• عدد المراجعات :
  • 1772
  • 5/9/2011
  • تاريخ :

هل تصحّ التوبة من قبيح دون قبيح؟

الورد

اختلفت كلمتهم في أنه هل يصح الندم من قبيح دون قبيح؟

فقال أبو علي: إنّه تصح ما لم يصر على شيء من ذلك الجنس، فلو انّه تاب من شرب الخمر وأصرّ على الزنا كانت توبته عن الأول توبة نصوحاً صحيحة، وأما اذا أصرّ على شيء من ذلك الجنس لم تصح توبته. وذلك كما أنّه لو تاب عن شرب هذا القدح من الخمر مع اصراره على شرب قدح آخر، فلا إشكال في أن لا تصح توبته هذه1.

وقال أبوهاشم: انّه لا تصح التوبة عن بعض القبائح مع الإصرار على بعض، واختاره القاضي عبد الجبار، واستدل عليه بأنّ التوبة عن القبيح يجب أنّ يكون ندماً عليه لقبحه، وعزماً على أن لا يعود إلى أمثاله في القبح. وإذا كان هذا كذلك، فليس تصح توبته عن بعض القبائح مع الاصرار على البعض، إذ ليس يصح أن يترك أحدنا بعض الأفعال لوجه، ثم لا يترك ما سواه في ذلك الوجه، ألاترى أنّه لا يصح أن يتجنّب سلوك طريق لأن فيها سبعاً، ثم لا يتجنب سلوك طريق أُخرى فيها سبع. وكذلك لا يصح أن لا يتناول طعاماً لأنّ فيه سماً، ثم يتناول طعاماً آخر مع أنّ فيه سماً2.

إنّه تصح ما لم يصر على شيء من ذلك الجنس، فلو انّه تاب من شرب الخمر وأصرّ على الزنا كانت توبته عن الأول توبة نصوحاً صحيحة، وأما اذا أصرّ على شيء من ذلك الجنس لم تصح توبته. وذلك كما أنّه لو تاب عن شرب هذا القدح من الخمر مع اصراره على شرب قدح آخر، فلا إشكال في أن لا تصح توبته هذه1.

يلاحظ عليه: إنّ الأفعال القبيحة تختلف شدة وضعفاً، وان كانت تشترك في كونها عدواناً على اللّه وخرقاً لحدوده، ولكنها مع ذلك تختلف في جهات القبح، وعلى ذلك فربما يوجد داع إلى الندم في بعض القبائح دون الأُخرى، وذلك بأن يقترن ببعض القبائح قرائن زائدة كعظم الذنب، أو كثرة الزواجر عنه، أو الشناعة على فعله عند العقلاء، دون قبائح أُخرى، فعندئذ ربما يرجح الندم على القبائح المحتفة بما يوجد الندم في النفس دون الأُخرى. ولو اشتركت جميع القبائح في قوة الدواعي اشتركت في وقوع الندم عليها جميعاً، ولم يصح الندم على البعض دون الآخر3.

وهذا يلمسه الانسان في حياة المجرمين، فربما يحضر عاص أندية الوعظ والارشاد، فيستمع إلى الخطيب، يندد ببعض المعاصي كشرب الخمر، وأكل الربا، ويذكر قبحهما وشناعتهما، وما يترتب عليهما من إشاعة البغضاء في المجتمع، فيحصل في نفسه داع قوي يدفعه إلى ترك هذين القبيحين، وفي الوقت نفسه قد لا يجد داعياً لترك غيرهما من المعاصي التّي اعتاد عليها، كالغيبة لا لأنه لا يراها قبيحة، بل لأنها لم تحتف بما يوجد داعي الندم في نفسه، بخلاف الأولين، فجميعها، اذن تشترك في القبح والشناعة، غير أنّ الأوّلين يتميزان بوجود الداعي إلى التوبة عنهما فتاب، دون الآخر.

وبذلك يظهر الجواب عما ذكره أبوهاشم من أنّه إذا كانت توبته عن بعض القبائح لأجل قبحها، فهو موجود في البعض الآخر أيضاً، فلم تاب عن الأُولى دون الأُخرى؟

وجه الجواب أنّ الكل يشترك في القبح، لكن ترك البعض دون الآخر، لا لأجل اعتقاده أنّ واحداً قبيح دون الآخر، بل إنه يعتقد بقبحهما، ولكن الداعي للتوبة موجود في أحدهما دون الآخر.

