• عدد المراجعات :
  • 2495
  • 1/8/2011
  • تاريخ :

الجن في تعابير القرآن

الورد

الجن في تعابير القرآن[1]

من الغريب أن نرى بعض الكُتّاب الإسلاميّين يلهجون بما لاكه المستشرقون الأجانب من فرض التعابير الواردة في القرآن بشأن الجنّ ، تعابير مستعارة من العرب توافقاً معهم جَدَلاً كعامل تنفيذ في أوساطهم على سبيل المماشاة ، لا على سبيل الحقيقة المعترَف بها . إذ يبعد اعتراف القرآن بما لا يعترف العلم التجربي بوجوده أو سوف ينتهي إلى إنكاره رأساً . لكن ذلك لا يوهن شأن القرآن بعد أن كان تعبيره بذلك ظاهريّاً ومجاراةً مع القوم . و هكذا تعبيره عن السحر و إصابة العين تعبير ظاهري و ليس على حقيقته .

قالوا : و هذا نظير تأثّره ظاهراً بالنظام الفلكي البطلميوسي و الطبّ الجالينوسي القديمين ، و قد رفضهما العلم الحديث .

قلت : أمّا اعتراف القرآن بوجود الجنّ إلى جنب الإنس و اشتراكهما في الخلق و التكليف و في نهاية المطاف ، فممّا لا يعتريه شكّ ، و لا يسوغ لمسلم يرى من القرآن وحياً من السماء أن يرتاب في ذلك ، فإنّ هناك وراء عالم الشهود كائناتٍ ملكوتية أعلى تُسمّى بالملائكة ، و اُخرى أدنى تُسمّى بالجنّ . الأمر الّذي صرّح به القرآن الكريم بما لا يدع مجالاً للريب فيه أو احتمال التأويل . ? وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ ? [2] . ? وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ? [3] . و يبدو أنّ خلق الجنّ كان قبل الإنس ، حيث أمر إبليس و كان من الجنّ [4] أن يسجد مع الملائكة لآدم ، بعد أن خلقه من طين فأبى و استكبر و كان من الكافرين [5] .

و أمّا العلم التجربي فلا متّسع له في هذا المجال ، بعد أن كان سلطانه مهيمناً على عالم الحسّ ، و محدوداً بآفاقه من غير أن يمكنه لمس ما وراء ستار الغيب فكيف يجوز له بالنسبة إلى أمرٍ خارجٍ عن سلطانه أن يحكم عليه بنفي أو إثبات أو يجعله موضع رفض أو قبول ؟!

هناك لأصحاب المذاهب العقيلة من علماء المسلمين و غيرهم من المعتنقين بوحي السماء كلام عن مدى مقدرة هذا الكائن الغيبي ، و هل له سلطان على التدخّل في شؤون الإنس أو يمسّه بسوء ؟ الأمر الذي أنكروه أشدّ الإنكار ، على خلاف أصحاب التزمّت في الرأي ممّن ركضوا وراء أهل البداوة في التفكير ، و اتّبعوا خرافاتهم الأساطيرية البائدة .

نعم ، هناك لأصحاب المذاهب العقيلة من علماء المسلمين و غيرهم من المعتنقين بوحي السماء كلام عن مدى مقدرة هذا الكائن الغيبي ، و هل له سلطان على التدخّل في شؤون الإنس أو يمسّه بسوء ؟ الأمر الذي أنكروه أشدّ الإنكار ، على خلاف أصحاب التزمّت في الرأي ممّن ركضوا وراء أهل البداوة في التفكير ، و اتّبعوا خرافاتهم الأساطيرية البائدة .

فالاعتراف بوجود الجنّ شيء ، و رفض مقدرتهم على التدخّل في شؤون الإنس شيءٌ آخر ، و الرفض في هذا الأخير لا يستدعي رفضاً في أصل الوجود .

ذهب أصحاب القول بالعدل [6] إلى أنّه لا يجوز في حكمته تعالى أن يتسلّط كائن غيبي على كائن عيني فيتلاعب بنفسه و بمقدراته و هو لا يستطيع الذبّ عن نفسه حيث لا يراه . و كلّ ما قيل في مسّ جُنون و ما شابه ، فهو حديث خرافة ومن مزاعم باطلة تفنّده الحكمة الرشيدة . نعم سوى بعض الوساوس ( إيحاءات مُغرية ) يُلقيها شياطين الجنّ على شاكلتها من الإنس ? ... يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ... ? [7] . ? ... وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ ... ? [8] . و يقول الشيطان لمّا قُضي الأمر : ? ... وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم ... ? [9] .

