• عدد المراجعات :
  • 1186
  • 4/30/2011
  • تاريخ :

الماركسية واللاأخلاق

الورد

الماركسية والطبيعة البشرية

تناولت الماركسية في بحوثها الطبيعة وما وراءها، وعالجت مشكلات الاقتصاد والسياسة والتاريخ والفلسفة، وتحدثت عن ماهية الإنسان وغيرها.. ونشير هنا إلى تعريف الإنسان ومفهومه عند الماركسيين مقتصرين على هذه الإشارة، لأن الإنسان هو المنظور إليه بالأخلاق، والمقصود الوحيد فيما ينبغي أن يفعل أو يترك بإرادته واختياره.

يعتقد ماركس أن الإنسان شيء في الطبيعة وكتلة ذات ثلاثة أبعاد من لحم ودم وعظم

والمشهور عن الماركسية القول على وجه العموم بأنه لا واقع إلا المادة، وأنه لا خير إلا الإنتاج، وأنه لا عدل، إلا في دكتاتورية البروليتاريا الثورية، أما الإنسان فهو من نتاج الطبيعة وجزء لا يتجزأ منها، ويصدق على طبيعته ما يصدق على الأشياء المادية التي تتبدل من حال إلى حال آخر.حتى عقل الإنسان واراته وجميع ما فيه من غرائز وملكات هي من عوارض المادة وظواهرها.وإذا كان الإنسان بالكامل مادة في مادة فقيمه بكاملها مادية أيضاً، ولا مكان فيه للمثل والقيمة الدينية والأخلاقية. وجاء في الموسوعة الفلسفية المختصرة ص 289 ما نصه بالحرف:

(يعتقد ماركس أن الإنسان شيء في الطبيعة وكتلة ذات ثلاثة أبعاد من لحم ودم وعظم.تنطبق عليها قوانين الطبيعة التي اكتشفتها العلوم كما تنطبق على غيره من الأشياء المادية الأخرى، وقد أنكر ماركس وجود روح لا مادية ووجود جواهر روحية من أي نوع، وبالتالي أنكر وجود الله، واعتبر اللاهوت والميتافيزيقا أنسجة من الأكاذيب).

وحول هذا الكلام نتساءل:إذا كان عقل الإنسان وفهمه ومشيئته مادة أو من ثمارها، وكان حبه للحق والخير وعفته ونزاهته وتواضعه وتسامحه واخلاصه وتعاونه مادة، وأيضاً إذا كان الإبداع والاختراع والمبادئ والنظريات والصعود إلى القمر ووضع السفينة على المريخ تتحدث عنه وعن صفاته مع أهل الأرض، إذا كان كل ذلك وفوق ذلك من صنع المادة في الإنسان وكفى، فكيف؟ ومن أين جاءته هذه الخصائص والمميزات عن غيره من الكائنات المادية؟ وهل في الإنسان عناصر مادية لا توجد في غيره؟. لقد حلل علماء الطبيعة جسم الإنسان وقلبه ودماغه حتى دماغ اينشتين بعد موته، فلم يجدوا فيه أية مادة تفرد بها عن سواه.ألا يدل هذا بمنطق العقل والبديهة أن هناك سراً يكمن وراء لحم الإنسان ودمه وعظمه؟ وإلا فبأي شيء نفرق بينه وبين غيره من الأجسام وبين العالم الاجتماعي والعالم الطبيعي طالما الجميع من فصيلة واحدة؟ ثم هل من أحد أساء إلى نفسه وإلى الإنسانية جمعاء أكثر ممن يقول: ليس الإنسان سوى كتلة من لحم ودم وعظم؟ أليست هذه الأبعاد بكاملها موجودة في الحيوان؟. وصدق الله العلي العظيم: " وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ"1. "مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا"2 .

وأجاب الماركسيون:(بأن بعض الفلاسفة قد ذهب إلى القول: إن ما يميز الإنسان عن الحيوان هو الوعي والشعور، والحق أن الإنسان لم ينفصل عن الحيوان إلا في أن الإنسان هو الذي ينتج مقومات حياته، ومعنى هذا أن ماهية الإنسان تتوقف على انتاجه. لأن العلم هو الذي ميز الجماعة البشرية عن طوائف القردة التي تتسلق الأشجار) 3. وفي العدد الرابع من هذا المجلد ص 266:(ان الإنسان عند ماركس يظل دائماً العامل المنتج.. أما الإنسان بغرائزه وارادته ونزوعه إلى الحب فلا مكان له في فكر ماركس).

