. وهو كثير الشعر مشهور؛ وربما يكون قسم منه نسب لعمر الخيَّام.‏

وإذا كان العرب والمسلمون قد عرفوا المُشَطَّرات الشعرية والمُخَمَّسات والمربَّعَات ولا سيما في الموشحات فإن الرباعيات تختلف في بنيتها القائمة على تكرار كثير من الأفكار. ولعل هذا يجعلها لا تحتاج إلى شاعرية إبداعية بالمعنى الدقيق للشاعرية؛ لأنها لا تحتاج إلى جهد كبير على رأي بعض الدارسين.‏

ومهما يكن القول فالرباعيات نتاج فارسي جُمعت في أواسط القرن التاسع الهجري بعد مضي ثلاثة قرون ونصف على وفاة عمر الخيام؛ ولا يُعْلم عددها بدقة؛ لأنه ما زال يظهر لدينا أشكال منها وإن قيل: بلغت (1200) رباعية.. وقد تناولها الدارسون وحققوا عدداً منها لعمر الخيام، بينما نُسب إليه شعر آخر كثير.‏

وبناء على ما وصل إلينا فهناك مَنْ يرى أن رباعيات الخيام عرفانية صوفية ولا صلة لـه بكل ما انطوى على العبث والإلحاد.. وهناك من يرى أنه لم ينظم أي رباعية؛ لأن مكانته المعرفية والعلمية والعرفانية تبعده عن ذلك؛ علماً أن المؤرخين في عصره وبعده لم يذكروا أنه شاعر، ولا سجلوا له أي رباعية من أي نمط كان؛ وإنما جاءت شهرته من إبداعاته في الفلك وعلم الحساب..‏

ويرى (رضا زاده شفق) أن الخيّام كان ينظم الرباعيات (ليفرج بها عن نفسه بعد طول البحث في مسائل النجوم، أو التدقيق في أبحاث الطب، أو التحقيق في غوامض الحكمة، ولقد كان يسجل الفكرة الكبيرة في تلك الرباعيات البسيطة اللطيفة. ويقال: إنه حينما يتحير في حلّ مسائل العلم بطريق العقل والبرهان كان يتحرك إحساسه عند النظر في تلك المسائل فيظل مبهوتاً متحيراً، فإذا به يحلق في الفضاء الواسع، فيطير بفكره وخياله فيجري لسانه بتلك الرباعيات). ومثله كان أبو حامد الغَزَّالي يتكلم بالنثر تارة ويلجأ إلى الشعر تارة أخرى.‏

فإذا صحَّ ما قاله عنه رضا زادة من إنشاء الرباعيات ترفيهاً لنَفْسِه وتخفيفاً لآلامه من طول النظر في المسائل العلمية الدقيقة فإنَّ الخيام يكون سابقاً للمدارس التربوية الحديثة التي تصطنع الترفيه بالموسيقى واللعب في العملية العلمية والتربوية لطلاب المدارس وغيرهم..‏

دون أن ننسى لحظة واحدة أنَّ الترويح عن النفس بعد طول الذكر والتفكر مبدأ إسلامي يثبته حديث رسول الله(ص) لحنظلة الأسيدي: (والذي نفسي بيده إنْ لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة - ثلاث مرات).‏

وليست الغاية من البحث دراسة توثيق الرباعيات للخيام، فقد أغنانا الدارسون عن هذا كله.. ولم يتوصلوا إلى رأي قاطع في الأمر؛ فمنهم من أثبت له ست عشرة رباعية؛ ومنهم من زادها إلى ست وثلاثين أو ست وخمسين.. وأوصلها آخرون إلى ما يزيد على مئة كما هي عليه الرباعيات التي اعتمدناها بترجمة أحمد الصافي النجفي؛ ومصطفى وهبي التل المشهور بَعَرار... الأولى شعرية والثانية نثرية..‏

ومهما يكن الأمر فمنعم النظر في الرباعيات يدرك أنها متفاوتة المضمون والبناء؛ وإن تشابهت في كثير من الملامح الفنية؛ مما يصعب القطع في نسبة عدد منها إلى شاعر بعينه.. ولهذا جعلنا الترجمتين السابقتين أصلاً لدراستنا، وإن لم نهمل الإشارة إلى ترجمات أخرى.‏

وهنا تقتضي الإشارة منا إلى

أن الرباعيات ترجمت إلى العربية عن الفارسية في الوقت الذي ترجم عدد منها عن لغات أخرى كالإنجليزية.. فقد ترجمت إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية واللاتينية والنمساوية والتركية وغيرها

ويبدو لي أن العرب عرفوا الترجمة الإنجليزية قبل أن يطلعوا عليها بالفارسية، وأول من ترجمها إلى الإنجليزية (توماس هيد) أستاذ اللغتين العربية والعبرية في جامعة أوكسفورد سنة (1700م)، ولكن ترجمة الشاعر الإنجليزية (فتزجيرالد) سنة (1859م) هي التي أصابت الشهرة في الأوساط الإنجليزية؛ لأنها اتصفت بالشفافية والدقة؛ فضلاً عن أنها تواءمت طبيعتها ومفاهيمها مع طبيعة الغربيين، ومبدأ الشك، والبحث عن سر الوجود؛ لذا بلغت طبعاتها حتى سنة (1925م) نحو (129) طبعة. ومن ثم تجاوزت اليوم ثلاث مئة طبعة.. ما جعل الخيام يحوز مكانة عالمية بها دون إهمال شهرته بعلم الرياضيّات والفلك ووَضْع التقويم الشمسي..‏

