• عدد المراجعات :
  • 4457
  • 12/19/2010
  • تاريخ :

مبدأ اللذة في السعادة

الورد

وتذهب طائفة كبيرة من المتمدنين اليوم إلى أن الأصل في السعادة الانسانية هو اللذة. وعليه فالسعادة عبارة عن تحقيق اللذائذ المادية، والمثل الأعلى للانسان السعيد هو الذي يستفيد من لذائذ الحياة أكثر من غيره.

ويمكن اعتبار العالم النفسي سيجموند فرويد ومن لف لفه، رافعي راية هذا المبدأ. وكما رأينا أصحاب المبدأ الاقتصادي ينظرون إلى كل شيء بمنظار الاقتصاد، فإن فرويد يعلل جميع ظواهر الحياة بمنظار الميول والدوافع الجنسية، ولذلك فهو يقول في موضوع حقيقة السعادة:

"إنه لا يفوتني الادراك بأن الحب هو مركز الحياة، وعليه فإن الناس يعللون كل فرح ونجاح بالحب والمحبوبية وهذا الوضع النفسي موجود عند الجميع. إن من المظاهر التي يظهر فيها الحب هو الحب الجنسي الذي يكسبنا حالة من الانجذاب والشعور باللذة. وفي النتيجة فإن هذه اللذة تكون قدوة ودليلاً لميلنا نحو السعادة. فأي شيء إذن أقوم من أن نسلك الطريق إلى السعادة في نفس الطريق الذي صادفناه أول مرة "1.

أرأيت كيف يعتبر فرويد، اللذة والشهوة الجنسية مصدراً لكل شيء؟!. حتى أنه يقول: إن الشهوة الجنسية هي التي تظهر بمظهر الأخلاق تارة وفي صور العقائد والأديان تارة أخرى وهي نفسها التي تتشكل أحياناً بحنان الأم وعطف الأخ، فهي الكل في الكل في هذه الحياة!!.

فمظاهر الحياة عند فرويد من أخلاقية وفنية ودينية وسياسية واقتصادية واجتماعية، كلها وليدة الحب والجنس واللذة لا أكثر، فالمظاهر وإن اختلفت إلا أنها متحدة في جوهرها ومآلها. واستمع إليه يقول:

"إن حنان الأم، الحب الأبوي والأخوي، الصداقة والصحبة مشتقة من الجنس عند فرويد. وجميع الروابط الاجتماعية بين الأشخاص كالعلاقة بين المعلم والتلميذ، والعلاقة بين الأم والطفل وما شاكل ذلك إما أن تمتاز بطابع جنسي من ذاتها أو ترجع إلى أصل جنسي في النتيجة"2.

ومع أن فرويد يقسم الغرائز الأولى عند الانسان إلى قسمين: الغرائز التي تتعلق بصيانة الذات، والغريزة الجنسية، نجده في المقام يغرق في الشهوة الجنسية حتى أنها تنسيه غريزة حب الذات التي اعترف بها في بادىء الأمر وكشاهد على ما نقول، إليك العبارة الآتية:

"إن فرويد يثبت بمعونة بعض الأمثلة كيف أن الغريزة الجنسية التي هي أقوى وأعمق القوى الروحية عند الانسان قد تكيفت بصورة مجهولة عبر الزمن، وظهرت بمظاهر الميول المختلفة والأشكال المتباينة، بحيث إذا واجه طبيب اختلالاً روحياً مهما كان جزئياً يتمكن من أن يحكم بصورة قطعية على أن حادثة غير طبيعية قد طرأت على الجهاز الجنسي والرغبات الجنسية للمريض وعليه فإنه يرجعه إلى حالته الأولى بصورة تدريجية حسب التعاليم النفسية الدقيقة، ويقلص من إطار مسؤوليته شيئاً فشيئاً حتى يصل إلى نقطة الاختلال الباعثة على الانحراف في جهازه الجنسي، هذه هي خلاصة نظرية (فرويد) في العلاج النفسي... "3.

