• عدد المراجعات :
  • 808
  • 11/9/2010
  • تاريخ :

اللطف الإلهي (1)

الورد

استدلوا على لزوم بعث الرسل بقاعدة اللطف. وبما أن هذه القاعدة تطرح دليلاً في مواضع مختلفة من المسائل الكلامية، فلا بد لنا من بسط الكلام فيها بشكل عام، حتى يتبين حالها في كل مقام يستدل بها، سواء فيما له صلة ببعث الرسل أو غيره، فنقول:

إن اللطف، في اصطلاح المتكلمين، يوصف بوصفين

1- اللطف المُحَصِّل.

2- اللطف المُقَرِّب.

وهناك مسائل تترتب على اللطف بالمعنى الأول، ومسائل أُخرى تترتب على اللطف بالمعنى الثاني، وربما يؤدي عدم التمييز بين المعنيين إلى خلط ما يترتب على الأول بما يترتب على الثاني. ولأجل الإِحتراز عن ذلك نبحث عن كل منهما، بنحو مستقل.

 

أ- اللُّطف المحصِّل

اللُّطف المحصِّل عبارة عن القيام بالمبادي والمقدمات الّتي يتوقف عليها تحقق غرض الخلقة، وصونها عن العبث واللغو، بحيث لولا القيام بهذه المبادئ والمقدمات من جانبه سبحانه، لصار فعله فارغا عن الغاية، وناقَضَ حكمته الّتي تستلزم التحرز عن العبث. وذلك كبيان تكاليف الإنسان، وإعطائه القدرة على إمتثالها.

ومن هذا الباب بعث الرسل لتبيين طريق السعادة، وتيسير سلوكها. وقد عرفت في الأدلة السابقة، أن الإِنسان أقصر من أن ينال المعارف الحقة، أو يهتدي إلى طريق السعادة في الحياة بالإِعتماد على عقله، والإِستغناء عن التعليم السماوي. ووجوب اللطف بهذا المعنى، ليس موضع مناقشة لدى القائلين بحكمته سبحانه، وتنزيهه عن الفعل العبثي الّذي اتفق عليه العقل والنقل1.

 

اللطف المحصِل في مصطلح المتكلمين

ما ذكرناه من المعنى للطف المحصل، مصطلح خاص لنا وليس معروفاً بين المتكلمين والمعنى المعروف لديهم هو: قيامه سبحانه بعمل تترتب عليه الطاعة.

قال القاضي عبد الجبار: اللطف هو كل ما يختار عنده المرء الواجب ويتجنب القبيح، أو ما يكون عنده أقرب إما إلى اختيار (الواجب) أو ترك القبيح2.

 

ب: اللُّطف المقرِّب

المراد منه ما يكون موجباً لقرب المكلّف لفعل الطاعة والبعد عن فعل المعصية، من دون ان يكون له حظ في التمكين ولا يبلغ الإلجاء وذلك كالوعد والوعيد والترغيب والترهيب التي تستتبع رغبة العبد إلى العمل وبعده عن المعصية3.

قولهم: "ولاحظ في التمكين" يخرج بعث الرسل وبيان التكليف، وإعطاء القدرة فإنها ممكنة للعبد من الطاعة لا مقربة منها وقد عرفت أن هذا القسم من اللطف داخل في المحصل بالمعنى الأول المختار وقوله: "ولا يبلغ الإلجاء" يخرج ما إذا لم يكن للعبد معه محيص من إختيار الطاعة، فهذا أيضاً إلجاء وليس لطفاً.

إستدلوا على وجوب اللطف مطلقاً أنه تعالى أراد من المكلف الطاعة فإذا علم أنه لا يختار الطاعة (اللطف المحصل) أو لا يكون أقرب إليها إلا عند فعل يفعله به، وجب في الحكمة أن يفعل، إذ لو أخل به لكشف ذلك عن عدم إرادته أو جرى ذلك مجرى من أراد من غيره حضور طعامه وعلم أو ظن أنه لا يحضر بدون رسول، فمن لم يرسل عد مناقضاً لغرضه4.

والحق والقول بوجوب اللطف إذا كان مؤثر في قرب الأغلبية الساحقة من المكلفين إلى الطاعة أي ما هو دخيل في نفس الرغبة إلى الطاعة، والإبتعاد عن المعصية في نفوس الأكثرية، فيجب على الله القيام به.

