• عدد المراجعات :
  • 1111
  • 11/8/2010
  • تاريخ :

نقض فتاوى الوهابية – فتوى تهديم القبور

الورد

وبعد هذا كله فهل من قائل لذلك المفتي، مفتي علماء المدينة الذي أفتى بجواز هدم القبور او وجوبه استناداً إلى ذلك الحديث: ياهذا ! من اين جئت بتلك النظرية الحمقاء، والحجة العوجاء، والبرهنة المعكوسة، والمزعمة المقلوبة التي ما همها واهم، ولاخطرت على ذهن جاهل فكيف بالعالم ؟!

 اللهم إلا أن يكون «ابن تيمية» أو بعض ذناباته فإن الرجل ترويجاً لأباطيله، وتمشية لأضاليله، حيث تعوزه الحجة والسند قمين بتحوير الحقائق، وقلب الادلة، والتلاعب بالحجج والبراهين تلاعبه بالدين « كما تلاعبت الصبيان بالاكر» .

 لا يا هذا، إن الشمس لا تستر بالاكمام، وإن الحق لا يسحق بزخارف الكلام وسفائف الاوهام ... إن الحديث « لاتدع قبراً إلاسويته » دليل عليك لا لك، وحجة قاطعة لأضاليلك وقالعة لجذور أباطيلك، فإن معناه الذي لايشك فيه إنسان من أهل اللسان « سويته اي: عدلته وسطحته، لا ساويته وهدمته»، وبهذا المعنى لا يكون معارضاً لشيء من الاحاديث حتى يحوج من له حظ من صناعة الاستنباط الى الجمع والتأويل، وهذا هو معناه بذاته وظاهر من نفس مفرداته وتركيبه، لا الذي يحصل بعد الجمع كما يظهر من عبارة شارح البخاري المتقدمة.

 نعم، لو ابيت إلا عن حمل « سويته » على معنى ساويته بالارض وجاملناك على الفرض والتقدير، حينئذ تجيء نوبة المعارضة ويلزم الصرف والتأويل، وحيث ان هذا الخبر بانفراده لا يكافئ الاخبار الصحيحة الصريحة الواردة في فضل زيارة القبور ومشروعية بنائها، حتى ان النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ سطح قبر إبراهيم، فاللازم صرفه الى ان المراد: لاتدع قبراً مشرفاً قد اتخذوه للعبادة إلا سويته وهدمته.

 ويدل على هذا المعنى الاخبار الكثيرة الواردة في الصحيحين ـ البخاري (1) ومسلم ـ من ذم اليهود والنصارى والحبشة حيث كانوا يتخذون على قبور صلحائهم تمثالاً لصاحب القبر فعبدونه من دون الله، ولعله إشارة الى بعض طوائف اليهود والنصارى والحبشة حيث كانوا كذلك في القديم فعدلوا واعتدلوا .

 أما المسلمون من عهد النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ إلى اليوم فليس منهم من يعيد صاحب القبر، وانما يعبدون الله وحده لاشريك له في تلك البقاع الكريمة المتضمنة لتلك الاجساد الشريفة، وبكل فرض وتقدير فالحديث يتملص ويتبرأ أشد البراءة من الدلالة على جواز هدم القبور فكيف بالوجوب؛ والاخبار التي ما عليها غبار ومما لم نذكره ناطقة بمشروعية بنائها وإشادتها وانها من تعظيم شعائر الله ( ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) (2).

 

 تتمة:

في العام الماضي طبعت في النجف الاشرف رسالة موسومة بـ‌« منهج الرشاد» لا سطوانة من اساطين الدين ـ الشيخ الاكبر كاشف الغطاء ـ الذي يعرف كل عارف انه كان فاتحة السور من فرقان العزائم، وكوكب السحر في سماء العظائم، هو من أفذاذ الاعاظم الذين لاتنفلق بيضة الدهر إلا عن واحد منهم، ثم تعقم عن الاتيان بثانيه إلا بعد مخض طويل من الاحقاب، من غر اياديه ـ وكم له في العلم من أياد غرر ‎ـ تلك الرسالة التي رتبها على مقدمة وفصول، عقد كل فصل منها لدفع شبهة من شبهات الوهابية ودحضها بالادلة القطعية، والاحاديث النبوية الثابتة من الطرق الصحيحة عند أهل السنة، على ان المقدمة وحدها كافية في قمع شبهاتهم، وقلع جذوم مذهبهم، وهدم اساس طريقتهم، وقد ابدع فيها غاية الابداع. ومن بعض أبواب الرسالة: « الباب الرابع: في بناء قبور الانبياء والاولياء » وأفاض في البيان إلى أن قال:

 والاصل في بناء القباب وتعميرها ما رواه التباني واعظ أهل الحجاز عن جعفر بن محمد، عن ابيه، عن جده الحسين، عن أبيه علي ـ عليه السلام ـ أن رسول الله صلى الله عليه وآله ـ قال له: « لتقتلن في ارض العراق وتدفن بها، فقلت: يارسول الله، مالمن زار قبورنا وعمرها وتعاهدها؟ فقال: ياأبا الحسن، إن الله جعل قبرك وقبر ولديك بقاعاً من بقاع الجنة، وإن الله جعل قلوب نجباء من خلقه، وصفوة من عباده تحن إليكم، وتعمر قبوركم، ويكثرون زيارتها تقرباً إلى الله تعالى ومودة منهم لرسوله» (3).

