• عدد المراجعات :
  • 1101
  • 4/11/2011 11:00:00 PM
  • تاريخ :

الصراط والمرصاد

الورد

تمهيد

الصراط في اللغة هو الطريق، ويغلب استعماله على الطريق الذي يوصل الإنسان إلى الخير، بخلاف السبيل، فإنََّه يطلق على كلِّ سبيل يتوسل به، خيراً كان أم شرّاً1.

أمَّا كلمة المرصاد، فهي مشتقة من مادة (رصد)، على وزن (حسد)، وهو المكان الذي يرصد منه ويرقب، والمرصد: موضع الرصد.

الصراط في اللغة هو الطريق، ويغلب استعماله على الطريق الذي يوصل الإنسان إلى الخير، بخلاف السبيل، فإنََّه يطلق على كلِّ سبيل يتوسل به، خيراً كان أم شرّاً1.

قال تعالى: "إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا * لِلْطَّاغِينَ مَآبًا"(النبأ:21-22).

وقد فسِّر بمعنى الصراط، وأحيانا أخرى بأنَّه ممر خاص من نفس الصراط، ففي الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام: "المرصاد قنطرة على الصراط، لا يجوزها عبد بمظلمة"2.

 

صراط في الدنيا وآخر في الآخرة

وقد جعل الله تعالى للناس في الدنيا صراطاً، وفرض عليهم إتباعه، وعدم إتِّباع سبلٍ غيرَه، قال تعالى: "وأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيًما فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِه"(الأنعام:153).

وهو طريق على الإنسان أن يسلكه باختياره لينال سعادته في الدنيا، ومن ثم الآخرة، قال الله تعالى: "إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا"(الدهر:3).

وقد ورد في حديث مفضل بن عمر يقول: سألت الإمام الصادق عليه السلام عن الصراط فقال:

"الـصـراط: الـطريق إلى معرفة اللّه سبحانه وتعالى، ثمَّ قال عليه السلام: هما صراطان: صراط في الدنيا، وصـراط فـي الآخرة، فأمَّا الصراط الذي في الدنيا، فهو الإمام المفروض الطاعة، من عرفه في الدنيا واقتدى بهداه مرَّ على الصراط الذي هو جسر جهنَّم في الآخرة، ومن لم يعرفه في الدنيا زلَّت قدمه عن الصراط في الآخرة فتردَّى في نار جهنَّم(الدهر:3)".

وعن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى: "اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ"(الفاتحة:6) قال:"هو أمير المؤمنين عليه السَّلام ومعرفته"3. وعن أبي حمزة الثمالي عن الإمام زين العابدين علي بن الحسين عليه السلام قال: "ليس بين الله وبين حجَّته حجاب، فلا لله دون حجَّته ستر، نحن أبواب الله، ونحن الصراط المستقيم، ونحن عيبة علمه، ونحن تراجمة وحيه، ونحن أركان توحيده، ونحن موضع سرّه"4.

فكل ما جعله الله تعالى من سبل للهداية، كالقرآن الكريم، والنبي الأكرم وأهل بيته الطاهرين صلوات الله عليه وعليهم، هم الصراط الذي لا بدّ من الإهتداء بهديه وسلوك مسالكه، لتحصيل رضا الله ونعيمه في الدنيا والآخرة.

ويظهر من الذكر الحكيم، ويدلُّ عليه صريح الروايات، وجود صراط آخر، في النشأة الأخروية يسلكه كلُّ مؤمنٍ وكافرٍ، وهو جسرٌ ينصب على جهنَّم، وعلى الجميع عبوره، وأشير إليه في الآيات الكريمة، بينما ورد ذكـره بـالتفصيل في الروايات الشريفة.

الـصـراط: الـطريق إلى معرفة اللّه سبحانه وتعالى، ثمَّ قال عليه السلام: هما صراطان: صراط في الدنيا، وصـراط فـي الآخرة، فأمَّا الصراط الذي في الدنيا، فهو الإمام المفروض الطاعة، من عرفه في الدنيا واقتدى بهداه مرَّ على الصراط الذي هو جسر جهنَّم في الآخرة، ومن لم يعرفه في الدنيا زلَّت قدمه عن الصراط في الآخرة فتردَّى في نار جهنَّم

يشير الإمام الحسن بن علي العسكري عليه السلام إليه في حديثه عن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: "والصّراط المستقيم، صراطان: صراط في الدنيا وصراط في الآخرة، أمَّا الصراط المستقيم في الدنيا فهو ما قصر عن الغلوّ، وارتفع عن التقصير، واستقام فلم يعدل إلى شيءٍ من الباطل, وأمَّا الطريق الآخر فهو طريق المؤمنين إلى الجنَّة"5.

 

ما هي حقيقة الصراط؟

يقول سبحانه: "وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم * وأنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ"(المؤمنون:73-74). يـسـتـفـاد مـن الروايات الشريفة، أنَّ الصراط جسر على جهنَّم في طريق الجنَّة، ويرده كل برٍّ وفـاجـرٍ، فالأبرار يمرُّون عليه بسرعة، أمَّا الفجَّار فتزلُّ أقدامهم ويتردّون في نار جهنَّم.