بعض الفلاسفة قد ذهب إلى القول: إن ما يميز الإنسان عن الحيوان هو الوعي والشعور، والحق أن الإنسان لم ينفصل عن الحيوان إلا في أن الإنسان هو الذي ينتج مقومات حياته، ومعنى هذا أن ماهية الإنسان تتوقف على انتاجه. لأن العلم هو الذي ميز الجماعة البشرية عن طوائف القردة التي تتسلق الأشجار

وهذا اعتراف صريح بأن الإنسان يفترق عن الحيوان في العلم والعمل الدائب على إخضاع الطبيعة لسيطرته وتطويعها تبعاً لأغراضه وحاجاته، وعليه يأتي الكلام والسؤال: كيف وجد هذا الفارق العميق السحيق بين شيئين هما من فئة واحدة مادة وعنصراً؟ ولا أدري كيف التأم المفرق والموحد في شيء واحد؟

وأيضاً قال الماركسيون: ان طبيعة الإنسان ليست مستقرة ولا مستقلة، بل تتغير وتختلف تبعاً لبيئته ومستواه المادي.وعن كتاب بؤس الفلسفة لماركس:(ان التاريخ بأجمعه ليس سوى تغيير مستمر للطبيعة الإنسانية). وأيضاً اشتهر عن الماركسيين أن(الاشتراكية هي الكفيلة بتغيير الطبيعة البشرية)4.

1 - نحن لا نشك في أن الدخل والإنتاج يلعب دوراً خطيراً في حياة الإنسان وعاداته، ويؤثر تأثيراً جسمياً في العلاقات الاجتماعية.. وفي القرآن الكريم آيات تشير إلى ذلك بوضوح منها قوله تعالى: "وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم" 5."انَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى* أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى" 6 ولكن هذا التأثير والتفاعل تبعاً لمستوى المعيشة، يرجع إلى الظواهر الاجتماعية والصفات الطارئة على طبيعة الإنسان لا إلى طبيعته بالذات، وبديهي أن تغيير الصفة والمحمول لا يستدعي تغيير الموصوف والموضوع، ولا يبدّل ويحوّل شيئاً من عناصره ومقوماته إلى شيء آخر تماماً كالأرض تبقى على هويتها وحقيقتها سواء أزرعت فيها شوكاً أم ورداً، وبنيت فيها قصراً أم كوخاً.. ولكن الماركسيين يخلطون بين الطوارئ والصفات من جهة وبين الطبيعة والموصوف من جهة ثانية.

2 - إن فكرة الإشتراكية انبثقت وانطلقت من وجود هذا النظام الرأسمالي الجائر حيث تضع الدولة نفسها أساساً في خدمة الأثرياء ومن يملكون وسائل الانتاج، ومن أجلهم وحدهم تدمر القيم الإنسانية وتغرق البشرية في حروب وحشية طاحنة، وتحول بين الشعوب المستضعفة وبين أقواتها ومصدر حياتها، فقامت الاشتراكية على اساس أن تكون الدولة في خدمة الفقراء وتحريرهم من استغلال الأغنياء والأقوياء كثورة على الرأسمالية الطاغية، وراجت هذه الفكرة في العديد من الأوساط، وتوجد الآن 14 دولة اشتراكية هي روسيا والصين ويوغوسلافيا والبانيا وفيتنام وكوبا وكوريا الشمالية وبولند وبلغاريا ورومانيا وتشكسلوفاكيا والمجر ومنقوليا والمانيا الشرقية.

ولكنها تُجند شعوبها، وتُعبئ الجماهير لخدمة أهداف الدولة ورجالها خلافاً للأساس والهدف الذي قامت عليه الإشتراكية (اقرأ قصة ذوبان الجليد للأديب الروسي الشهير ايليا اهر نبورج وغيرها مما يصور الرعب والقلق والضغط خلال عهد ستالين).

