• عدد المراجعات :
  • 1271
  • 10/13/2011
  • تاريخ :

النشأة الإنسانية في التصور الإسلامي

النشأة الإنسانية في التصور الإسلامي

اختلف الفكر الديني عن الفكر الوضعي في تفسير كل منهما للنشاة الإنسانية لاختلافهما في تصور الإنسان والحياة والوجود ، فالفكر الديني وتبعا للزاوية التوحيدية التي ينظر من خلالها إلى الوجود والحياة اعطى تفسيرا توحيديا لهذه النشأة ، بينما اتبع الفكر الوضعي الزاوية المادية التي ينظر من خلالها إلى الوجود والحياة ، فأعطى تفسيرا ماديا لها، وقد كان التفسير الديني عالميا بحكم قاعدته التوحيدية بينما كان التفسير الوضعي عنصريا بحكم القاعدة اللادينية له .

يقوم التصور الإسلامي للنشأة الإنسانية على ما هو متداول في الكتب السماوية من قصة خلق آدم ( عليه السلام ) قال تعالى : ( اذ قال ربك للملائكة اني خالق بشرا من طين ) (ص : 71) و ( وإذ قال ربك للملائكة اني خالق بشرا من صلصال من حما مسنون ] فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ) (الحجر : 28 29) .

ونتيجة لما جرى لادم في الجنة انزله الله سبحانه وتعالى إلى الأرض ومعه زوجته حواء ، لتشهد الأرض أول أسرة إنسانية وهي التي سيتفرع منها النسل البشري برمته وهكذا ليس للبشرية في التصور الديني الا منبع واحد وهو هذه الأسرة المتكونة من آدم أبي البشرية وحواء أمها وهنا لابد من ملاحظة ظاهرتين قرآنيتين :

الأولى :

ان القرآن الكريم يتحدث عن خلق آدم من خلال خلق الإنسان ففي الآيتين السابقتين نجد ان الله سبحانه وتعالى لا يحدث الملائكة بشان فرد سيخلقه وانما يحدثهم بشان جنس من الخليقة ( خالق بشرا ) سيظهر إلى الوجود ولم يتحدث عن خلق آدم الا في قوله تعالى : ( ان مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ) (آل عمران : 59) .

وواضح من سياقها ومما جاء قبلها وبعدها ان هذه الاية تجري مجرى الرد على اهل الكتاب الذين زعموا ان المسيح ابن الله ، وهو زعم يخل بعقيدة التوحيد وبالتصور العالمي الذي جاء به الدين الإلهي ايضا ، فان احدى المرتكزات المهمة لهذا التصور تتمثل في وحدة المنشأ الإنساني والجنس البشري ، ونسبة المسيح إلى الله تشكل خرقا لهذه الوحدة وربما كانت الحكمة في عدم زواج المسيح ( عليه السلام ) وعدم ظهور ذرية له تتمثل في احباط المحاولة اليهودية التي ستظهر حتما بتقسيم البشرية إلى نسل يتصل بالله عبر المسيح وآخر ينتسب لادم ولا يتصل بالله سبحانه وتعالى ، وحينئذ سيدعي اليهود انهم ابنا الله بالنسبة الحقيقية التي هي أقوى من النسبة الاعتبارية التي ادعوها وحكاها القرآن الكريم عنهم قال تعالى : ( وقالت اليهود والنصارى نحن ابنا الله واحباؤه ) (المائدة : 18) فرد عليهم القرآن : ( قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل انتم بشر ممن خلق ) (المائدة : 17) .

فإذا كان الله سبحانه وتعالى يرفض في هذه الاية النسبة الاعتبارية اليه ، فان ادعاء النسبة الحقيقية اليه لابد من مواجهته بإجراء تكويني وعملي وهو ما حصل في قضية رفع عيسى إلى السماء وعدم ظهور ذرية له لحماية التوحيد من طرؤ الشبهة عليه ، وحماية عالمية التصور الديني من انحراق احد مرتكزاته .

وهكذا فان نسبة الخلق إلى آدم في تلك الاية كانت استثناء خرج فيه القرآن الكريم عن قاعدته في نسبة الخلق إلى الجنس البشري لضرورة عقائدية وربما كان الوجه في هذه القاعدة هو حصر النشأة الإنسانية بتلك التي حصلت لادم في الجنة ، وسد الطرق أمام اية محاولة للانتساب لغير آدم أو لادم آخر غير الذي تحدث عنه القرآن الكريم ، وعدم إعطاء الفرصة لمن سيقول :

بان ما ورد في القرآن لا يدل على ان آدم هو الاب الوحيد للبشرية كل ذلك تاكيدا على وحدة المنشأ الإنساني ، وذلك لأهميتها بالنسبة لعالمية التصور الديني ، وتتمثل هذه الأهمية في إيجاد قاعدة عاطفية مشتركة بين ابناء الجنس البشري

 والربط بين أفراده بشعور عائلي فان هذه العالمية تحاول النفوذ إلى كافة أبعاد الشخصية الإنسانية وجوانبها واشباع كل منها بما يناسبه من فكر أو شعور أو عاطفة عالمية فبعد ان قامت عقيدة التوحيد باشباع العقل الإنساني بالفكرة العالمية ، جاءت وحدة المنشأ الإنساني في التصور الإسلامي لتشبع الحس والشعور الإنساني بعاطفة عالمية تفك الحصار العنصري عن القلب الإنساني وتجعل حب الإنسانية هو المبدأ الأساس له .