هذا هو موجز الاكتشاف العظيم الذي راه فرويد والفرويديون منشأ التحول في العلاج النفسي الحديث. أما كيف استدل فرويد على أن أي اختلال روحي يستند إلى حدوث شيء في الغريزة الجنسية؟! أما كيف لا يكون التطور الحادث في الغريزة الجنسية هو المسبب عن حدوث الاختلال الروحي؟... فذلك ما لا يريد أن يفهمه فرويد واتباعه، نعم ! إن كان فرويد يدعي أن أكثر الاختلالات الروحية تستند إلى الغريزة الجنسية فلربما كان يلاقي كلامه هذا قبولاً من القارىء، وكان يؤدي به إلى أن يفكر في نفسه أن فرويد كان باحثاً عميقاً وأنه استند إلى الاحصاءات الدقيقة للأمراض الروحية ووصل إلى هذه النتيجة، أما حين يسمعه يقول:

"إذا واجه طبيب اختلالاً روحياً مهما كان جزئياً يمكن أن يحكم بصورة قطعية على أن حادثة غير طبيعية قد طرأت على الجهاز الجنسي والرغبات الجنسية للمريض..."

هنا يقطع الانسان بأن القائل قد وقع تحت تأثير الغريزة الجنسية إلى درجة أنه لا يتمالك على نفسه من الهذيان والتطاول بالباطل.

لنفرض عاملاً فنياً قد قضى أربعين سنة في عمل ما، أصيبت عينه في أثناء العمل فدخل المستشفى، وصرف جميع ما يملك في هذا السبيل وفقد بصره في النهاية. إن التفكير في العمى والبطالة والفقر والبؤس يقض عليه مضجعه، وأخيراً يؤدي به إلى الاختلال الروحي، وحين يفحصه الطبيب النفساني يتوصل إلى أن العلة الأصلية في ذلك الاختلال هو فقدان البصر وفقره...

وهكذا فإن إنساساً محترماً قد أشرف على الشيخوخة يتهم بالسرقة أو الارتشاء من قبل أناس مغرضين، فيذهب ماء وجهه وذلك يؤدي به إلى الاختلالات الروحية، فلا يمكن أن يوجد في العلاج النفساني أصل لهذا الاختلال غير الاتهام بالسرقة... وهكذا فإن أمثال هذه القضايا كثيرة في المجتمع، ولا ربط لها أصلاً بالأمور الجنسية كما يدعي فرويد.

ولولا أن فرويد نفسه قد اعتبر غريزة حب الذات مغايرة للغرائز الأخرى كحنان الأم وغيره من الميول الطبيعية المتفرعة عن الغريزة الجنسية لكان يصح كلامه هذا وكان قابلاً للتصديق، أما وأنه ينسب جميع الاختلالات الروحية إلى حدوث تغيرات في الغريزة الجنسية فليس معنى ذلك إلا اعتبار غريزة حب الذات فرعاً من فروع الغريزة الجنسية وهذا ينافي تقسيمه للغرائز إلى قسمين: حب الذات، والجنس. فإن كنت تعتبر غريزة حب الذات مستقلة عن غيرها من الغرائز الجنسية يا أستاذ فرويد !! فلماذا لا تنسب بعض تلك الاختلالات الروحية التي ذكرتها إليها؟

إنه لا ريب في أن الغريزة الجنسية تعتبر إحدى الغرائز القوية التي أودعها الله في النفس الانسانية إلا أن فرويد يفرط في هذا الموضوع ويغالي في حقها كثيراً.

ومن يطالع عقائد فرويد في الكتب المختلفة بدقة، يصل إلى هذه النتيجة في نهاية المطاف، وهي: إن الانسان مجموعة من اللحم الحي الذي يملك غريزتين إحداهما حب الذات والدفاع عنها، والأخرى الشهوة الجنسية، لكن جميع أوجه النشاط البشري في جميع المظاهر الحياتية ترتبط بالأخيرة وهي الغريزة الجنسية فقط.

إنه لم يوجد في تاريخ العلوم البشرية أحد قد تأثر بالغريزة الجنسية واهتم بها بقدر تأثر فرويد بها واهتمامه لها، ولا يوجد أحد ينظر إلى الانسان هذه النظرة الطفيفة الخسيسة. والعلماء اليوم بالرغم من اعتمادهم على طريقة فرويد في معالجة الأمراض الروحية، واتخاذهم أساليبه في التحليل النفسي... يصرحون بأن هذه الطريقة وحدها ليست مجدية. ويجب ألا تنحصر معالجة الأمراض النفسية فيها...

