• عدد المراجعات :
  • 1181
  • 5/9/2011
  • تاريخ :

مذاهب تفسير فواتح السور

الورد

الأوّل:

ما نُسب إلى ابن عبّاس من أنّ هذه الحروف ترمز إلى بعض أسماء الله وصفاته وأفعاله، فقد رُوي عنه في (ألم): "أناالله أعلم"، وفي (المر): "أنا الله أعلم وأرى"(1) إلى غير ذلك.

ويؤيّده ما رُوي عن معاوية بن قرة عن النبي (صلّى الله عليه وآله) من أنّها حروف من أسماء الله(2).

 

الثاني:

أنّها أسماء للقرآن الكريم: كالكتاب والفرقان والذكر، وإلى هذه المذهب صار جماعة من التابعين: كقتادة ومجاهد وابن جريج والكلبي والسدّي(3).

ويُناقش هذان المذهبان بأنّهما لا يستندان إلى دليلٍ علمي أو قرينةٍ معتمدة،

وإنّما هما من الرجْم بالغيب، فلا مناسبات الظروف الموضوعيّة، ولا مناسبات الكلام اللُّغويّة هي التي تُشير إلى هذا المعنى، وحالهما حال كلّ تفسيرٍ أو فرضيّةٍ أُخرى يمكن أن تُذكر في هذا المجال، شريطة أن لا تتنافى مع بديهيّات العقيدة القرآنية.

 

الثالث:

إنّ هذه الحروف مقتطعة من أسماء لها دلالة معيّنة بحسب الواقع، وهي مجهولة لنا معلومة للنبي (صلّى الله عليه وآله)، ويؤيّد ذلك أنّ هذه الطريقة كانت معروفةً لدى بعض العرب في مخاطباتهم وأحاديثهم؛ وقد رُوي ذلك عن ابن عبّاس وابن مسعود وجماعة من الصحابة(4).

كما أنّ ما ذهب إليه الطبري ورُوي عن ابن أنس يكاد يتّفق مع هذا المذهب أيضاً، وهذا المذهب قريب إلى المذهب الأوّل الذي رُوي عن ابن عبّاس أيضاً.

ويمكن أن يُناقش هذا المذهب بنفس مناقشتنا للمذهبين السابقين.

 

الرابع:

إنّها أسماءٌ للسور التي جاءت فيها، فـ (الم) اسم لسورة البقرة و(كهيعص) اسم لسورة مريم و(ن) اسم لسورة القلم وهكذا...

وقد اختار هذا الرأي أكثر المتكلّمين وجماعةٌ من اللُّغويّين(5) واستحسنه الشيخ الطوسي كما رجّحه الطبرسي، ودافعا عنه بعد أن أوردا عليه بعض الشبهات(6) كما اختاره ـ أيضاً ـ الشيخ محمد عبده(7).

وتحمّس الفخر الرازي في تأييده وأطنب في بيان الشبهات التي أوردوها عليه ونقضها(8).

 

وأهم ما أورد عليه الشبهتان التاليتان:

 

الشبهة الأُولى:

إنّ الاسم إنّما يوضع للتمييز بين المسمّيات، وهذا لا يتّفق مع تسمية عدّة سِوَر باسمٍ واحدٍ، كما حدث في البقرة وآل عمران، فأنّه وردفي أوّلهما (الم) وحدث في السجدة وغافر وفصّلت فأنّه أوّلها (حم).

 

 الشبهة الثانية:

إنّ الاسم لا بُدّ أن يكون غير المسمّى في الوقت الذي قام الإجماع على أنّ هذه الحروف جزءٌ من السور التي جاءت فيها.

وقد أجاب الشيخ الطوسي عن الشبهة الأُولى: بأنّه لا مانع من تسمية عدّة أشياء باسمٍ واحدٍ مع التمييز بينهما بعلامةٍ مميّزة، وقد وقع هذا في الأعلام الشخصيّة كثيراً.

كما أجاب عن الشبهة الثانية: بأنّه لا مانع من تسمية الشيء ببعض ما فيه، كما حدث في تسمية سورة البقرة وآل عمران والأعراف من السور.

 

ولكن مع كلّ هذا ـ قد يُلاحظ على هذا الرأي:

إنّ الحروف تُقرأ مقطّعةً بذكر أسمائها (ألف ـ لام ـ ميم) لا مسمّياتها، وهذا لا يناسب أن تكون أسماءً للسور، وإلاّ لكانت قراءتها بمسمّياتها كما هي مكتوبة، وهذه الكيفيّة من القراءة تناسب أن تكون الحروف مقصودة في نفسها بالذكر لا أنّها أسماء لأشياء أُخرى، وقد أشار الزمخشري(15) إلى هذه الملاحظة ولكن بصياغةٍ أُخرى ثمّ ردّها.

