• عدد المراجعات :
  • 2041
  • 1/2/2011
  • تاريخ :

ما هي العلةُ المحدثةُ للمعجزة؟ (1)

الورد

قد وقفت في الجهة السابقة على أنّ القولَ بالمعاجز لا يضعضع أصل العِلّية، وأنّ عدم العلّة العادية في موردها لا يدلّ على تحقق المعاجز بلا علّة أصلاً، بل لها علّة غير معروفة بين العلل الّتي يشاهدها الإنسان. والكلام في هذه الجهة يقع في تعيين تلك العلة، وفيها أقوال واحتمالات:

 

القول الأول: إنّها الله سبحانه

ربما يحتمل أن تكون العلّة هي الله سبحانه، وأنّه يقوم بإيجاد المعاجز والكرامات مباشرة من دون توسط علل وأسباب. فكما هو أوجب المادة الأولى وأجرى فيها عللاً وأنظمة، قام في فترات خاصة بخلقِ الثعبان من العصا الخشبية، وتفجير الماء من الصخور الصَّمَّاء... وغير ذلك من خوارق الطبيعة والعادة.

ولكن هذا وإن كان أمراً ممكناً، لعموم قدرته تعالى على كل شيء ممكن بذاته إلاّ أنّه على خلاف ما عرفناه من الربّ تعالى من سنته الّتي أجراها في الكون، وهي أن يكون لكل شيء سبباً وعلّة. ومن البعيد أن يخالف تعالى سنته في مجال المعاجز1.

 

القول الثاني: إنّها علل مادية غير متعارفة

وهنا احتمال ثان، وهو أن تكون العلّة المحدثة للمعجزة، علة مادية غير متعارفة، اطّلع عليها الأنبياء في ظلّ اتصالهم بعالم الغيب. ولا بُعْدَ في أن يكون للشيء علتان، إحداهما يعرفها الناس، والثانية يعرفها جمع خاص فيهم. ويمكن تقريب ذلك بملاحظة إثمار الأشجار، فإنّ له علة مادية يعرفها الزارع العادي، فتثمر في ظل تلك العلة بعد عدّة أعوام. وهناك خبراء من مهندسي الزراعة واقفون على خصوصيات في التربة والأشجار والبيئة والمياة وغير ذلك، توجب إثمار الأشجار في نصف تلك المدة مثلاً. فإذا كان هذا ملموساً لنا في الحياة، فلا نستبعد أن يقف الأنبياء المتصلون بخالق الطبيعة، على أسرار ورموز فيها، يقدرون بها على إيجاد المعاجز.

ولكنه قول لا يدعمه دليل.

 

القول الثالث: إنّها الملائكة والموجودات المجردة

وهنا احتمال ثالث وهو أنّ المعاجز تتحقق بفعل الملائكة الّتي يعرّفها القرآن بـ "المدبّرات"2، بأمر منه سبحانه، عند إرادة النبي إثبات نبوته بها ولعلّ من هذا القبيل تمثل الروح الأمين على السيدة مريم، كما في قوله سبحانه: ?فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً?(مريم:17).

 

القول الربع: إنّها نفس النبي وروحُه

وذهب إلى هذا جمع من الفلاسفة والمحققين، وإدراك صحته يتوقف على معرفة القدرة العظيمة الّتي تمتلكها النفس البشرية، فنقول:

إنّ الإنسان كلّما ازداد توجهاّ إلى باطنه، وانقطاعاً عن الظواهر المادية المحيطة به، كلما تفجّرت مكامن قدرات نفسه وتأجّج أوار طاقاتها، وابالعكس، كلما ازداد انغماساً في دركات الملذات، وإشباع الغرائز، كلما خمدت طاقاتها وانطفأت قدراتها.

ويدلّنا على ذلك عياناً، ما يقوم به المرتاضون3من خوارق الأفعال وعجائبها: فيرفعون الأجسام الثقيلة الّتي لا يتيسر رفعها إلاّ بالرافعات الآلية، بمجرد الإرادة. ويستلقون على المسامير الحادة ثم تكسر الصخور الموضوعة على صدورهم، بالمطارق، ويدفنون في الأرض أياماً، ليقوموا بعدها أحياءً. وغير ذلك ممّا يراه السائح في بلاد الهند وغيرها، وتواتر نقله في وسائل الإعلام كالجرائد والمجلات والإذاعات. وكل ذلك دليل قاطع على أنّ في باطن الإنسان قوى عجيبة لا تظهر إلاّ تحت شرائط خاصة.

وبعبارة واضحة، إنّ نفس الإنسان كما تسيطر على أعضاء البدن، فتنقاد لإرادتها، وتتحرك قياماً وجلوساً بمشيئتها، فكذلك تسيطر في ظل تلك الظروف الخاصة على موجودات العالم الخارجي، فتقودها بإرادتها، وتخضعها لمشيئتها، وتَقْدِرُ، بمجرد الإرادة، على إبطال مفعول العلل المادية في مقام التأثير، وغير ذلك من الأفعال.

وليس القيام بعجائب الأمور من خصائص المرتاضين، بل إنّ هناك أُناساً مثاليين، أفنوا أعمارهم في سبل العبادة ومعرفة الربّ، بلغوا إلى حدّ قدروا معه على خرق العادة والمجاري الطبيعية.

يقول الشيخ الرئيس في هذا المجال: "إذا بلغك أنّ عارفاً أطاق بقوته فعلاً، أو تحريكاً، أو حركة تخرج عن وسع مثله، فلا تتلقه بكل ذلك الإستنكار، فلقد تجد إلى سببه سبيلاً في اعتبارك مذاهب الطبيعة... وإذا بلغك أنّ عارفاً حدّث عن غيب فأصاب، متقدماً ببشرى أو نذير، فصدّق ولا يتعسرّن عليك الإيمان به، فإنّ لذلك في مذاهب الطبيعة أسباباً معلومة"4.

ويقول صدر المتألّهين: "لا عجب أن يكون لبعض النفوس قوة إلهية، فيطيعها العنصر في العالم المادي، كإطاعة بدنه إياها. فكلّما ازدادت النفس تجرّداً وتشبّهاً بالمبادئ القصوى، إزدادت قوةً وتأثيراً فيما دونها.

فإذا صار مجرّدُ التصوّر سبباً لحدوث هذه التغيرات (طاعة البدن للنفس) في هيولى البدن، لأجل علاقة طبيعية وتعلّق جبلّي لها إليه، لكان ينبغي أن يؤثّر في هيولى العالم مثل هذا التأثير، لأجل اهتزاز علويٍّ للنفس، ومحبة إلهية لها، فتؤثّر نفسه في الأشياء"5.

ويدلّ على أنّ خوارق العادة رهن فعل النفس الإنسانية، ما ينقله تعالى من أفعال السحرة الواقعة بإذنه تعالى، وذلك في قوله عزّ من قائل: ?فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَد إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ?(البقرة:102).

*الإلهيات،آية الله جعفر السبحاني.


المسلمون ووحي القرآن ( 1)

المسلمون ووحي القرآن (2)

المسلمون ووحي القرآن (3)

المسلمون ووحي القرآن (4)

حاجة المجتمع إلى المعرفة (1)

حاجة المجتمع إلى المعرفة (2)

حاجتنا الى القادة الالهيين

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)