• عدد المراجعات :
  • 492
  • 1/29/2011
  • تاريخ :

أشراط الساعة (1)

الورد

الشَّرَط "بالتحريـك": العلامة، والجمع أشراط، وأ شراط الساعة: أعلامها1.

والمراد من أشراط الساعة العلامات والآيات التي تخبرعن دنو القيامة، وقربها، وهي مأخوذة من الذكر الحكيم، قال سبحانه: (فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا)(محمد:18).

وهذه العلامات بعضها مذكور في الكتاب العزيز، وبعضها مذكور في السنّة فنبحث عن كلا القسمين على وجه الإجمال.

وأمّا مشاهد القيامة، فهي الحوادث الهائلة الّتي تقع في نفس قيام الساعة، التّي وردت في سور التكوير والانفطار والانشقاق وغيرها، كتكوير الشمس وانكدار النجوم وانفطارالسماء وانتثار الكواكب، وتسجير البحار وتفجيرها، وغير ذلك. فالكل من مشاهد القيامة ، وإليك الكلام في أشراط الساعة الواردة في الكتاب.

 

أشـراط الساعة في الكتاب

جاء في الذكر الحكيم أُمور يستظهر منها أنّها من أشراط الساعة، والآيات الواردة في هذا المجال بين واضحة الدلالة وغيرها.

أ- بعثة النبي الأكرم

يقول سبحانه: (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ)(محمد:18).

إنّ هذه الآية تندد بالمشركين بأنّهم لا يؤمنون، ولا ينتظرون شيئاً إلاّ القيامة أن تأتيهم فجأة حتى يؤمنوا، ولكن لا يفيدهم عندها إيمانهم، ومن أين لهم التذكّر والاتعاظ والتوبة إذا جاءتهم الساعة بغتة. ومع ذلك كله فليعلموا أنّ السّاعة، وإن لم تأتهم، ولكن قد جاءتهم أشراطها وعلاماتها، فعليهم أن يتّعظوا بذلك.

والآية غيرمتضمنة لتعيين ماجاء من الأشراط، لكن قال ابن عباس: "والنبي من أشراطها، ولقد قال بعثت أنا والساعة كهاتين"2.

وكون بعثة النبي من معالم الساعة، لا ينافي وجود هذه الفترة الطويلة بينه وبين القيامة، وذلك لأنّ مامضى من عمرالأرض والمجتمع الإنساني أزيد بكثير مما بقي منه، فيصحّ جعل ظهوره من معالم الساعة.

ويحتمل أن يكون المراد من أشراط الساعة التي جاءتهم إنشقاق القمر بيده، ونزول القرآن الذي هو آخر الكتب3.

 

ب- اندكاك السدّ وخروج يأجوج ومأجوج

جاء في الذكر الحكيم أنّ ذا القرنين وصل في مسيره إلى قوم طلبوا منه أن يبني لهم سدّاً يحجز عنهم يأجوج ومأجوج ويقيهم شرهما فقام ذو القرنين بعملية كبيرة، حيث سدّ ما بين الجبلين "الّذي كان طريق نفوذهما" بزبر الحديد ثم أنجز عملية بناء السدّ بما يحكيه تعالى من قوله: (حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُوني أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا)(الكهف:96).

فلما فرغ من بناء السدّ قال: (هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَ كَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً * وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذ يَمُوجُ فِي بَعْض وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً)(الكهف:98-99).

وقوله: (تَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذ يَمُوجُ فِي بَعْض). يعرب عن كون اندكاك السَّدِّ من أشراط الساعة4. والمراد أنّه بعد انقضاء أمر السّدّ يموج بعض الناس في بعض، فيرتفع من بينهم النّظم، ويحكم فيهم الهرج والمرج، ويظهر هذا أيضاً من آية أُخرى، أعني قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَب يَنْسِلُونَ * وَ اقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَة مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ)(الأنبياء:96-97).

فمفادها أنّه عندما ينفرج سدّ يأجوج ومأجوج، يتفرق المحجوزون خلف السدّ، في الأرض، فلا ترى أكمةً إلاّ وقوم منهم يهبطون منها، وعند ذلك يقترب الوعد الحق، أي قيام الساعة. فيكون اندكاك السدّ وانتشار يأجوج ومأجوج في الأرض من أشراط الساعة، لحكايته عن اقتراب الوعد الحقّ، وهذا هو المراد من أشراط الساعة.

 

ج- إتيان السماء بدخان مبين

إنّ الصناعات البشرية أوجدت قلقاً في الحياة، ولوثت البيئة في الأرض بالأدخنة المتصاعدة من معاملها، والإبخرة المتطايرة من موادها. ولكنها إلى اليوم ليست إلى الحدّ الّذي يزاحم الحياة، والله يعلم مآل الأُمور.

ولكنه تعالى يخبر عن حدوث دخان في السماء، يغشى الناس، ويكون عذاباً أليماً لهم، يقول تعالى: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَان مُبِين * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ * أَنّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ * إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ * يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ)(الدخان:10-16).

 

إنّ في تفسير الآية وجهين

الوجه الأوّل: إن مجموع هذه الآيات راجعة إلى عصر النبي، وذلك أنّ رسول الله دعا على قومه لمّا كذّبوه، فقال: اللّهم سنينَ كسني يوسف، فأجدبت الأرض وأصابت قريشاً المجاعة، وكان الرجل لما به من الجوع، يرى بينه وبين السماء كالدخان، فجاءوا إلى النبي وقالوا: يا محمد، جئت تأمر بصلة الرحم وقومك قد هلكوا. فسأل الله تعالى لهم بالخصب والسعة، فكشف عنهم، ثم عادوا إلى الكفر5.

يلاحظ على هذا الوجه: أوّلا: إنّ ظاهر الآية أنّ السماء تأتي بدخان مبين، وتحدثه، وهو غير تجلّي السماء بصورة الد خان في عين الجائع، الذي هو انخداع الحواس لغلبة الجوع، من دون أن يكون هناك دخان في الواقع.

وثانياً: إنّ أصحاب السّير النبوية لم يذكروا شيئاً عن هذا الجوع المدقع الّذي أحدق بقريش وأوجد فيهم سنين كسنّي يوسف.

وثالثاً: إنّ ماجاء في القصة، لا يناسب خلق النبىّ وعطفه على قومه، وكونه رحمة للعالمين، كيف وقد قال سبحانه (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)(الأنفال:33) وهو صلوات الله عليه وآله، لم يدع عليهم في غزوة أُحد، مع أنّهم شجّوا جبهته وكسروا أسنانه، وضرّجوا وجهه بالدماء.

فهذه الأُمور، توجب عدم الإطمئنان إلى هذا الوجه.

الإلهيات،آية الله جعفر السبحاني

------------------------------------------------------------

الهوامش:

1- لسان العرب، ج7،ص 329، مادة شرط.

2- مجمع البيان ،ج5،ص102.

3- لاحظ المصدر السابق.

4- ويمكن جعله من أشراطها على حدة، فإنّها تحكي عن عموم حالة الفوضى والهرج والمرج في العالَم بأسره.

5- مجمع البيان، ج5، ص62، وتفسير الطبري،ج15،ص66. وبهذا المضمون روايات أُخر في المصدرين.


المعاد يعطي الحياة مفهومها

الثاني: عدم التناسخ بين النفس والبدن

المعاد : خاتمة المطاف في تكامل الانسان

الموت نافذة إلى حياة جديدة (1)

أجوبة القرآن الكريم عن شبهات المنكرين للمعاد

إثبات المعاد

 

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)