ونترك هذا الموضوع إلى سؤال نوجهه للماركسيين حيث زعموا بأن الاشتراكية كفيلة بتغيير الطبيعة البشرية!. وهذا هو السؤال: هل طبيعة الإنسان بعناصرها ومقوماتها في البلد الاشتراكي غيرها في البلد الرأسمالي؟ ثم هل جميع أبناء البلد الاشتراكي وأفراده على مستوى واحد مقدرة وامكاناً، وعقلاً ووجداناً وميولاً وأحلاماً، وعقيدة وإيماناً؟ ان نوع الإنسان واحد اينما كان ويكون.. تجد بين أفراده الطيب والخبيث، والشجاع والجبان والكريم والبخيل هنا وهناك، وأيضاً تجد الإبداع والإختراع والعلوم والفنون، كل ذلك وما إليه من نوع واحد وطبيعة واحدة في الكتلة الشرقية والغربية. فقد جاء في العدد الرابع من المجلد الرابع لمجلة عالم الفكر ص 150:(ان النظرة إلى تقسيم الفن نوعين، برجوازي واشتراكي ، تقسيماً حاداً متعسفاً قد عُدل عنها في جميع أنحاء العالم بما في ذلك النقاد الماركسيين أنفسهم).

وخلاصة الفلسفات الأربع (الوجودية- البرجماتية - الوضعية المنطقية - الماركسيّة) أن لكل فرد من الإنسان أن يفعل ما يحلو له عند الوجوديين الملحدين حيث لا حلال ولا حرام إلا ما يحلله أو يحرمه على نفسه بنفسه، شريطة أن يحرص على حرية الآخرين.ولا خير وفضيلة عند البرجماتيين إلا ما يعود على الإنسان بالمنفعة الشخصية ولو على حساب الناس أجمعين، وخاصة المال باعتباره القوة السحرية.. والقيم الدينية والإنسانية عند أنصار الوضعية المنطقية أسطورة وكلام فارغ. ولا يمكن بحال أن نتصور الطبيعة البشرية إلا في مجتمع عند الماركسيين، أما الاقتصاد والإنتاج فهو المعبود الوحيد.

 

ونسأل ونجيب بالاجمال لا بالتفصيل والمتن لا بالشرح

أولاً: هل من أحد على وجه الأرض يستطيع العيش والحياة بلا دين وأخلاق، ولا قيود وحدود على الإطلاق؟. أبداً حتى من ينكر الأخلاق يحرص كل الحرص على حريته وكرامته، ويكره الإعتداء عليه، ويجب أن يفي له من عاهده بعهده، ومن حياه أن يرد عليه بالمثل أو بالأحسن، وأن لا يستعلي عليه مخلوق، وأن يكون ولده باراً، وحاكمه عادلاً، وجاره صالحاً.وكل ذلك وما إليه من صميم الدين القويم والخلق الكريم.

ثانياً: هل المادة هي الموجود الوحيد، وكل لفظ لا يدل عليها فهو كلام فارغ من المعنى؟. كلا وألف كلا، إن في العالم الغائب عن الحواس الظاهرة طاقات لا عدّ لها ولا حد، وفي الإنسان ملكات وغرائز تمكنه أن يضيف إلى العالم أشياء جديدة ومفيدة - كما حدث - وهذه الغرائز والملكات موجودة في الإنسان بما هو وخبيئة في نفسه وعقله سواء أعاش وحده أم في مجتمع، انخفض دخله أم ارتفع، ويستحيل أن تتحول إلى شيء آخر حتى ولو تحول من بيئة إلى بيئة ومن مجتمع إلى مجتمع.

وأخيراً هل من أحد يشك أن النزعة الإنساينة والأخلاقية لو سادت وتوطدت أركانها - لعاش الناس، كل الناس، في أمن ورخاء، وسعادة وهناء؟ وإذن علام الخلاف في وجود الأخلاق؟

*فلسفة الأخلاق في الإسلام،الشيخ محمد جواد مغنية،دار التيار الجديد،بيروت لبنان،ط5-1412ه- -1992م،ص47-52.

--------------------------------------------------------------------------------

الهوامش:

1-الإسراء:70

2-المائدة:32

3-مجلة عالم الفكر العدد الأول من المجلد الثاني 257 وما بعدها

4-الطبيعة البشرية في فلسفة كارل ماركس في مجلة عالم الفكر العدد الأول من المجلد الثاني.

5-الإسراء:31

6-العلق:7 


نشأة العرفان و التصوف عند المسلمين

طريقة إثبات الإسلام والشرائع السابقة

علم الكلام و رصد الحركات الإلحادية

ما هو الدّين؟

عقيدتنا في الإسلام

مفهوم الدين‏

فصل الدين عن العلم

 

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)