وقد ورد في الروايات أنَّه أدقُّ من الشعرة، وأحَدُّ من السيف، وأشدُّ حرارة من النَّار، وأنَّ المؤمنين الخلَّص يمرُّون عليه بسهولة، كالبرق الخاطف، بخلاف البعض الآخر.

فعن الإمام الصادق عليه السلام: "النَّاس يمرُّون على الصراط طبقات، والصراط أدقُّ من الشعر، وأحدُّ من السيف، فمنهم من يمشي عليه مثل البرق، ومنهم من يمرُّ عليه مثل عدو الفرس، ومنهم من يمرُّ حبواً، ومنهم من يمرُّ مشياً، ومنهم من يمرُّ متعلِّقا قد تأخذ النَّار منه شيئاً وتترك شيئاً"6.

 

الصراط ممرٌّ حتميٌّ

فالكلُّ يسلك الصراط في النشأة الأُخرى، ويختلفون في السرعة والبطء، بحسب شدّة سلوكهم للصراط الدنيوي، ولأجل ذلك تضافرت الروايات باختلاف مرور الناس، حسب اختلافهم في سلوك صراط الدنيا.

يقول سبحانه وتعالى: "فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا * ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا * ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا * وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا"(مريم:68-72).

 

ما هو الورود؟

اختلف المفسّرون في معنى الورود في الآية الكريمة "وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً.."، بين قائل بأنَّ المراد منه هو الوصول إلى النَّار في القيامة، أو الإشراف عليها، لا الدخول، وقائل بأنَّ المراد دخولها.

فالورود في اللغة هو قصد الماء، ثمَّ يستعمل في غيره، يقال: وردت الماء. قال تعالى "وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ"(القصص:23). ومعنى ذلك أنَّ الورود لا يستلزم الدخول، فمن كانَ من أهل الجنّة يشرف على جهنَّم من غير أن يدخلها، ويكون (الصراط) بمعنى الجسر الذي يمر على جهنَّم، فعلى الجميع اجتيازه وعبوره، فتزلُّ أقدام المجرمين ويتردون في النَّار، أمَّا المؤمنون فيجتازونه بسرعة ويدخلون الجنَّة.

والشاهد على هذا التفسير، حديثٌ ورد عن الإمام الصادق عليه السلام حيث قال في تفسير الآية أعلاه: "أما تسمع الرَّجل يقول: وردنا ماء بني فلان، فهو الورود ولم يدخله"7.

وهـنـاك تـفسير آخر، وهو أنَّ البرَّ والفاجر يدخلان جهنَّم، فتكون برداً وسلاماً على المؤمنين وعذاباً لازماً على الكافرين والمجرمين، كما أصبحت النَّار برداً وسلاماً على إبراهيم عليه السلام، وفي هذا المعنى رواية عن جابر بن عبد الله الأنصاري، إذ سئل عن هذه الآية فقال: سـمـعـت رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "الورود الدخول لا يبقى برٌّ ولا فاجر إلا دخلا، ما كانت على إبراهيم حتى أنَّ للنَّار أو قال لجهنَّم ضجيجاً من بردها ثم ينجِّي الَّذين اتقوا"8.

وعلى كلِّ تقدير، فلا بدَّ للمسلم من الاعتقاد بوجود صراط في النشأة الأخروية، وهو طريق المؤمن إلى الجنَّة، والكافر إلى النَّار.

 

ما بين صراط الدنيا والآخرة

إنَّ من يسلك الصراط الدنيوي الذي جعله الله معبراً لطاعته "وأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيًما فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِه"(الأنعام:153)، واهتدى بهدي القرآن واقتدى بالنبيِّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم واتَّبعَه وأهلَ بيته عليهم السلام، فله الأمن، ويسلك الصراط الأخروي ويجتازه بأمان إلى الجنَّة.

ومن أعرض عن ربِّه، ونسي ذكره، واتَّبع سبيل الشيطان، وانطوى تحت ولايته،يأتي يوم القيامة ليسلك الصراط الأُخروي، فتزلُّ قدمه ويهوي في عذاب السَّعير.

إنَّ قيام الإنسان بالوظائف الإلهية، في مجالي العقيدة والعمل أمر صعب، أشبه بسلوك طريق أدقّ من الشعر، وأحدّ من السيف، فإذا كان هذا حال الصراط الدنيويِّ من حيث الصعوبة والدقة، فكيف يكون حال الصراط الأُخرويِّ.

رحلة الآخرة جمعية المعارف الثقافية

------------------------------------------------------------------

الهوامش:

1- مفردات الراغب، مادة سبل.

2- الكليني الكافي دار الكتب الإسلامية طهران الطبعة الخامسة ج2، ص331.

3- المجلسي محمد باقر بحار الأنوار مؤسسة الوفاء، الطبعة الثانية المصححة ج24، ص 12.

4- م. ن. ج24، ص12.

5- المجلسي محمد باقر بحار الأنوار مؤسسة الوفاء، الطبعة الثانية المصححة ج8، ص 70.

6- المجلسي محمد باقر بحار الأنوار مؤسسة الوفاء، الطبعة الثانية المصححة ج8، ص64 65.

7- المجلسي محمد باقر ب حار الأنوار مؤسسة الوفاء، الطبعة الثانية المصححة ج،8، ص 292

8- م. ن. ج8، ص249.

 

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)