• عدد المراجعات :
  • 1541
  • 9/11/2011
  • تاريخ :

الزهد ، والمواساة

الزهد

ومن فلسفة الزهد مواساة المحرومين ومشاركتهم في حياتهم . فإن هؤلاء حينما يقيسون أنفسهم بأمثالهم من بني الإنسان وهم أغنياء يحسون في قرارة نفوسهم بالفقر والحرمان من ناحية ، وتأخر عن أمثالهم من الناس من ناحية أخرى . ولا يستطيع الإنسان بطبعه أن يرى غيره ممن لا فضل له عليه يأكل ويتمتع ويفرح ويمرح ، ثم يقف هو جائعاً حزيناً كئيباً وقفة المتفرّج .

وهنا يحس المتدين بمسؤولية ملقاة على عاتقه تثقل كاهله ، أمام هذا الواقع السيئ ، فهو يشعر في قرارة نفسه الصافية بنداء الضمير والوجدان الإنساني الحي الذي عبّر عنه الإمام ( عليه السلام ) فقال: ( أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر ، وما أخذ الله على العلماء أن لا يقارّوا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم ) فيشعر بمسؤوليته تجاه هذا الواقع السيئ وفاءً بما أخذ الله عليه وما عاهد عليه الله إذ آمن بالله وكتبه ورسله .

وإذ لم يستطع ذلك بيد أو لسان فلا أقل من الإيثار ومقاسمة ما عنده لهؤلاء الفقراء المعوزين ، سعياً في سعادتهم وترسم واقعهم المقيت كما فعل ذلك ثلاثة من أئمتنا: الحسن والحسين وعلي بن الحسين ( عليهم السلام ) .

وإذا لم يستطع ذلك أيضاً لكثرة الضحايا في هذا الميدان فلا أقل من أن يضمّد جراح هؤلاء الضحايا - ضحايا قسوة المجتمع الظالم - ببلسم المواساة ومشاركتهم في آلامهم وهمومهم ، والتساوي معهم في فقرهم .

وإن لمواساة الآخرين في أحزانهم أهمية عظمى ، خصوصاً في حياة أئمة الأمة ، أولئك الذين تنظر إليهم الأمة لتقتدي بأفعالهم وأقوالهم .

ولذلك نرى أن الإمام ( عليه السلام ) قد زهد في حياته في الخلافة أكثر من أي وقت مضى ، وكان يقول في ذلك:

( إن الله فرض على أئمة العدل: أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس كي لا يتبيّغ بالفقير فقره ) .

ويقول ( عليه السلام ) في كتابه إلى عامله على البصرة ( عثمان بن حنيف الأنصاري ):

( أأقنع من نفسي بأن يقال أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر ، أو أكون ( أسوة ) لهم في جشوبة العيش . . ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفى هذا العسل ولباب هذا القمح ونسائج هذا القز .

ولكن هيهات أن يغلبني هواي ويقودني جشعي إلى تخير الأطعمة ، ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالبشع! أو أبيت مبطاناً وحولي بطون غرثى وأكباد حرى؟! أو أكون كما قال القائل:

وحسبك داء أن تبيت ببطنة***وحولك أكباد تحن إلى القدّ نعم ، كان الإمام ( عليه السلام ) هو هكذا ، ولكنه كان إذا سمع برجل يضيق على نفسه كان ينكر عليه ذلك .

فقد شكا إليه العلاء بن زياد الحارثي الهمداني أخاه عاصم بن زياد ، فقال له وماله؟ قال: لبس العباءة ، وتخلى عن الدنيا! قال: عليّ به . فلما جاء قال له:

( يا عُديّ نفسه! لقد استهام بك الخبيث! أما رحمت أهلك وولدك؟ أترى أحل الله لك الطيبات وهو يكره أن تأخذها؟ أنت أهون على الله من ذلك )!

فقال: يا أمير المؤمنين! هذا أنت في خشونة ملبسك وجشوبة مأكلك؟!

فقال ( عليه السلام ): ( ويحك! إني لست كأنت ، إن الله فرض على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس . . ) .

وفي ( أصول الكافي ) عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أنه قال: ( إن الله جعلني إماماً لخلقه ، ففرض عليّ التقدير في نفسي ومطعمي ومشربي وملبسي كضعفاء الناس ، كي يقتدي الفقير بفقري ولا يُطغي الغني غناه ) .

وقال رجل لأبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق ( عليه السلام ): أصلحك الله! ذكرت أن علي بن أبي طالب كان يلبس الخشن والقميص بأربعة دراهم وما أشبه ذلك ، ونرى عليك اللباس الجديد؟!

فقال له: ( إن علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) كان يلبس ذلك في زمان لا ينكر عليه ، ولو لبس مثل ذلك اليوم لشهر به ) .

إذن فهذا الزهد الناتج عن فلفة المواساة - كما ترى بوضوح - لا يمت إلى الرهبنة بشيء ، وليس - كما يقولون - فراراً من المسؤولية وإعراضاً عنها ، بل هو المواساة لآلام الفقراء والضعفاء .


عظمة النفس و الغيرة في نهج البلاغة

الفصاحة والجمال في نهج البلاغة

بلاغة الإمام علي عليه السلام

عقله الجبار ينظم عاطفته

ماهي التقوى؟

الفضيلة مصدر القيمة الاجتماعية

التغيير الفردي والاجتماعي في نهج البلاغة

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)