• عدد المراجعات :
  • 2883
  • 9/20/2011
  • تاريخ :

الرجل‌ العجوز و هارون‌ و الامل‌ البعيد

هارون الرشید

 قيل‌ انّ هارون‌ الرشيد قال‌ يوماً لخواصّه‌ وندمائه‌: أرغب‌ أن‌ أزور شخصاً قد تشرّف‌ بإدراك‌ الرسول‌ الاكرم‌ (صلّي‌ الله‌ عليه‌ و آله‌) وسمع‌ منه‌ حديثاً، لينقل‌ لي‌ عنه‌ بلا واسطة‌.

 و باعتبار انّ خلافة‌ هارون‌ كانت‌ سنة‌ مائة‌ و سبعين‌ هجريّة‌، فقد كان‌ من‌ الجلي‌ ـ مع‌ هذه‌ المدّة‌ الطويلة‌ ـ انّ أحداً لم‌ يبقَ من‌ زمن‌ النبيّ، و إن‌ وجد فانّه‌ سيكون‌ في‌ غاية‌ الندرة‌. لذا فقد سعي‌ رجال‌ هارون‌ و ملازموه‌ في‌ العثور علي شخص‌ بهذه‌ الاوصاف‌ وفتّشوا الاطراف‌ و الاكناف‌، فلم‌ يعثروا الاّ علي رجل‌ عجوز متداعٍ متهالك‌ في‌ غاية‌ الضعف‌ و الوهن‌، لم‌ يبقَ منه‌ الاّ أنفاس‌ تتردّد في‌ كومة‌ عظام‌ بالية‌، فوضعوه‌ في‌ زنبيل‌ و جاءوا به‌ الي بلاط‌ هارون‌ في‌ غاية‌ العناية‌ و أدخلوه‌ عليه‌ فوراً، فسرّ هارون‌ بذلك‌ كثيراً، لانه‌ شاهد شخصاً أدرك‌ رسول‌ الله‌ و سمع‌ منه‌.

 ثم‌ قال‌ له‌: أيّها العجوز! أرأيت‌ النبيّ الاكرم‌؟ قال‌: بلي‌.

 فقال‌ هارون‌: متي‌ رأيته‌؟

 قال‌ العجوز: أخذ أبي‌ بيدي‌ يوماً في‌ طفولتي‌ واصطحبني‌الي‌رسول‌ الله‌ (صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌)، ثم‌ لم‌ أدرك‌ محضره‌ حتّي‌ رحل‌ عن‌ الدنيا.

 قال‌ هارون‌: أفسمعتَ من‌ رسول‌ الله‌ شيئاً ذلك‌ اليوم‌؟

 أجاب‌: بلي‌! سمعتُ من‌ رسول‌ الله‌ ذلك‌ اليوم‌ انّه‌ قال‌: يَشِيبُ ابْنُ آدَمَ وَ تَشُبُّ مَعَهُ خِصْلَتَانِ: الْحِرْصُ وَ طُولُ الاْمَلِ [1] فسرّ هارون‌ كثيراً

 بسماعه‌ رواية‌ علي لسان‌ رسول‌ الله‌ بوساطة‌ واحدة‌ فقط‌، و أمر فأعطوا العجوز كيساً من‌ الذهب‌ جائزةً له‌، ثم‌ أُخرج‌ عنه‌. وحين‌ أرادوا اخراج‌ العجوز من‌ البلاط‌ رفع‌ صوته‌ في‌ أنين‌ واهن‌ ضعيف‌ قائلاً: ردّوني‌ الي هارون‌ فلدي‌ّ معه‌ كلام‌.

 قالوا: لا إمكان‌ في‌ ذلك‌.

 قال‌: لابدّ من‌ رجوعي‌ اليه‌، فلديّ سؤال‌ ينبغي‌ أن‌ أسأله‌ منه‌ ثم‌ أخرج‌. وهكذا أعادوا الزنبيل‌ وفيه‌ العجوز الي هارون‌، فقال‌: ما الامر؟ قال‌ العجوز: لديّ سؤال‌.

 قال‌ هارون‌: قُلْ. فقال‌: أيّها السلطان‌! أعطاؤك‌ الذي‌ تفضّلتَ به‌ علي اليوم‌ لهذه‌ السنة‌ فقط‌ أم‌ هوعطاء يتجدّد كلّ عام‌؟ فتعالت‌ قهقهة‌ هارون‌ وقال‌ متعجّباً:

 صَدَقَ رَسُولُ اللَهِ (صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌)؛ يَشِيبُ ابْنُ آدَمَ وَ تَشُبُّ مَعَهُ خِصْلَتَانِ الْحِرْصُ وَ طُولُ الاْمَلِ.

 انّ هذا العجوز لا رمق‌ له‌، و لم‌ أكن‌ لاظنّ انّه‌ سيبقي‌ حيّاً حتّي‌ خروجه‌ من‌ البلاط‌، وها هويقول‌: أهذا العطاء مختصّ بهذه‌ السنة‌ أم‌ انّه‌ عطاء لكلّ سنة‌. لقد أوصله‌ الحرصُ علي زيادة‌ المال‌ وطولُ الامل‌ الي أن‌ صار يتوقّع‌ لنفسه‌ عمراً فهوفي‌ صدد أخذ عطاء جديد.

