• عدد المراجعات :
  • 826
  • 8/10/2011
  • تاريخ :

النشاط الاقتصادي بعد الثورة الاسلامية (1)

ايران

قبل كل شيء لا بدّ من التنبه إلى أنّ الحقل الاقتصادي يتباين بفوارق أساسية عن ميادين الثقافة والسياسة ، لذلك كانت لتحولاته وتطوراته اشكال مختلفة . على الرغم من التفاعلات والتأثيرات بين المساحات الثلاث الثقافية والاقتصادية والسياسية ، بيد أنّ التفاوتات التي تميز بينها تترك التفاعلات المذكورة معقدة غير بسيطة . وإذن ، فوقوع الثورة الذي يبعثر البنى في الصعد الثلاثة على السواء ، يترك تأثيراته في كل واحد منها بطريقة معينة . فمثلاً أبرز تجليات الثورة هو سقوط نظام الحكم السابق وتبدل النظام السياسي في البلاد ، الأمر الذي تقفوه تغيرات سريعة وعظيمة على الساحة السياسية . بيد أن مثل هذه السرعة غير متاحة على المستوى الاقتصادي . بتعبير آخر ، تطرأ على الأوجه الخارجية لكل واحد من هذه الأصعدة الثلاثة ومنها الاقتصاد تغيرات سطحية بسبب انتصار الثورة ، بينما تستدعي التغيرات البنيوية الأساسية دراسات وتخطيطات دقيقة شاملة ، وانشاء مؤسسات وتستغرق وقتاً طويلاً ، واية واحدة من هذه المستلزمات لا تتوفر بوقوع الثورة ، إنّما هي رهن بالمساعي المستقبلية لأصحاب القرار في النظام السياسي الجديد مضافاً إلى الظروف التي ستسود بعد الثورة وتلقي بظلالها على الارادات والقرارات . وبالتالي فإن حصيلة الارادات الذهنية والواقع الموضوعي هي التي تكتسي لبوساً عملياً وتنفيذياً . بناءً على هذا يجوز القول أن مراجعة الوضع الاقتصادي لايران بعد الثورة الاسلامية لا يمكن أن تبتني على محض الشعارات والرغبات ، إنّما اساس الدراسة بالدرجة الأولى هو الظروف والامكانات التي توفر لنا معايير واقعية ، وبالدرجة الثانية يجب قياس التناسب بين الأنشطة وعمق المتغيرات وبين المطالبات .

النقطة الأهم في الاقتصاد الايراني قبل الثورة الاسلامية هي تبعيته التي أدت إلى ضعف حركيته وحيويته اللازمة . وقد كانت التبعية المذكورة مشهودة على المستويين الداخلي والخارجي . داخلياً كان الاقتصادي الايماني مرتهناً بشدة للنفط ، وإذن فقد كان اقتصاداً حكومياً . وخارجياً كان يتحرك باتجاه القضاء على الاستغلال الاقتصادي للبلاد وتكريس اقتصاديات تابعة للمعسكر الغربي وأمريكا . وأوّل ثمار الثورة الاسلامية هو التأثير على البعد الخارجي للاقتصاد وايقاف نهب المصادر الوطنية ، والافادة من تجارب الأجانب وامكانات ضمن اطار قانوني بملاحظة قاعدة «نفي السبيل» التي تمنع خضوع المسلمين لهيمنة الأجنبي . العداوات المتواصلة ضدّ الثورة مثل شن الحرب المفروضة وفرض الحظر بأنواع المختلفة ، كرست هذه الخطوة في مضمار الأنشطة الثورة الاقتصادية ودفعتها صوب الابداع ، فالقيود والضغوط من جهة وارادة حفظ الثورة الاسلامية من جهة ثانية ، نقلت الطاقات الكامنة إلى حيز الفعل . وبالطبع فإن هذه المساعي ، لم توفق في العقد الأوّل من الثورة الذي سادته حالة من عدم الاستقرار نتيجة الثورة والحرب ، لاحداث تغييرات جادة وطويلة الأمد في البنى التحتية الاقتصادية ، مضافاً إلى أنّ الحرب المفروضة أثقلت كاهل الاقتصاد الضعيف والتبعي بخسائر كبيرة . غير أن هذا الضعف ، لم يظهر على شكل توترات واحتجاجات اجتماعية بسبب النجاحات في الحقل السياسي (سقوط النظام الشاهنشاني وتأسيس نظام الجمهورية الاسلامية) والتغييرات القيمية والسلوكية في المجالات الثقافية والاجتماعية . عموماً بقي الاقتصاد غير منظم ، ولم تستطع الخطط المختلفة في حقل الاقتصاد سوى معالجة الشؤون بصفة موقتة وسد الاحتياجات اليومية والتركيز على ردم الفجوات التي أحدثتها الحرب ، حيث تمّ العمل بنجاح في هذا المجال ، وأثمرت الجهود عن الحفاظ على ضروريات الحياة الاقتصادية في سنوات الحرب المفروضة وغير المتكافئة . تحدث المهندس ميرحسين موسوي عن ذلك الواقع على شكل مقارنة احصائية بنحو التالي : في سنة 1978 كان المنظرون الاقتصاديون للنظام السابق قد أكدوا في حساباتهم إنّ البلاد إذا أرادت المحافظة على وضعها الاقتصادي لعشرة أعوام أخرى ، ولم تتطلع إلى أي تقدّم جديد ، ستحتاج في عام 1988 إلى 40 مليار دولار من عائدات العملة الصعبة . ونحن الآن في سنة 1988 بعشرة مليارات دولار هي الميزانية التي صادق عليها المجلس . خبراء النظام السابق لم يقدموا هذه المحاسبات لأغراض دعائية حتى يتاح لنا التشكيك في صحة الأرقام . لقد كان هذا التكهن قيد الدراسة والبحث في أكثر اجتماعات الشورى الاقتصادية آنذاك سرّيةً . وهم لم يأخذوا بنظر الاعتبار في محاسباتهم تلك نشوب الحرب والانفاقات الباهضة التي تستوجبها والانخفاض المروّع لقيمة الدولار . وقد اعتبروا معدل النمو السكاني 5 / 2% ، والحال إن احصاءات سنة 1986 تشير أنّ العقد الذي انتهى بهذه السنة شهد نمواً سكانياً في البلاد بمعدل 9 / 3% للسنة الواحدة . ما الذي ردم هذه الهوة ذات الثلاثين مليار دولار ؟ إنّها ارادة الشعب في حدود جديرة بالثناء ، والامكانيات الادارية المستحدثة في البلاد ضمن حدود جديرة بالملاحظة  .