وفي الكتاب والسنة إشارات إلى هذا النوع من اللُّطف. يقول سبحانه: ?وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَ السَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ?(الاعراف:168).

والمراد من الحسنات والسيئات، نعماء الدنيا وضراؤها وكأن الهدف من ابتلائهم بهما هو رجوعهم إلى الحق والطاعة.

ويقول سبحانه:?وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَة مِنْ نَبِيّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ?(الاعراف:ا94).

ومفاد الآية أن الله تعالى أرسل رسله لإبلاغ تكاليفه تعالى إلى العباد وإرشادهم إلى طريق الكمال، غير أن الرفاهة والرخاء والتوغل في النعم المادية، ربما يسبب الطغيان وغفلة الإنسان عن هدف الخلقة وإجابة دعوة الأنبياء، فاقتضت حكمته تعالى أخذهم بالبأساء والضراء، لعلهم يضرعون ويبتهلون إلى الله تعالى5.

ولأجل ذلك نشهد أن الأنبياء لم يكتفوا بإقامة الحجة والبرهان، والإتيان بالمعاجز، بل كانوا ـ مضافاً إلى ذلك ـ مبشرين ومنذرين. وكان الترغيب والترهيب من شؤون رسالتهم، قال تعالى:?رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ?(النساء:165). والإنذار والتبشير دخيلان في رغبة الناس بالطاعة وابتعادهم عن المعصية.

وفي كلام الإمام علي عليه السَّلام إشارة إلى هذا قال عليه السَّلام: "أيها الناس، إن الله تبارك وتعالى لما خلق خلقه أراد أن يكونوا على آداب رفيعة وأخلاق شريفة، فعلم أنهم لم يكونوا كذلك إلا بأَن يعرّفهم مالهم وما عليهم، والتعريف لا يكون إلا بالأمر والنهي6. والأمر والنهي لا يجتمعان إلا بالوعد والوعيد، والوعد لا يكون إلا بالترغيب، والوعيد لا يكون إلا بالترهيب، والترغيب لا يكون إلا بما تشتهيه أنفسهم وتلذه أعينهم، والترهيب لا يكون إلا بضد ذلك... الخ"7.

وقوله عليه السَّلام : "والأمر والنهي لا يجتمعان إلاّ بالوعد والوعيد"، إشار إلى أنّ امتثال الأمر والنهي ونفوذهما في نفوس الناس يتوقف على الثواب والعقاب، فلولاهما لما كان هناك حركة إيجابية نحو التكليف إلاّ من العارفين الذين يعبدون الله تعالى لا رغبة ولا رهبة، بل لكونه مستحقاً للعبادة.

فتحصّل من ذلك أنّ ما هو دخيل في تحقق الرغبة بالطاعة، والإبتعاد عن المعصية، في نفوس الأكثرية الساحقة من البشر، يجب على الله سبحانه القيام به صوناً للتكليف عن اللغو، وبالتالي صوناً للخلقة عن العبث.

نعم إذا كانت هذه المبادي كافية في تحريك الأكثرية، نحو الطاعة، ولكن القليل منهم لا يمتثلون إلاّ في ظروف خاصة، كاليسر في الرزق، أو كثرة الرفاه، فهل هو واجب على الله سبحانه؟.

*الإلهيات،آية الله جعفر السبحاني. 

---------------------------------------------------------

الهوامش:

1- لاحظ سورة الذاريات: الآية 56، وسورة المؤمنون: الآية 115.

2- شرح الاصول الخمسة، ص 519.

3- كشف المراد، ص 201، ط صيدا.

4- قواعد المرام/118

5- لاحظ الإلهيات ج1، بحث البلايا والمصائب والشرور وكونه حكيماً، ص 273-286.

6- هذا إشارة إلى اللطف المحصل.

7- بحار الانوار، ج5، كتاب العدل والمعاد، الباب الخامس عشر، الحديث 13، ص 316.


معنى التبليغ

حكم التبليغ 

الفرق بين الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

الأدلة النقلية على وجوب الدعوة

الحكم الشرعي للدعوة الإسلامية

شبهة تعدد الزوجات

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)