"إن كثيراً من العلاجات النفسية تكون ذات منظار ضيق، وحتى التحليل النفساني الذي يؤدي إلى نتائج مرضية في كثير من الأحيان نجده يحصر بحثه على الغرائز فقط. هذه الطريقة توجه همها إلى أن ترضي الغرائز بصورة اتباع مبدأ اللذة. وهذا المبدأ لا يعنى بالجانب الأخلاقي ولا يتحدث عن الهدف الأصلي للشخصية وعلاقاتها الخيرة والشريرة عند تفاعلها بالتكافؤ الاجتماعي ولهذا السبب فلو غضضنا الطرف عن الفشل الذي يلاقيه التحليل النفساني بالنسبة إلى حرية بعض الرغبات والميول المتطرفة، فإن العلاج النفسي الصحيح يجب أن يكون له هدف أسمى هو رفع شخصية الفرد بعد ملاحظة أسس الشخصية وتحقيق الرفاه للفرد والمجتمع على السواء... "4.

وبالرغم من أن نظرية فرويد لم تحصل على تأييد كثيرين من العلماء في العصر الحديث، لافراطها بشأن الغريزة... فإن الكثير من الغربيين يقرون (مبدأ اللذة) بالنسبة إلى تحقيق السعادة البشرية. إن أساس البحث حول تحقيق السعادة في الدول الأوروبية والأمريكية يدور على العمل لحياة أفضل وعيشة ترفل بالاستفادة من اللذائذ... ولهذا فإن قسماً كبيراً من الجهود البشرية في العالم المتمدن قد خصص لجلب اللذائذ، وإن الفضائل المعنوية والمثل العليا قد فقدت أهميتها بالنسبة إلى أكثر الناس حتى يذهب بعضهم إلى أنهم في غنى عنها:

"ومنذ حل الخلق النفعي مكان الخلق الديني والنفسي، فإن الفضيلة لا تعتبر أمراً ضرورياً في نظر المتمدنين، بحيث يرى رومن أنه لا داعي لنا أصلاً لأن نكون أتقياء، وإن اختيار الفضيلة سينحصر في علاقتها بالنفع واللذة الفرديين فقط... "5.

هذا الأسلوب من التفكير يعد خطأ فظيعاً من المدنية الحديثة، وهو أعدى أعداء الانسانية وقيمها ومثلها الرفيعة... وعلى أثر اللامبالاة تجاه الإيمان والفضائل المعنوية، فإن عالم الغرب تنتشر فيه الجرائم يوماً فيوماً والشبان ينجرفون إلى هوة سحيقة من التردي والتحلل والفساد وإن الاحصائيات السنوية في الدول الأوروبية والأمريكية لتدل على ازدياد السرقة والخيانة، والاغتيال والانتحار إلى غير ذلك من أنواع الجرائم. وإن من المؤسف أن لا تكون بلادنا معدومة النصيب في هذه المشاكل والجرائم. وهنا يستطيع كل فرد أن يدرك أن المجتمع الذي يتمثل الهدف الأسمى من حياة أفراده في اللذائذ المادية ولا تزيد الفضائل فيه على أنها تعتبر في عداد الأوهام والخيالات، فإن الفساد والتفسخ يسرعان كالسيل الجارف إلى غزو أولئك الأفراد ويهددان حياتهم المادية والمعنوية بالفناء والدمار.

محمد تقي فلسفي

 

--------------------------------------------------------

الهوامش:

1 - أنديشه هاى فرويد ص:112.

2- المصدر السابق 47.

3- كتاب فرويد ص:62.

4- جه ميدانيم؟ أمراض روحى وعصبى ص:72.

5- راه ورسم زندكى للدكتور الكسيس كارل ترجمة برويز دبيري ص:79.


جميلة انتظرتها بعد منتصف الليل

عِلمٌ وطهارةٌ وموقف

فَضائل العلم

خطورة التلوث الاخلاقي؟

على أعتاب الرحيل

أواصر المحبة

محاسبة النفس قبل الفراق

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)