أمَّا ترجماتها العربية فقد زادت على خمس عشرة ترجمة، عدا الدراسات والأبحاث التي قامت حولها، ويعد الأستاذ وديع البستاني أول من ترجمها عن الإنجليزية إلى العربية سنة (1912م) وأحالها إلى سباعية بدل الرباعية.‏

ولما اطلع عليها عدد من الشعراء العرب سارعوا إلى ترجمتها عن الفارسية؛ فقد ترجمها عن الفارسية أحمد الصافي النجفي إثر قراءته لترجمة وديع البستاني، ثم حرص الشاعر أحمد رامي على تعلم الفارسية وترجم الرباعيات عنها سنة (1924). وتزيد ترجمة رامي شفافية على ترجمة النّجفي؛ وإن سكب كل منهما روحه الشاعرية فيها؛ إذ ترجم الحالة الشعرية التي امتزجت بالحالة الشعورية. والسبب في شفافية رامي أنه كان يقع تحت تأثير أحزان فقد أحد ذويه..‏

وحينما قرّب أحمد رامي الرباعيات إلى النفس العربية بأساليب رقيقة، كان لصوت أم كلثوم أثر بعيد في شهرتها بين الناس حين غنت بعض الرباعيات من ترجمته.‏

وكان الشاعر جميل صدقي الزهاوي قد ترجمها شعراً سنة (1924م) عن الفارسية؛ ولكنه أكثر التصرف فيها، ثم ترجمها نثراً فالتزم بالنقل الحرفي مثله مثل (مصطفى وهبي التل) الملقب بـ (عَرار)؛ على حين جمعت ترجمة محمد الفراتي بين الروح الشعرية والالتزام بكثير من المعاني الأصلية باعتباره متقناً للفارسية، ومترجماً عنها، فضلاً عن ترجمات أخرى كترجمة محمد السباعي وأحمد حامد الصراف مما وقف عنده الدكتور عبد الحفيظ محمد حسن.

وقبل أن نشير إلى خَصائص الرباعيات نثبت أن هذه الترجمات لم تكن مبنية على بحر الهزج وحده، ولم تتبنَّ طريقة واحدة في الشكل، في الوقت الذي اختلفت فيه في طريقة التعبير عن الأصل الفارسي بين النقل الحرفي والمجازي الذي أدخلها في تأويلات جديدة لم تكن في الأصل.. فمن ترجم الحالة الشعرية- باعتباره شاعراً - كالسباعي والنجفي وأحمد رامي فإن ترجمته اتّصفت بالشفافية والصور المتخيلة التي تسمو بالنفس لأن شخصيته وثقافته عدت جزءاً من التجربة الإبداعية الجديدة، وحملت العديد من رؤاه. ومن ترجم الرباعيات ـ باعتباره ناثراً ـ كالزهاوي وتوفيق مفرّج وعرار وأحمد حامد الصرافي فقد اتصفت ترجمته بالنقل الحرفي غالباً؛ وإن لم يستطيع عزل ثقافته عنها.. فتارة تكون دقيقة أمينة؛ وتارة أخرى يتصرف فيها كثيراً بما يتسق وما يملكه من ثقافة.‏

لهذا كله تظل الأحكام الصادرة عليها مرتبطة بذلك كله؛ سواءً منها ما يتعلق بدراسة المضمون أم الشكل..‏

ومهما يكن الأمر فالرباعيات دلت على نزوع عقلي، وقريحة نادرة، وموهبة فذة امتزجت بحس مرهف، وعاطفة متوثبة شفافة... فالحالة الشعرية تستند إلى العقل والحَدْس، فهما أساس الرؤية الشعرية الفلسفية لدى الخيام؛ بل إن والعقل لديه - كما نرى – (ممارسة وجودية تتغير أبنيتها وعلاقاتها مع كل فضاء فكري يُفْتَح، أو كل شكل معرفي يُبْتَكر). ولهذا طغت الدلائل الشعرية المتركزة حول مبدأ الشك واليقين، حتى انتهت لديه إلى فلسفة الوجود والعدم؛ وإن وقيل: إنه من الجبريين؛ أو قيل: إنه من الباطنيين، أو من الأبيقوريين؛ وكذلك قيل: كان لا أَدْريّاً، ومتشائماً.‏

وبناء على ذلك كله كان علينا اختيار الترجمتين اللتين أشرنا إليهما ـ‏

إذ لا بد من الاختيار ـ وهما من أقرب الترجمات إلى الأصل الفارسي ـ وإن كانت ترجمة النجفي ترجمة شعرية - لنبرز فلسفته بين العدم والتصوف؛ هذه الفلسفة التي تنتمي إلى ما يعرف بالشعر الفلسفي؛ باعتبار وظائفه ودلائله وأهدافه، ما يقربه من مفهوم الفلسفة الذي يعني بالكشف عن المشاعر والمعارف والحقائق.‏ ولما أردنا ذلك قدمنا بما يدخلنا إليها بمفهوم (حدود وأبعاد) وأتبعناه بمبدأ الشك واليقين لديه؛ لنكتشف حدوده ومفاهيمه باعتباره العلة للاتجاه الفلسفي المادي الوجودي الذي أوصله إلى فلسفة العدم.. وهذه الفلسفة هي التي أخرجتنا إلى النقيض الذي يتجسد في فلسفة التصوف والحكمة لديه..‏


وقفة عند غزليات حافظ الشيرازي

ملخص الشاهنامه

هوية الشعرالايراني

نظرة في الشعر الايراني الحديث

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)