• عدد المراجعات :
  • 1035
  • 6/12/2011
  • تاريخ :

نموذج آخر لمخالفة الوجدان

الورد

الرشيد وغادر

وهناك نموذج آخر لمخالفة الوجدان يظهر في قصة هارون الرشيد مع جارية أخيه الهادي، ننقلها هنا لما فيها من فائدة:

"... يحكى أن هارون الرشيد حج ماشياً، وإن سبب ذلك أن أخاه موسى الهادي كانت له جارية تسمى (غادر) وكانت أحظى الناس عنده، وكانت من أحسن النساء وجهاً وغناء، فغنت يوماً وهو مع جلسائه على الشراب، إذ عرض له سهو وفكر وتغير لونه وقطع الشراب، فقال الجلساء: ما شأنك يا أمير المؤمنين؟.

قال: لقد وقع في قلبي أن جاريتي (غادر) يتزوجها أخي هارون بعدي.

فقالوا: يطيل الله بقاء أمير المؤمنين، وكلنا فداؤه.

فقال: ما يزيل هذا ما في نفسي...

وأمر بإحضار هارون وعرفه ما خطر بباله، فاستعطفه وتكلم بما ينبغي أن يتكلم به في تطييب نفسه، فلم يقنع بذلك وقال: لا بد ان تحلف لي !

قال: لأفعل، وحلف له بكل يمين يحلف بها الناس من طلاق وعتاق وحج وصدقة وأشياء مؤكدة فسكن. ثم قام، فدخل على الجارية فأحلفها بمثل ذلك، ولم يلبث شهراً ثم مات.

فلما أفضت الخلافة إلى هارون، أرسل إلى الجارية يخطبها...

فقالت: يا سيدي كيف بايمانك وايماني؟!!

فقال: أحلف بكل شيء حلفت به من الصدقة والعتق وغيرهما إلا تزوجتك، فتزوجها وحج ماشياً ليمينه، وشغف بها أكثر من أخيه حتى كانت تنام فيضجع رأسها في حجره ولا يتحرك حتى تتنبه، فبينما هي ذات ليلة إذ انتبهت فزعة...

فقال لها: ما لك؟!

فقالت: رأيت أخاك في المنام الساعة وهو يقول:

 

أخلفــت وعـدك بعدمــا  
جـاورت سكـان المقابــر
ونسيتني، وحنـثـت فــي
ايمانك الكذب الفواجـر
فظللـت في أهـل البــلاد  
وغـدوت فـي الحور الغرائر
ونكحــت غـادرة أخـي ! 
صدق الذي سمـاك غــادر
لا يهنـك الإلـف الجديــد    
 ولا تـدر عنـك الـدوائــر
ولحقت بي قبـل الصبــاح  
وصرت حيث غدوت صائـر

      

... والله يا أمير المؤمنين، فكأنها مكتوبة في قلبي، ما نسيت منها كلمة.

فقال الرشيد: هذه أضغاث أحلام.

فقالت: كلا والله ما أملك نفسي... وما زالت ترتعد حتى ماتت بعد ساعة"1.

هذه الجارية كانت قد أخلفت وعدها مع الهادي، وبسبب مخالفتها لنداء الفطرة والوجدان كانت تحس بالاضطراب والقلق دائماً. إن تعذيب الضمير لم يتركها لوحدها، بل كان يوجه الضربات القاسية نحوها ليلاً ونهاراً، في اليقظة والحلم. إلى أن لقيت حتفها على أفظع شكل2.

إن الانسان معرض في كل مرحلة ومنزلة إلى الخطر من ناحية ميوله وأهوائه. وإن الغفلة عن نداء الضمير، والانقياد التام للرغبات النفسية يمكن أن يؤدي في اللحظة الحاسمة إلى قلب حياة الانسان رأساً على عقب ويبعث على الانهيار والسقوط الذي لايمكن أن يعالج بأية قوة.

وبهذا الصدد يقول الامام أمير المؤمنين عليه السلام:"كم من شهوة ساعة، أورثت حزناً طويلاً"3.

---------------------------------------------------------------

المصادر:

1- ثمرات الأوراق لابن الحموي ج 2-106. هامش المستطرف المطبعة

الميمنية القاهرة 1314 هـ.

2- الطفل بين الوراثة والتربية

3- الكافي 2-451.


رقابة تربوية لتنمية مواهب

تنمية القابليات في باطن الإنسان

القابليات الروحية لدى الإنسان

التربية البدنية من وجهة نظر الإسلام

مناقشة نظرية نسبية الأخلاق

مسايرة التربية للفطرة

 

 

 

 

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)