 بلي‌، هذه‌ هي‌ نتيجة‌ عدم‌ تربية‌ النفس‌ الانسانية‌ بالادب‌ الالهي‌ّ، ممّا دعي‌ بالحرص‌ والامل‌ الي بسط‌ نفوذهما في‌ وجود الانسان‌ في‌ طيف‌ واسع‌ متزايد لا حدّ له‌ ليقف‌ عنده‌.

 امّا أولئك‌ الذين‌ ترحّلوا بمتاعهم‌ الي العالم‌ الباقي‌، و أمّلوا قلوبهم‌ بالكليّة‌ و الابدية‌، و ذلك‌ بإيمانهم‌ بالمبدأ الازلي‌ الابدي‌ و النزوع‌

 الي الوجود السرمدي‌ لحضرة‌ ذي‌ الجلال‌ و الإكرام‌، اولئك‌ الذين‌ يضعون‌ ـ بالعمل‌ الصالح‌ ـ اسلوب‌ حياتهم‌ علي أساس‌ العدل‌ و الإنصاف‌، فانّ أجرهم‌ عندالله‌، أجر غير ممنون‌ لا انقطاع‌ له‌ و لا أمد.

 إلاَّ الَّذِينَ ءَامَنوا وَ عَملُوا الصَّـ'لِحَـ'تِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ. [2]

 ذلك‌ الاجر والجزاء الذي‌ لاحدّ له‌ ولا حساب‌، وهؤلاء سينعمون‌ في‌ الجنّة‌ الخالدة‌ وعالم‌ الابديّة‌ والخلود بأفضل‌ النعم‌ المعنوية‌ والحقيقية‌.

 فَأول´ئِك‌ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ[3].

 يصلهم‌ فيها رزقهم‌ من‌ ربّهم‌ صباحاً ومساءً.

 وَ لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَ عَشِيًّا [4].

 وبعد بيان‌ الله‌ سبحانه‌ لهذه‌ المراحل‌ الخمس‌ من‌ الحياة‌ الدنيا التي‌ ينقضي‌ كلّ منها ويزول‌ ويتصرّم‌ ويمرّ مرّ السحاب‌ فلا يعود من‌ ذات‌ هذه‌ المراحل‌ حقيقةٌ الي الانسان‌، يقدّم‌ الله‌ تعالي‌ تمثيلاً لها فيقول‌:

 كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَـ'مًا.[5]

المصدر: کتاب معرفة المعاد

الهوامش:

[1] ـ أورده‌ في‌ كتاب‌ أربعين‌ جامي‌،طبع‌ العتبة‌ الرضوية‌ المقدّسة‌ (آستان‌ قدس‌ رضوي‌) بهذا اللفظ‌: يَشِبُ ابْنُ آدَمَ وَ يَشُبُّ فِيهِ خَصْلَتَانِ الْحِرْصُ وَ طُولُ الاْمَلِ. 

و يقول‌ في‌ مجموعة‌ ورّام‌ ابن‌ أبي‌ فراس‌ بإسم‌ «تَنْبِيهُ الْخَوَاطِر و نُزْهَةُ النّواظر»،الطبعة‌ الحجرية‌،ص‌ 204: و قال‌ صلّي‌ الله‌ عليه‌ و آله‌ و سلّم‌: يَهْرَمُ ابْنُ ءادَم‌ وَ تَشُبُّ مِنْهُ اثْنَتَان‌ (خَصْلَتَانِ نسخه‌ ل‌) الْحِرْصُ وَ طُولُ الاْمَلِ.

 و أورد الصدوق‌ في‌ الخصال‌،طبع‌ الاسلاميه‌ سند 1389 ،باب‌ الاثنين‌،ج‌ 1 ،ص‌ 73 بسند واحد عن‌ أنس‌: إنَّ النَبيَّ صلّي‌ الله‌ عليه‌ و ءاله‌ قال‌: يَهْلِك‌ ـ أوقال‌ يَهْرَمُ ـ ابْنُ ءَادَمَ وَيَبْقِي‌ مِنْهُ اثْنَتَانِ: الْحِرْصُ وَ طُولُ الاْمَلِ.

 و أورد بسند آخر عن‌ أنس‌ عن‌ رسول‌ الله‌ صلّي‌ الله‌ عليه‌ وآله‌ قال‌:

 يَهْرَمُ ابْنُ ءادَمَ وَ يَشُبُّ مِنْهُ اثْنَانِ: الْحِرْصُ علي الْمَالِ وَالْحِرْصُ علي الْعُمْرِ. و قد ذكر هاتين‌ الروايتين‌ الاخيرتين‌ المحدّث‌ النوري‌ في‌ كتاب‌ مستدرك‌ وسائل‌ الشيعة‌،الطبعة‌ الحجريّة‌ 1319 ،ج‌ 2 ،ص‌ 335 ،عن‌ نوادر السيّد فضل‌ الله‌ الراوندي‌ باسناده‌ المتّصل‌.

[2] ـ الآية‌ 25 ،من‌ السورة‌ 84: الانشقاق‌.

[3] ـ الآية‌ 40 ،من‌ السورة‌ 40: غافر.

[4] ـ الآية‌ 62 ،من‌ السورة‌ 19: مريم‌.

[5] ـ الآية‌ 20 ،من‌ السورة‌ 57: الحديد.


أيهما أنفع للعبد التسبيح أم الاستغفار؟

سلة الفحم 

كيف تتم صناعة الغباء؟

حکمة سالم

يَرجو الآخِرَةَ بِغَيرِ العَمَلِ 

الحكمة الممنوعة

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)