• عدد المراجعات :
  • 1648
  • 1/22/2011
  • تاريخ :

ما هي العلةُ المحدثةُ للمعجزة ؟ (2)

الورد

وهناك من الآيات ما هو أصرح منها في نسبة الخوارق إلى أصحاب النفوس القوية، كما ورد في أحوال سليمان النبي عندما طلب من الملأ إحضار عرش ملكة سبأ من اليمن إلى فلسطين قبل أن يأتوه مسلمين. فقال عفريت من الجن إنّه قادر على حمله والإتيان به قبل انفضاض مجلس سليمان، ولكن مَنْ كان عنده عِلْمٌ من الكتاب قال إنّه قادر على الإتيان به قبل أن يرتد طَرْفُ سُلَيْمانَ إليه، وبالفعل، بأسرع من لمح البصر، كان العرش ماثلاً أمامه.

يقول سبحانه: "(قالَ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِيني بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُوني مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي...)(النمل:38 -40).

بعد هذا كلّه نقول: إذا كان هذا حال الإنسان العادي الّذي لم يطرق إلاّ باب الرياضة، أو العارف الّذي قام بالفرائض واجتنب المحرمات، فكيف بمن وقع تحت عناية الله سبحانه ورعايته الخاصة، وتعليم ملائكته، إلى أن بلغت نفسُه أعلى درجات القوة والمقدرة، إلى حدّ يقدر بإرادة ربّانية على خلع الصور عن المواد وإلباسها صوراً أُخرى، ويَصِيرَ عالمُ المادة مطيعاً له، إطاعة أعضاءِ بدن الإنسان له.

وفي الذكر الحكيم إشارات إلى هذا المعنى حيث ينسب تعالى الإتيان بالمعجزة إلى نفس الرسول بقوله: (ما کان لرسول أن يَأتيَ بآية إلاّ بإذن الله)(غافر:78). فإنّ الفاعل في "يأتي" هو الرسول المتقدّم عليه.

وقد يؤيّد هذا الإحتمال بما ورد في توصيف الأنبياء بأنّهم جند الله، وأنّهم منصورون في مسرح التحدي ومقابلة الأعداء. قال سبحانه:(وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَ إِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ)(الصافات:171ـ 173).

وكون النبي منصوراً في جميع المواضع، ومنها مواضع التحدي، يَدُلّ على أنّ له دوراً ودخالة في الإتيان بخوارق العادات.

ونظير ذلك قوله سبحانه:(كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَ رُسُلِي)(المجادلة:21)، فوصف النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكونه غالباً، ولا معنى للغالبية إلاّ لدخالته في مواضع التحدي.

ولا دليل على اختصاص الآيتين بالمغازي والحروب، بل إطلاقهما يدلّ على كونهم منصورين وغالبين في جميع مواقع المقابلة، سواء أكانت محاجة أو تحدّياً بالإعجاز أو حرباً وغزواً.

وهذا الفعل العظيم للنفوس، إنّما يقع بأمره تعالى وتأييده، ولذا كانت تحصل لهم الغلبة في موارد المجابهة, قال تعالى:(فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ)(يونس:81).

فهذه الآيات العامة المتقدمة، تدلّ بظهورها على كون الفاعل للمعاجز والكرامات، نفوس الأنبياء وأرواحهم، بإذن الله سبحانه.

وهناك آيات أخرى خاصة، تسند إلى خصوص بعض الأنبياء خوارق العادة، بل ائتمار الكون بأمرهم.

قال تعالى: (وَلِسُلَيَْمانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْري بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ التي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْء عَالِمِينَ)(الأنبياء:81).

وأنْت إذا أمعنت في قوله (بأمره)، ينكشف لك الستار عن وجه الحقيقة، ويظهر لك أنّ إرادته كانت نافذة في لطائف أجزاء الكون.

وقال تعالى في المسيح عيسى بن مريم: (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِءُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ)(آل عمران:49).

ويقول تعالى أيضاً: (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَ تُبْرِءُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي)(المائدة:110).

فترى أنّ الآية تنصّ على أنّ نفخ الروح في الهيكل الطيني للطير، رهن طاقة المسيح البشرية، وكذلك إبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى، وكل ذلك بإذن الله تعالى ومشيئته.

وبعد هذا كله، أيبقى شك في قدرة الأنبياء الشخصية على خرق العادة، وتكييف الطبيعة حسب ما يريدون؟.

بل ماذا يفهم الإنسان إذا قرأ هذه الآية ـ الّتي تنقل مخاطبة يوسف عليه السَّلام إخوتَه: (اِذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً...)(يوسف:93).

والآية التالية تبين نتيجة أمره: (فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً... )(يوسف:96).

فما هو العامل المؤثّر في استرجاعه بَصَرَهُ، بعدما ابيضت عيناه من الحزن؟. هل هو القميص الملطخ بالدم؟ أو حامل البشارة والقميص؟6.

ليس هذا ولا ذاك، بل هو نفس إرادته الزكية المؤثّرة بإذن الله، وعندما تقتضي المصلحة الإلهية ذلك. وإنّما توسّل بالقميص ليعلم أنّه هو القائم بذلك .

فاتّضح من جميع ما ذكرناه من الآيات والشواهد أنّ للمعجزة علّةً إلهيةً متمثلةً في نفوس الأنبياء وإردتهم القاهرة. وليست إرادتهم هذه فوضوية، وإنّما لظهورها ظروف وشرائط خاصة سيأتي بيانها بإذنه تعالى.

*الإلهيات،آية الله جعفر السبحاني.


قرائن والشواهد النبي الصادق 

القرآن والدّعوى الكاذبة (1) 

الإعجاز شبهات وحلول 

صدق دعوى الأنبياء

خصائص الأنبياء (1) 

ما هي العلةُ المحدثةُ للمعجزة؟ (1) 

هل الإعجاز يخالف أصل العليّة؟ 

 

 

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)