الثانية : ان القرآن الكريم ارجع الإنسان إلى مادتين هما: النطفة ويعبر عنها احيانا بالماء أو الماء المهين والطين ويعبر عنه أحيانا بالتراب والصلصال ولكن يلاحظ ان القرآن الكريم يركز على الإرجاع إلى الطين من دون النطفة ففي 18 موردا نسب القرآن الكريم الإنسان إلى الطين ، وفي 7 موارد فقط نسبه إلى النطفة بعبارات مختلفة عنهما طبعا وربما كانت الغاية من هذا التركيز أمورا أربعة :

1ـ ان رجوع الإنسان إلى النطفة أمر محسوس لديه فلا حاجة إلى التركيز عليه .

2ـ الإشارة إلى ان النطفة لا أصالة لها في الوجود وانها تعود بدورها إلى التراب بكلا التحليلين : الفلسفي للوجود ، اي ان كل ما فوق التراب تراب ، فالماء والنبات والمعادن والأحجار أشكال مختلفة للوجود مستمدة من الأرض أو العلمي للنطفة ، حيث تتشكل في الداخل من المواد الغذائية وهذه مستمدة من النبات أو الحيوان وكلاهما يعودان إلى الأرض والقرآن الكريم بنفسه يؤيد هذه النقطة قال تعالى : ( هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ) (غافر: 67) و( فانا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ) (الحج : 5) ، فذكر النطفة من بعد التراب في هاتين الآيتين يعني إرجاعها اليه كمادة أولى لها .

3ـ ان الانتساب إلى النطفة قد يساعد على التفاخر بالنسب والعرق بين ابناء الجنس البشري بادعاء التفاضل العنصري بين العروق والسلالات والقبائل ومن هنا فان إرجاع الإنسان إلى النطفة قد يكون عاملا سلبيا من الناحية التربوية والاجتماعية ولذا فان توصيف القرآن الكريم للنطفة بالماء المهين يعد مطلبا تربويا أريد به الرد عن هذا التفاخر قال تعالى : ( الم نخلقكم من ماء مهين ) (المرسلات : 20) بينما إرجاع الإنسان إلى الطين لا يغري الناس بالتفاخر العنصري فيما بينهم .

4ـ ربط الإنسان باوطأ نسب مشترك بين أفراده وأهمية هذه النسبة تتمثل في الجانب التربوي والأخلاقي فان موقع الخلافة والسيادة الذي منح للإنسان في الأرض سيثير لديه درجة عالية من الاعجاب بالنفس والغرور وسيفقد ، بسبب ذلك توازنه في علاقته مع الله سبحانه وتعالى ، وعلاقته مع أخيه الإنسان فيطغى على الخالق ويتكبر على المخلوق ، ويبتعد في النتيجة عن مسؤوليات الاستخلاف ووظائفه الخلاقة وهذه الأزمة الروحية والأخلاقية يكمن علاجها في التصور الإسلامي بربط الإنسان بنسب واطئ لإذلال الجنبة المادية فيه التي تسبب الشقاء له وحشرها في الدائرة التي تستحقها من الحياة ولكي يدرك ان إسناد موقع الخلافة له في الارض لم يتم على أساس تلك الجنبة ، وانما على أساس الجنبة الروحية التي انطوى عليها وجوده ، والتي تكمن فيها إنسانيته وحقيقته الكاملة .

وهكذا فان الانتساب إلى الطين يمثل عامل التوازن الأخلاقي لدى الإنسان وهو يمارس الحياة بين مسؤوليات موقع الخلافة وامتيازاته فان الجنبة المادية التي تأخذ من الخلافة زهوها وامتيازاتها وعطاها المادي سبب لها هذا الانتساب الشلل والضعف بينما ستتقوى الجنبة الروحية في الميدان النفسي للإنسان الذي سيتجه حينئذ لاداء ما يتطلبه موقع الخلافة من مسؤوليات ووظائف ومن هنا اعتبر النسب الطيني في الثقافة الأخلاقية الإسلامية خير رادع عن التكبر والعصبية والغرور وخير حافز للشعور الأخوي بين أفراد المجتمع الإنساني .

اعداد وتقديم : سيد مرتضى محمدي

القسم العربي - تبيان


مقارنة بين صنع الله وصنع البشر لتوضيح معنى المعرفة الفطرية(2)

 مقارنة بين صنع الله وصنع البشر لتوضيح معنى المعرفة الفطرية(3)

الماركسية واللاأخلاق

نشأة العرفان و التصوف عند المسلمين

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)