ولقد أحسن المحقق الطوسي، حيث قال: التحقيق أنّ ترجيح الداعي إلى الندم على البعض يبعث عليه خاصة، وان اشترك الداعي في الندم على القبيح لقبحه، كما في الدواعي إلى الفعل. ولو اشترك الترجيح، اشترك وقوع الندم، فلا يصح الندم 4.

وهذا يلمسه الانسان في حياة المجرمين، فربما يحضر عاص أندية الوعظ والارشاد، فيستمع إلى الخطيب، يندد ببعض المعاصي كشرب الخمر، وأكل الربا، ويذكر قبحهما وشناعتهما، وما يترتب عليهما من إشاعة البغضاء في المجتمع، فيحصل في نفسه داع قوي يدفعه إلى ترك هذين القبيحين،

ومما يوضح ذلك أنّه لو أسلم يهودي ورجع عن كفره، نادماً على ما مضى من عمره، ولكنه بقي مصراً على صغيرة من الصغائر، فلو قلنا بأنّ التوبة من القبائح لا تتبعض لزم أنّ لا تكون توبته مقبولة ، وهو خرق للاجماع وإلى هذا ينظر قول المحقق الطوسى، "وإلا لولا التبعيض، لزم الحكم ببقاء الكفر على التائب منه المقيم على صغيرة"5.

والعجب أنّ القاضي عبد الجبار استحسن قول أبي هاشم وأراد التخلص من هذا الأشكال فقال: إنّه لا يسقط من عقوبته شيء لأنه لم يأت بما يسقط العقوبة عامة، فبقيت عقوبته كما كانت، نعم، لا يجري عليه أحكام اليهود6.

كيف يقول لا يسقط من عقوبته شيء مع أنّه كان كافراً فصار مؤمناً، والايمان يكفر الشرك وعقوبته باتفاق المسلمين، فالقول ببقاء عقوبة الشرك مع أنّه صار مؤمناً بحجة أنّه لم يزل يرتكب صغيرة، مخالف لنص الآيات واتفاق المسلمين، ومعاملة النبي للمشركين الذين آمنوا، ولو كان رفع العقوبة مقيّداً بعدم الاصرار على صغيرة، من الذنوب التّي كان يرتكبها المشرك، لأصحر به النبي وبيّنه.

بقي هنا أبحاث طفيفة في التوبة، يظهر حالها مما أوضحناه(مثل ما إذا اغتاب انسان رجلا، فهل يجب عليه الاعتذار منه، خاصة إذا بلغته الغيبة أو لا؟ وهذه مسألة فقهية.

وإذا كان التائب عالماً بذنوبه على التفصيل فهل يجب التوبة عن كل واحدة منها، أو تكفي التوبة عنها اجمالا؟

وهل يجب تجديد التوبة، كلما تذكر التائب، معصيته السابقة؟

وغير ذلك مما ذكره المتكلمون، لاحظ التجريد وشروحه، في التوبة، المسألة الحادية عشرة.). نسألة سبحانه أن يتوب علينا، ويكتب الغفران في صحائف أعمالنا، بفضله وكرمه.

الإلهيات،آية الله جعفر السبحاني

--------------------------------------------------------------------------------

الهوامش:

1- شرح الأُصول الخمسة، ص 795.

2- شرح الأُصول الخمسة، ص 795.

3- لاحظ كشف المراد، ص 265 ـ 266 ط صيدا.

4- كشف المراد، ص 260، ط صيدا.

5- المصدر السابق نفسه.

6- شرح الأُصول الخمسة، ص 797.


الجنَّةُ ونعيمها - أنهار الجنَّة وعيونها

أشراط الساعة(4)

لقاء اللّه ومشاهدته العقلية

قبول التوبة واجب على اللّه أو لا ؟

من يدخل النَّار بلا حساب؟

من هم المخلدون في النار؟

شرائط شمول الشفاعة

 

 

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)