فقد قال الزمخشري:

فإن قلت فما بالها مكتوبة في المصحف على صور الحروف أنفسها لا على صور أساميها؟

قلتُ: لأنّ الكَلِم لمّا كانت مركبةً من ذوات الحروف، واستمرّت العادة متى تُهجّيت، ومتى قيل للكاتب اكتب كيت وكيت أن يلفظ بالأسماء، وتقع في الكتابة الحروف أنفسها عمل على تلك الشاكلة المألوفة في كتابة هذه الفواتح(16).

وهذا الردُّ الذي ذكره الزمخشري يؤكّد ملاحظتنا ـ بصيغتها الصحيحة ـ في أنّ هذه الكيفيّة من النطق تعني: أنّ الحروف هي المقصودة بذاتها، لا أنّ المقصود الإشارة إلى السورة المسمّاة بهذه الحروف، وإلاّ لنُطقت الحروف بنفسها لا بأسمائها، ولذا نرى صحّة هذه الملاحظة بهذه الصيغة.

 

الخامس:

إنّ هذه الحروف إنّما جيء بها ليُفتتح بها القرآن الكريم، وليُعلم بها ابتداء السورة وانقضاء ما قبلها، وقد اختار هذا الرأي البلخي ورُوي عن مجاهد أيضاً، وذكر له الشيخ الطوسي بعض الأمثلة من استعمالات العرب(17)، ويؤيّده قول أحمد بن يحيى بن ثعلب: إنّ العرب إذا استأنفت كلاماً فمن شأنهم أن يأتوا بشيءٍ غير الكلام الذي يريدون استئنافه فيجعلونه تنبيهاً للمخاطبين على قطع الكلام الأوّل واستئناف الكلام الجديد(18).

وقد يُلاحظ على هذا الرأي بعدم شمول هذه الطريقة لجميع سور القرآن الكريم، ويبقى الاختصاص حينئذٍ سرّاً نحتاج إلى إيضاحه والكشف عنه.

نعم قد يُقال: إنّ هذه الطريقة إنّما كانت الحاجة إليها موجودة في السور الطوال التي كانت تنزل تدريجيّاً وليس في جميع سور القرآن الكريم، حيث كان بعضها ينزل دفعةً واحدةً، كما في السور القصار.

ولكنّ الملاحظة الأساسيّة الأُخرى على هذا الرأي هي أنّ البسملة يمكن أن تقوم بهذا الدور في تمييز الانتهاء من السورة والشروع بالسورة الأُخرى، حيث وردت الأحاديث التي تؤكّد أنّ البسملة كان لها دور تمييز انقضاء السورة من ابتدائها(19).

 

السادس:

إنّها أسماء للحروف الهجائيّة المعروفة، وإنّما جيء بها تنبيهاً للناس على أنّ القرآن الكريم الذي عجزوا عن مباراته والإتيان بمثله، ليس إلاّ مؤلَّفاً من هذه الحروف ومركّباً منها، فلم يكن التحدّي به لأنّه يحتوي على مادّةٍ غريبةٍ عنهم وإنّما كان بشيءٍ مركّبٍ من هذه الحروف التي يتكلّمون ويتحادثون بها، وقد عجز عن الإتيان بمثله أهل الفصاحة والبلاغة؛ وقد ذهب المبرّد وجمعٌ كبيرٌ من المحقّقين إلى هذا المذهب(20).

وقد يُناقش هذا المذهب بأنّ مجرّد ذكر الحروف في أوّل السورة بهذا الشكل المتقطّع لا يكفي في إيضاح هذه الحقيقة، وقد لا يشعر الناس بذلك فلا يحقّق حينئذ القرآن هدفه من ذكرها، إلاّ إذا كانت القرائن الخارجيّة والحاليّة التي تحيط الكلام لها دور في الإفهام وتحقيق هذا الهدف، وهذا ما لا يمكن أن نعرفه من نفس هذه الحروف.

وقد كان من الممكن أن يصل القرآن إلى ذلك عن طريق إيضاح الفكرة ببيان قضيّةٍ عامّةٍ تستوعب هذا المضمون وتشرحه؛ فالفكرة التي يتبنّاها هذا المذهب وإن كانت صحيحة ولكنّها تحتاج إلى إبراز القرائن الحاليّة التي كانت تؤدّي دور الإفهام، كما سوف نُشير إلى ذلك.

