• عدد المراجعات :
  • 720
  • 4/24/2011
  • تاريخ :

مشاهد البعث والقيامة (2)

الورد

الشاهد الأول: الله سبحانه

من عجيب الأمر أنّ الله سبحانه هو القاضي والحاكم بين العباد، وهو بنفسه أيضاً شاهد على أعمالهم، يقول سبحانه: "إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَىْء شَهِيدٌ"(الحج:17).

ويقول سبحانه "لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَاللهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ"(آل عمران:98).

 

الشاهد الثاني: نبيّ كلّ أمّة

يدل القرآن الكريم على أنّ لكلّ أُمّة شهيداً من أنفسهم، وقد جاء ذلك في عدة آيات منها قوله سبحانه: "وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّة شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ"(النحل:89).

وقوله سبحانه: "وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ * وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّة شَهِيدًا..."(القصص:74-75).

والظاهر أنّ هذا الشاهد من كل أُمّة هو نبيهم، وإن لم يصرح به في الآيات، وذلك للزوم كون الشهادة القائمة هناك مشتملة على حقائق لا سبيل للمناقشة فيها، فيجب أن يكون هذا الشاهد عالماً بحقائق الأعمال التي يشهد عليها، لا بظاهر صورها وهيئاتها المحسوسة لأنّ صورها مشتركة بين الطاعة والمعصية.

ولا يكون هذا إلاّ بأن يستوي عنده الحاضر والغائب، ويعاين حقيقة ما انعقدت عليه القلوب فيتميز هذا الشاهد بخصوصيتين.

الأولى: أنّه محيط إحاطة علمية تامةً على حقائق الأعمال وما يجري في القلوب، ويختلج في النفوس.

الثانية: أن يكون ذا عصمة إلهية ليمتنع عليه الخطأ والاشتباه عند تحمّل الشهادة، والكذب والخيانة عند أدائها.

ولا يتصور هذا المقام إلا لنبي كلّ أُمّة، وسيأتي تتميم لذلك في الشاهد الرابع.

 

الشاهد الثالث: نبيّ الإسلام

عدّ القرآن نبيّ الإسلام شاهد أُمّته، يقول سبحانه: "فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّة بِشَهِيد وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا"(النساء:41).

ويقول سبحانه: "وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّة شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاَءِ.."(النحل:89)1.

وقد عرفت أنّ هذه الشهادة تستلزم من الكفاءات شيئاً عظيماً، وبهذا يظهر عظم مقام هذا الشاهد، لوقوفه على ضمائر القلوب وأعمال الأُمّة، وإن كانوا بعيدين عنه. ومن كان له هذا المقام، فتعرّفه على الغيب من أهون الأُمور، ومع ذلك نرى بعض القشريين ينزعجون من إثبات علم الغيب للنبيّ، ويزعمون انّ نسبته إليه وإلى الله سبحانه يستلزم الشرك، ولكن عزب عنهم الفرق بين العلم الكسبي والذاتي، والمحدود واللا محدود، والقائم بالغير والقائم بالنفس.

 

الشاهد الرابع: بعض الأُمّة الاسلامية

يقوله سبحانه: "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا"(البقرة:143).

والخطاب في الآية للأُمّة الإسلامية، ولكن المراد قسم منها، نظير قوله سبحانه "وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً"(المائدة :20)، مخاطباً بني إسرائيل، والمراد بعضهم. فباعتبار وجود الصّلة القوية بين القبيلة وملوكها، نسب الملوكية إلى الجميع.

والدليل على أنّ المراد بعض الأُمّة، هو أنّ أكثر أبناء الأُمّة، مجهزون بحواس عادية لا تتحمل إلاّ صور الأفعال والأعمال إذا كانوا في محضر المشهود عليهم، وهولا يفي في مقام الشهادة، لأنّ المراد من الشهادة هو الشهادة على حقائق الأعمال، والمعاني النفسانية من الكفر والإيمان والفوز والخسران، وعلى كل خفي عن الحسّ، ومستبطن عن الإنسان، وعلى كل ما تكسبه القلوب، الذي يدور عليه حساب ربّ العالمين، يقول سبحانه: "وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ"(البقرة :225).

وليس ذلك في وسع الإنسان العادي إذا كان حاضراً عند المشهود عليه، فضلاً عن كونه غائباً، وهذا يدلّنا على أنّ المراد رجال من الأُمّة لهم تلك القابلية، بعناية من الله تعالى، فيقفون على حقائق أعمال الناس من إخلاص ورياء، وانقياد وتمرد، ويؤدّون ذلك يوم القيامة. وهذه الكرامة ليس ينالها جميع الأُمّة، بل الأولياء الطاهرون منهم، لا المتوسطون في الإيمان، فضلاً عن الملوثين بالمعاصي والملطخين بالجرائم.

وقد التجأ بعضهم إلى جعل متعلق الشهادة كون الأمّة على دين جامع ووسط، وهو بمعزل عن التحقيق، إذ ليس ذلك شهادة بشيء، وقد وردت لفظة الشهادة بمعنى واحد في جميع القرآن، في آياته المختلفة.

وبذلك يظهر معنى قوله سبحانه: "وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ"(الحج:78). فالخطاب متوجّه إلى الأُمّة، والمراد بعضهم ممن أُعطيت لهم هذه الكرامة.

وهناك وجه آخر لما ذكرنا، وهو أنّ أقلّ ما يعتبر في الشهود هو العدالة والتقوى، والصدق والأمانة، والأكثرية الساحقة من الأُمّة، يفقدون ذلك، وهم لا تقبل شهادتهم على صاع من تمر وباقة من بقل، فكيف تقبل شهادتهم يوم القيامة؟!

وإلى هذا تشير رواية الزبيري عن الإمام الصادق عليه السَّلام قال: "قال الله تعالى: "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا"(البقرة:143)، فإن ظننت بأنّ الله عنى بهذه الآية جميع أهل القبلة من الموحّدين، أفترى أنّ من لا تجوز شهادته في الدنيا على صاع من تمر، يطلب الله شهادته يوم القيامة، ويقبلها منه بحضرة جميع الأمم الماضية. كلا، لم يعن الله مثل هذا من خلقه"2.

إلى هنا تمّ الكلام حول الشهود الخارجيين، وإليك الكلام في الشهود الداخليين، الذين لا ينفكون عن نفس المجرم.

الإلهيات،آية الله جعفر السبحاني

--------------------------------------------------------------

الهوامش:

1- ولاحظ الحج :78.

2- تفسير نور الثقلين، ج1،ص 113، الحديث 409.


مبررات الشفاعة

ضوابط جهادية

تفسير المعاد بالتناسخ وردّه

مشاهد البعث والقيامة (1)

الجنَّةُ ونعيمها – معنى الجنَّة

هل يجب في التوبة، الندم على القبيح؟

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)