• عدد المراجعات :
  • 1681
  • 10/11/2011
  • تاريخ :

الانسان‌ يقترب‌ من‌ الموت‌ بفراره‌ منه‌

الانسان‌ يقترب‌ من‌ الموت‌ بفراره‌ منه‌

لقد بذل‌ أكثر السلاطين‌ اقتداراً، و العظماء، و العلماء و الحكماء والفلاسفة‌ و المفكّرون‌ طيّ القرون‌ المتطاولة‌ قصاري‌ و سعهم‌ و جهدهم‌ وطاقتهم‌ المادية‌ و المعنويّة‌ و الفكريّة‌ عسي‌ ان‌ يفلحوا في‌ فهم‌ أسرار هذا اللغز و فكّ طلاسمه‌، من‌ أجل‌ أن‌ يتمكن‌ البشر من‌ العيش‌ في‌ الدنيا أبداً، وأن‌ لاينتظر ورود الموت‌ المريع‌ و المخيف‌ ولكنهم‌ فشلوا.

 و من‌ بين‌ الاشعار المعروفة‌ و المشهورة‌ لفيلسوف‌ الشرق‌ و مروّج‌ مدرسة‌ المشّائين‌ الشيخ‌ الرئيس‌ أبي‌ علي سينا قوله‌:

 از قعر گِلِ سياه‌ تا أوج‌ زحل‌                    كردم‌ همه‌ مشكلات‌ گيتي‌ را حل‌

 بيرون‌ جستم‌ زقيد هر مكر و حيل‌                هر بند گشاده‌ شد مگر بند أجل‌

 و كذلك‌ يقول‌ الحكيم‌ الخيّام‌ الذي‌ يعدّ نفسه‌ كاشف‌ المعضلات‌ ومبيّن‌ غوامض‌ العلوم‌:

 خيّام‌ كه‌ خيمه‌هاي‌ حكمت‌ مي‌دوخت‌                           در كورة‌ غم‌ فتاد و ناگاه‌ بسوخت‌

 مقراض‌ أجل‌ طناب‌ عمرش‌ ببريد                              دلاّل‌ أمل‌ برايگانش‌ بفروخت‌ [1]

 

يقول‌ أميرالمؤمنين‌ عليه‌ السلام‌ في‌ الايّام‌ التي‌ ضُرب‌ فيها الضربة‌ التي‌ استشهد بها،

ضمن‌ خطبة‌ له‌:

 أَيُّهَا النَّاسُ كُلُّ امْرِي‌ٍ لاَقٍ مَا يَفِرُّ مِنْهُ فِي‌ فِرَارِهِ، وَ الاْجَلُ مَسَاقُ النَّفْسِ اِلَيْهِ، وَالْهَرَبُ مِنْهُ مُوافَاتُهُ، كَمْ اطرَّدَتِ الاْيَّامُ أَبْحَثُهَا عَنْ مَكْنُـونِ هَـذَا الاْمْرِ، فَأَبَي‌ اللَهُ اِلاَّ إخْفَاءَهُ، هَيْهَـاتَ عِلْــمٌ مَخْزُونٌ. [2]

 و العجب‌ كيف‌ انّ الانسان‌ يقترب‌ من‌ الموت‌ بفراره‌ منه‌! فهو يُسرع‌ راكضاً في‌ عبور الشارع‌ لئلاّ تصدمه‌ سيّارة‌، فتسبّب‌ سرعته‌ نفسها اصطدامه‌ و موته‌، فهو في‌ ظاهره‌ فرار من‌ الموت‌ و في‌ واقعه‌ و حقيقته‌ استقبالٌ له‌. وما أكثر ما راجع‌ مريضٌ طبيباً ليعالج‌ له‌ مرضه‌ فمات‌ من‌ اشتباه‌ بسيط‌ للطبيب‌! أو ذهب‌ الي مستشفي‌ لاجراء عمليّة‌ جراحيّة‌ تمكّنه‌ أن‌ يعيش‌ قدراً أكثر في‌ الدنيا فمات‌ تحت‌ مبضع‌ الجرّاح‌!

 و ما أكثر الامثلة‌ في‌ هذا الامر! بل‌ يمكن‌ القول‌ انّ الإنسان‌ يسعي‌ في‌ جميع‌ الساعات‌ و اللحظات‌ التي‌ تمرّ عليه‌ ليُنجي‌ نفسه‌ من‌ براثن‌ الموت‌ وليحفظ‌ وجوده‌ مُصاناً، فيفعل‌ ما يفيده‌ لإدامة‌ حياته‌ و يحترز عمّا يسبب‌ قطعها و زوالها. هذه‌ هي‌ غريزة‌ جميع‌ أفراد البشر، بيد انّه‌ مع‌ وجود هذه‌ الغريزة‌ التي‌ تجعل‌ سعي‌ الانسان‌ منصبّاً بشكل‌ كامل‌ علي بقائه‌، حتّي‌ انّه‌ يمتلك‌ في‌ النوم‌ كذلك‌ حسّ تمالك‌ و حفظ‌ النفس‌ هذا، فانّه‌ ـ في‌ متن‌ الواقع‌ و الحقيقة‌ ـ يقترب‌ بنفسه‌ من‌ الموت‌ كلّ لحظة‌، و يتقدّم‌ بها بهذه‌ النشاطات‌ التي‌ تقترن‌ بانقضاء الزمن‌ و طيّه‌، و التي‌ تخرج‌ عن‌ دائرة‌ إرادته‌ و اختياره‌ شاء أم‌ أبي‌، يتقدّم‌ بها لحظةً بعد لحظة‌ لاستقبال‌ أجله‌ و الاقتراب‌ منه‌،

وهذا هو معني‌ قول‌ المولي‌ عليه‌ السلام‌: وَالْهَرَبُ مِنْهُ مَوَافَاتُهُ.

الهوامش:

[1] ـ ديوان‌ رباعيات‌ خيّام‌

[2] ـ الخطبة‌ 147 من‌ نهج‌ البلاغة‌


مشاهد البعث والقيامة (5)

مشاهد البعث والقيامة (4)

مشاهد البعث والقيامة (3)

مشاهد البعث والقيامة (2)

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)