 

السابع:

إنّ هذه الحروف إنّما جاءت في أوّل السور؛ ليفتح القرآن أسماع المشركين الذين تواصوا بعدم الإنصات إليه؛ كما أشار القرآن الكريم إلى ذلك في قوله تعالى ـ على لسانهم ـ : "لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ"(21) فكانت هذه الحروف ـ بطريقة عرضها وغموضها ـ سبباً للفت أنظار المشركين إلى استماع القرآن الكريم رجاء أن يتّضح لهم منه هذا الغموض والإبهام عند استماعهم له.

ويزداد هذا المذهب وضوحاً إذا لاحظنا الحالة النفسيّة التي كان يعيشها المشركون آنذاك، حيث ينظرون إلى القرآن الكريم على أنّه صورة المعجزة المدّعاة وأنّه ذو صلةٍ بالغيب وعوالمه العجيبة، فهم ينتظرون في كلِّ لحظةٍ أن تحدث ظاهرة غريبة تفسّر لهم الموقف وتأتيهم بالأُمور العجيبة.

 

الثامن:

إنّها حروف من حساب الجمل؛ لأنّ طريقة الحساب الأبجدي المعروفة الآن كانت متداولةً بين أهل الكتاب آنذاك، فهذه الحروف تُعبّر عن آجال أقوامٍ معيّنين.

ومن هنا نجد ـ كما رُوي عن ابن عبّاس ـ أبا ياسر ابن أخطب اليهودي يحاول أن يتعرّف على أجل الأُمّة الإسلامية وعمرها من خلال هذه الحروف(22).

وقد لاحظ ابن كثير على هذا الرأي بقوله:

(وأمّا من زعم أنّها دالّة على معرفة العدد وأنّه يستخرج من ذلك أوقات الحوادث والفتن والملاحم فقد ادّعى ما ليس له، وطار في غير مطاره وقد ورد في ذلك حديث ضعيف، وهو مع ذلك أدلّ على بطلان هذه المسلك من التمسّك به على صحّته...)(23).

كما لاحظ عليه السيّد رشيد رضا بمثل هذه الملاحظة حيث قال:

(إنّ أضعف ما قيل في هذه الحروف وأسخفه أنّ المراد بها الإشارة بأعدادها في حساب الجمل إلى مدّة هذه الأُمّة أو ما يشابه ذلك)(24).

 

التاسع:

إنّ ذكر هذه الحروف في القرآن الكريم يدل على ناحيةٍ اعجازيّة تشبه دلالة بقيّة الآيات القرآنية؛ وذلك لأنّ النطق بهذه الحروف وإن كان متيسّراً بالنسبة إلى كلّ من يتكلّم العربية، ولكنّ أسماءها لم تكن تتيسّر إلاّ للمتعلِّم من العرب، ولمّا كان النبي (صلّى الله عليه وآله) أُمّيّاً ـ كما يعرفه بذلك معاصروه ـ فقدرته على معرفة أسمائها قرينة على تلقّيه ذلك من قِبَل الغيب، ويكون ذلك من قبيل ذكر القصص القرآني الذي لم يكن للنبي (صلّى الله عليه وآله) طريقٌ للاطّلاع عليه غير الوحي الإلهي، لعدم اطّلاع قريش عليه قبل هذا، وأيضاً هو بمنزلة من يتكلّم باللُّغة الأجنبيّة من دون أن يسمعها أو يتعلّمها من أحد، ولعلّ هذا هو السبب في تقديم ذكرها على السورة كلّها.

وقد أوضح الزمخشري هذه الفكرة بإبداء ملاحظةٍ أُخرى هي: أنّ ظاهرة غريبة تُلاحظ حين نريد أن ندرس هذه الحروف بدقّة، تدعونا إلى الحكم بأنّ هذه الحروف قد أُختيرت بعنايةٍ فائقةٍ لا تتوفّر إلاّ لدى المتخصّصين من علماء العربية، ذلك أنّ هذه الحروف تمثّل نصف أسامي الحروف العربية، حيث إنّ عددها أربعة عشر، كما أنّها جاءت في تسع وعشرين سورة هي عدد حروف المعجم كلّها بإضافة الهمزة، ثمّ إذا نظرت في هذه الحروف الأربعة عشر وجدتها مشتملةً على أنصاف أجناس الحروف من المهموسة والمجهورة، والشديدة والرخوة، والمطبقة والمنفتحة، والمستعلية والمنخفضة.

وقد أضاف أحمد بن المنير في شرحه للكشّاف إضافاتٍ أُخرى عديدة(25).

وهذه الملاحظة يمكن أن تكون مؤكّدةً هذه الفكرة، كما يمكن أن تؤيّد ـ أيضاً ـ القول السادس الذي أشار إليه الزمخشري أيضاً، في ذيل هذه الملاحظة وكأنّه حاول أن يوائم بين القول: السادس والتاسع(26).

