• عدد المراجعات :
  • 808
  • 11/9/2010
  • تاريخ :

المسلمون ووحي القرآن (1)

الورد

تحدث القرآن الكريم عن الوحي ومنزل الوحي اكثر من غيره من الكتب السماوية المقدسة كالتوراة والانجيل، وحتى نجد فيه آيات تتحدث عن كيفية الوحي نفسه.

ويعتقد عامة المسلمين1 في وحي القرآن: أن القرآن بلفظه كلام الله تعالى أنزله على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بواسطة أحد الملائكة المقربين.

هذا الملك الوسيط يسمى بـ"جبرائيل" و"الروح الأمين" جاء بكلام الله تعالى إلى الرسول في فترات مختلفة بلغت ثلاثا وعشرين سنة. وكان على الرسول أن يتلو الآيات على الناس ويوقفهم على معانيها ويدعوهم إلى ما فيها من المعارف الاعتقادية والآداب الاجتماعية والقوانين المدنية والوظائف الفردية.

وقام الرسول بأداء ما كان عليه نصاً بدون أن يتصرف في مواد الدعوة الالهية أو يضيف عليها أو ينقص منها أو يقدم أو يؤخر شيئاً من موضعه.

 

كتاب العصر والوحي والنبوة

أما الباحثون وكتاب العصر الذين لهم بحوث حديثة في الأديان والمذاهب، فيعتقدون في وحي القرآن والنبوة أنه: كان نبي الاسلام نابغة عارفاً بالأوضاع الاجتماعية، وسعى في خلاص البشرية من مهوى الوحشية والانحطاط الخلقي ورفعها إلى أوج المدنية والحرية، فدعى الناس إلى اعتناق آرائه الطاهرة التي تجلت بشكل دين جامع كامل.

يقولون: كان النبي يحمل روحاً نزيهة وهمة عالية، عاش في بيئة يسودها الظلام وتتحكم فيها القوة والأراجيف والهرج الاجتماعي وتتسم بحب الذات والسيطرة غير المشروعة على الأموال وتتجلى فيها كل مظاهر الوحشية المقيتة.

كان النبي في ألم نفسي دائم من هذه البيئة الفاسدة، فكان كلما بلغت الآلام في نفسه الكريمة مبلغها يأوي إلى غار في احدى جبال تهامة، فيبقى فيه اياماً ليخلو إلى نفسه، وكان يتوجه بكل حواسه إلى السماء والارض والجبال والبحار والأودية والآجام وما وضعته الطبيعة تحت تصرف البشرية من سائر النعم، وكان يأسف على الانسان المنهمك في الغفلة والجهل وقد أبدل حياته السعيدة الهانئة بحياة نكدة تضاهي حياة الحيوانات الوحشية.

كان النبي إلى حوالي اربعين سنة من عمره يدرك تلك المفاسد الاجتماعية ويتألم من جرائها بالآلام النفسية، ولما بلغ الأربعين من عمره وفق إلى كشف طريق للاصلاح يمكن بواسطته ابدال تلك الحياة الفاسدة بحياة سعيدة فيها كل معاني الخير، وذلك الطريق هو "الاسلام" الذي كان يتضمن أرقى الدساتير التي كانت تناسب مزاج ذلك العصر.

كان النبي يفرض ان افكاره الطاهرة هي كلام الهي ووحي سماوي يلقيها الله تعالى في روعه ويتكلم بها معه. كما كان يفرض روحه الخيرة التي تترشح منها هذه الأفكار لتستقر في قلبه هي "الروح الأمين" و"جبرئيل" والملك الذي ينزل الوحي بواسطته.

وسمى النبي بشكل عام القوى التي تسوق إلى الخير وتدل على السعادة بـ"الملائكة"، كما سمى القوى التي تسوق إلى الشر بـ"الشياطين" و"الجن". وقد سمى ايضا واجبه الذي املاه عليه وجدانه بـ"النبوة" و"الرسالة".

الرأي الذي ذكرناه باختصار هو للباحثين المعتقدين بالله تعالى وينظرون إلى الدين الاسلامي بنظرة فيها شيء من الانصاف والتقييم. أما الملحدون الذين لا يعتقدون بالله تعالى فانهم يعتبرون النبوة والوحي والتكاليف الالهية والثواب والعقاب والجنة والنار سياسات دينية بحتة، وهم يذهبون إلى أن هذه كلها أكاذيب قيلت لمصالح خاصة ضرورية في حينها.