بعد انتهاء الحرب ، بدأ عهد اعادة الإعمار والبناء الذي يمكن تسميته عهد التجربة والخطأ ، والذي يستشف انّه لا يزال مستمراً ، إذ على حد تعبير الدكتور محمد خوش چهره : قال السيد خاتمي بسبب الافتقار إلى نظرية اقتصادية سنتقدم بالاقتصاد في طريق التجربة والخطأ [2] . بعد سنوات الحرب تركزت الجهود على المضمار الاقتصادي إلى درجة يمكن معها القول إن حمى النشاط الاقتصادي القائم طبعاً على رؤية خاصة للشؤون الاقتصادية ، كانت قد بدأت . مع إنّ الاقتصاد كان لا يزال حكومياً ومعتمداً على عائدات النفط ، ألا إنّ الأنشطة التأسيسية كانت تتابع بمزيد من المثابرة والجد . كتب الدكتور ابراهيم رزاقي في هذا الصدد : في سنوات ما بعد الثورة ، واجه الدخل القومي الايراني حتى عام 1989 تذبذبات ومنعطفات كبيرة ، ألا انّه بعد تلك السنة سار على وتيرة منتظمة من النمو ، حتى انّه وصل من 5 / 8226 مليار ريال في سنة 1989 إلى 7 / 12247 مليار ريال في عام 1994 إلى السعر الثابت لسنة 1982 [3] . ويقول أيضاً : المكتسبات الصناعية في انتاج الفولاذ والنحاس والألمنيوم والبتروكيمياويات والالكترونيات وصناعة السيارات ، ونمو شبكات الاتصال ووسائله ، كانت جديرة بالملاحظة في سنوات الخطة الأولى وسنتين من الخطة العمرانية الثانية من حيث إشباع الاستهلاك الداخلي . ألا إن عدم نمو الصادرات الصناعية واقامة أواصر بين القطاعات الاقتصادية (رغم ما اتخذ من الخطوات على هذا الصعيد) واستمرار أحادية الانتاج في الاقتصاد الايراني ، يمكن أن يشي بتواصل الوضع السابق مع متغيرات تتلائم والظروف الدولية والداخلية الجديدة [4] .

الهوامش:

 [2] ـ صحيفة (سياست روز) ، حوار : 22 سنة من ادارة اقتصاد البلاد في بوتقة نقد الخبراء ، الأحد 23 / 11 / 1379 (12 / 2 / 2001م) .

[3] ـ ابراهيم رزاقي ، التعرف على اقتصاد ايران ، منشورات ني ، ط1 ، 1997 ، ص92 ـ 93.

[4] ـ م س ، ص280 .


التدين بعد الثورة الاسلامية (1)

مذكرات معاق- الحركة

بينوکيو و التماسيح البعثية

الجنون حتي القيامة

مذکرات الاحرار-نحن منافق

مذکرات -الجسر

مذکرات الاحرار- القرد الكبير

 

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)