 

العاشر:

ما ذكره ابن كثير وأوضحه السيّد رشيد رضا وحاصله:

أنّ من الملاحظ أنّه قد جاء بعد هذه الحروف ذكر الكتاب الكريم ونبأ تنزيله، ولم تتخلّف عن ذلك إلاّ سور أربع هي: مريم والعنكبوت والروم والقلم، وفي كلّ واحدةٍ منها أمراً مهمّاً يشبه مسألة الكتاب وإنزاله.

فإنّنا نجد في فاتحة سورة مريم خلق يحيى من امرأة عاقر كبيرة، ومن شيخٍ عجوز، وهو أمرٌ يخالف القوانين التجريبيّة السائدة، وفي فاتحة العنكبوت والروم نجد أمرين مهمّين يرتبطان بالدعوة ومصيرها، حيث جاء في فاتحة العنكبوت بيان قانون اجتماعي وضعه الله لاختبار الناس وتمييز الصالح منهم عن غيره، ولهذا القانون تأثيرٌ كبيرٌعلى سير الدعوة، حيث يوضّح أنّ الفتنة والعذاب لا يمكن أن يكونا دليلاً على خذلان الله لأحبائه وإنّما هما اختبارٌ لصدق إيمانهم ورسوخه.

وفي فاتحة الروم قضيّة الإخبار بغلبة الروم على الفرس في بضع سنين.

وفي فاتحة القلم وخاتمتها تبرئة الرسول من تهمة الجنون التي كانت من أوّل ما رُمي به النبي (صلّى الله عليه وآله) من تهم، كما أنّ السورة كانت من أوّل ما نزل من القرآن.

ومن الواضح أنّ هذه القضايا ترتبط جميعاً بالوحي الإلهي أو الرسالة بصورةٍ مباشرة، وهذا الارتباط بين الحروف المقطّعة وبين تأكيد الكتاب وإنزاله من السماء والرسالة وعلاقتها بالسماء يدعونا للقول: إنّه إنّما جيء بها لغاية قرع الأسماع وهز القلوب ودفع الناس إلى استماع القرآن الكريم والإنصات إليه(27).

وهذا المذهب يكاد ينطلق من المذهب السابع ـ كما اعترف بذلك السيّد رشيد رضا ـ كما أنّ السيّد رشيد رضا يخطئ حين يتصوّر أنّه انفرد به حيث سبقه للإشارة إليه ابن كثير، وإن كان قد اختار تضعيفه.

----------------------------------------------------------------------

الهوامش:

1- المصدر السابق: 6.

2- التبيان 1: 51.

3- التفسير الكبير 2: 6، والتبيان 1: 47.

4- التبيان 1: 47 ـ 48.

5- التفسير الكبير 2: 5.

6- التبيان 1: 49.

7- المنار 1: 122.

8- التفسير الكبير 2: 8 ـ 11.

9- الكشّاف 1: 28.

10- الكشّاف 1: 28.

11- التبيان 1: 47.

12- التفسير الكبير 2: 7.

13- الدرُّ المنثور 1: 7. أخرج أبو داود والبزّار والطبراني والحاكم وصحّحه البيهقي في المعرفة عن ابن عبّاس؛ قال: كان النبي (صلّى الله عليه وآله) لا يعرف فصل السورة (يعني خاتمتها) حتّى تنزّل (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) وزاد البزّار والطبراني فإذا نزلت عرف أنّ السورة قد خُتمت واستُقبلت أو ابتدأت سورة أُخرى، إضافةً إلى أحاديث أُخرى لها مثل هذه الدلالة.

14- ن. م 2: 6.

15- فُصّلَت: 26.

16- الدر المنثور 2: 7.

17- تفسير القرآن العظيم 1: 68.

18- المنار 1: 132.

19- الزمخشري، الكشّاف 1: 23 ـ 24. واقرأ تعليق أحمد بن المنير الإسكندري أيضاً.

20- المصدر السابق: 29 ـ 30.

21- تفسير القرآن العظيم 1: 68، والمنار 8: 256 ـ 289. ولكنّ ابن كثير يذكر هذه الملاحظات بصدد التنبيه على ارتباط الحروف بالإعجاز كما ذكره في الوجه السادس حيث اختاره.


أهميّة الحروف المقطّعة

مقام الصالحين في القرآن

التغيير والتبديل في قوله تعالى ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ

شرائط التأويل الصحيح

معاني التاويل

الفرق بين التفسير والتاويل

 

 

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)