يقولون: ان الأنبياء كانوا مصلحين جاؤوا ببرامج اصلاحية في اطار ديني. ونظراً الى أن الناس كانوا في العصور السالفة منهمكين في الجهل والظلمة والخرافات وضع لهم الأنبياء النظم الدينية في ظل سلسلة من العقائد الخرافية تتمثل في مسائل المبدأ والمعاد.

 

ماذا يقول القرآن في الموضوع

تفسير الوحي والنبوة بالشكل الذي بيناه انما هو لأولئك الباحثين الذين اشتغلوا بالعلوم المادية الطبيعية، فهم يرون أن مايوجد في الكون لابد أن يفسر بالتفسير المادي الطبيعي، وتنتهي جميع الحوادث والأحداث عندهم إلى الأسباب الطبيعية البحتة. ومن هنا فسروا التعاليم السماوية بتفاسير اجتماعية تتفق واتجاههم الطبيعي، ونظروا إلى تلك التعاليم كأحداث ظهرت لتفاعلات اجتماعية خاصة. فهي اذاً تشبه الأحداث التي ظهرت على أيدي بعض النوابغ أمثال الملك كورش وداريوش والاسكندر المقدوني، فكما لاتفسير لأعمال لونسبوها إلى الله تعالى والأوامر السماوية الا ما مضى فكذا لا تفسير لأعمال الأنبياء الا ما ذكروه.

نحن لانريد هناالبحث عما يتعلق بما وراء الطبيعة، كمالا نريد أن نقول لهؤلاء الباحثين: ان لكل علم أن يبحث فيما يدخل في اطاره من مسائله الخاصة، ولايحق للعلوم المادية التي تختص بشؤون المادة وخواص آثارها أن تبحث عما يتعلق بما وراء الطبيعة نفياً أو اثباتاً.

لانريد هذا، ولكننا نقول: ان التفسير المذكور للوحي والنبوة يجب أن يعرض على الآيات القرآنية التي هي سند نبوة النبي الكريم، لنرى هل يلتقيان معاً أم لايلتقيان؟.

القرآن الكريم صريح في عكس التفسير السابق للوحي والنبوة، ولايلتقي معه في شيء من آياته. ولابأس أن نستعرض هنا مقاطع ذلك التفسير الموهوم مع ماجاء في القرآن، فنقول:

1- كلام الله تعالى: يقول التفسير السابق: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسمي أفكاره الطاهرة التي كانت تنقدح في ذهنه بـ"كلام الله".

ومعنى هذا التفسير أن تلك الأفكار كبقية أفكار النبي كانت نتيجة لما تدور في خلده، ولكنها لما كانت طاهرة ومقدسة نسبت إلى الله تعالى، فهي منسوبة إلى النبي بالنسبة الطبيعية ومنسوبة إلى الله بالنسبة التشريعية.

ولكن القرآن الكريم يصرح في آيات التحدي بنفي كونه من كلام النبي أو أي انسان آخر، فيقول: ?أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ?(يونس:38).

ويقول: ?أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ?(هود:13).

ويقول: ?قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا?(الاسراء:88).

ويقول: ?وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ?(البقرة:23).

ويقول: ?أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا?(النساء:82).

من الواضح البديهي أن هذه التصريحات لا تناسب كون القرآن من كلام الرسول وقد نسب إلى الله تشريفا بل تثبت قطعا أنه من كلام الله تعالى لا غير. وبالاضافة إلى هذا يسرد القرآن في مئات من آياته ماظهر من المعاجز وخوارق العادة على الأنبياء عليهم السلام أثبتوا بواسطتها نبوتهم واستدلوا بها على رسالتهم. فلو كانت النبوة ذلك النداء الوجداني والوحي تلك الأفكار الطاهرة كما يقوله التفسير المذكور لما احتاج القرآن إلى اقامة الحجة وتأكيدها على نبوة الأنبياء بسرد قصص المعاجز والكرامات.

وقد أول بعض الكتاب هذه المعاجز الصريحة بشكل مضحك، الا أن كل واحد من القراء عندما يراجع ما قالوه في تأويلاتهم يرى أن مدلول الآيات القرآنية لا يتفق مع ما ذهبوا اليه من الآراء الخاطئة. لا نريد في هذا البحث اثبات امكان تحقق المعجزة وخوارق العادة، أو التأكيد على صحة القصص القرآنية. بل نحاول القول بأن القرآن أثبت صريحا للأنبياء السابقين كصالح وابراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام معاجز خاصة، ولا يمكن حمل هذه القصص الا على أنها خوارق للعادة. ولا نحتاج كما قلنا إلى المعاجز في اثبات النداء الوجداني والفكر الطاهر.


معنى التبليغ

حكم التبليغ

الفرق بين الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)