و زعم الإمام الرازي أنّ ظاهر المنقول عن أكثر الفلاسفة إنكار وجود الجنّ ، استناداً إلى كلام الشيخ الرئيس ابن سينا في رسالته في حدود الأشياء ، حيث يقول : الجنّ حيوان هوائي متشكّل بأشكال مختلفة ، و يُعقبّه يقوله : و هذا شرح للاسم . قال الرازي : و هذا يدلّ على أنّ هذا الحدّ شرح للمراد من هذا اللفظ ، و ليس لهذه الحقيقة وجود في الخارج [10] .

و قد أخذت دائرة المعارف الإسلامية المترجمة إلى العربيّة هذا الاستظهار من الرازي مستنداً لتنسب إلى الشيخ الرئيس إنكاره الباتّ لحقيقة الجنّ . جاء فيها : و لكنّ ابن سينا عند تعريفه لكلمة { جنّ } أكّد في غير مؤاربة أنّه ليست هناك حقيقة واقعة وراء هذه الكلمة [11] .

غير أنّ الاستظهار من الرازي خطأ ، و كانت عبارة الشيخ الرئيس تعني : أنّ هذا التعريف للجنّ ليس حدّاً تامّاً ـ حسب مصطلحهم ـ و إنّما هو رسم ناقص لا يعدو شرح الاسم ، كما في قولهم : سعدانة نبت ، إذ ليس فيه ذكرٌ لذاتيّات المعرَّف ( الجنس القريب و الفصل القريب ) ، و من ثمّ فهو تعريف اللوازم و الآثار و ليس بالجنس و الفصل القريبين .

إذن ، فنسبة إنكار حقيقة الجنّ إلى مثل الشيخ الرئيس ـ كبير الفلاسفة الإسلاميّين و من ذوي العقول الراجحة المعتقدة بالإسلام و القرآن ـ جفاءٌ يُشبه الافتراء . و من الغريب أنّ الإمام الرازي يُعقّب ذلك ، بقوله : و أمّا جمهور أرباب الملل و المصدّقين للأنبياء فقد اعترفوا بوجود الجنّ : ياترى أليس شيخ الفلاسفة الإسلامييّن من المصدّقين للأنبياء و لا سيما نبيّ الإسلام و القرآن العظيم ؟!

و بعد ، فإذ لم يَعُد البحث عن حقيقة الجنّ إلى مسألة فلسفية بحتة و لا إلى فرضية علمية محضة ، و إنّما هو إخبار غيبي لا مصدر له سوى وحي السماء ، و قد أكّدت عليه جميع الكتب السماوية و اعتقدته أصحاب الملل ممّن صدّق برسالات الله في الأرض ، من غير خلافٍ بينهم في أصل وجوده ، إذن فلا مجال للتراجع تجاه إيهام أن سوف يرفضه العلم ، مع فرض أن لا متّسع للعلم في هكذا مجالات هي وراء ستار الغيوب!

و للشيخ محمّد عبده كلام تفصيلي حول الملائكة و الجنّ و الشياطين ، له وجهٌ وجيه لمن تدبّره بإمعان . و عبثاً حاول بعضهم الإنكار عليه و ربّما رميه بالخروج عن مظاهر الدين ، و ما هذه الهجمة إلاّ جفاء بشأن عالم مجاهد في سبيل الإسلام خبير [12] .

سماحة العلامة الشيخ محمد هادي معرفة رحمه الله

--------------------------------------------------

الهوامش:

 [1] جاء التعبير بالجنّ في 22 موضعاً . و الجانّ ( جمع الجنّ ) في 7 مواضع . و الجِنّة في 5 مواضع .

[2] القران الكريم : سورة الرحمن ( 55 ) ، الآية : 15 ، الصفحة : 531 .

[3] القران الكريم : سورة الذاريات ( 51 ) ، الآية : 56 ، الصفحة : 523 .

[4] سورة الكهف ( 18 ) ، الآية : 50 .

[5] سورة البقرة ( 2 ) ، الآية : 34 .

[6] راجع في ذلك : التفسير الكبير : 7 / 88 .

[7] القران الكريم : سورة الأنعام ( 6 ) ، الآية : 112 ، الصفحة : 142 .

[8] القران الكريم : سورة الأنعام ( 6 ) ، الآية : 121 ، الصفحة : 143 .

[9] القران الكريم : سورة إبراهيم ( 14 ) ، الآية : 22 ، الصفحة : 258 .

[10] التفسير الكبير : 30 / 148 .

[11] دائرة المعارف الإسلامية : 7 / 113 .

[12] راجع ماكتبه الشأن في تفسير المنار : 1 / 267 ـ 273 ، و 3 / 96 . و راجع أيضاً : الميزان ، للسيد الطباطبائي : 2 / 433 ـ 439 .


الفرق بين التفسير والتاويل 

جعل القيمومة للرجل (1) 

كيف يتقبل القرآن التفسير؟ 

مراحل التفسير الموضوعي

الفرق بين التفسير الموضوعي والتفسير الترتيبي 

لمحات فنيّة من آيات الحجّ 

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)