 ثم قال ـ قدس سره ـ بعد إيراد تمام الحديث: ونقل نحو ذلك أيضاً في حديثين معتبرين، نقل أحدهما الوزير السعيد بسند، وثانيهما بسند آخر غير ذلك السند، ورواه أيضاً محمد بن علي بن الفضل، انتهى .

 والقصارى: أن النزاع بيننا معاشر المسلمين أجمع وبين سلطان نجد وأتباعه الذين يحكمون بضلالة سائر المسلمين أو بتكفيرهم، لو كان ينحسم وينتهي بإقامة الحجج والبراهين لجئنا بالقول المقنع المفيد! ولكان عندنا زيادة للمستزيد، بل لو كنا نعلم أنهم يقنعون بالحجة البالغة، ويخضعون للأدلة القاطعة، لملأنا الطوامير من الحجج الباهرة التي تترك الحق أضحى من ذكاء، وأجلى من صفحة السماء، ولكن سلطان نجد له حجتان قاطعتان عليهما يعتمد، وإليهما يستند ، ولافائدة إلا بمقابلتهما بمثلهما أو باقوى منها، وهما: الحسام البتار، والدرهم والدينار، السيف والسنان، والأحمر الرنان، هذا لقوم وذاك لآخرين:

 أحدهما لأهل الصحف والمجلات في مصر وسوريا ونحوهما ليحبّذوا أعماله الوحشية ويحسنوا همجيته التي تضعضع أركان كل مدنية.

 والآخر لأعراب البوادي ولشرفاء الحجاز وامثالهم من امراء العرب حيث تساعده الظروف لاقدر الله .

إذن فأي فائدة في إطالة الكلام، وسرد الاحاديث ونضد الادلة. نعم، فيها تبصرة وتبيان لطالب الحقيقة المجردة عن كل خوف ورجاء، وتحامل وتزلف، ولكن أين هو ذلك الرجل الطالب للحق المجرّد عن كل غرض ؟! ولئن كان لوح الوجود غير خال منه ففيما ذكرناه غنى له وكفاية.

 أما امير نجد واجناده وقضاته ومن لف لفهم الذين اتخذوا لتلك الدعوى والديانة وسيلة لامتداد سلطتهم، واتساع سطوتهم، وضخامة ملكهم، فلسنا معهم في الخصام وإقامة الحجج إلا كإشراق الشمس على المستنقعات العميقة، في الأودية السحيقة، لاتزيدها تلك الأشعة إلا سخونة وعفونة وانتشار وباء في الهواء.

 ليت قائلاً يقول لقاضي القضاة ـ ابن بليهد ـ ولمفتي علماء المدينة: أتراكم تعتقدون وتعتمدون على كل ما في صحيح مسلم، وتعملون بكل ما ورد من النصوص فيه؟ فإن كنتم كذلك فقد عقد مسلم في صحيحه باباً واورد عدة أحاديث في ان الخلافة لاتكون إلا في قريش، وان الائمة من قريش (4)، بأساليب من البيان، وأفانين من التعبير، وكلها صريحة في ان الخلافة الحقة المشروعة مخصوصة بتلك القبيلة .. ومثله، بل وأكثر منه في صحيح البخاري، وعليه فأين تكون خلافة اميركم ابن سعود؟ وكيف حال إمامته؟أهي من قوله تعالى : « وجعلنا منهم أئمة» (5) ؟! أم من قوله تعالى ‎لإبراهيم : « إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي قال لاينال عهدي الظالمين»(6) ؟! وحسبنا هذا القدر، إن اللبيب من الإشارة يفهم!

 وأما حديث لعن رسول الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج (7) فهو نهي للنساء عن التبرج والخروج إلى المجتمعات وعن السجود على القبر، وهو مما لا يصدرمن احد من المسلمين، وعن إيقاد السرج عبثاً وتعظيماً لذات القبر، أما الإسراج لقراءة القرآن والدعاء فلا منع ولانهي، بل في بعض الاحاديث جوازه (8).

 هذا كله في الجواب عن حديث مسلم في شأن هدم القبور وزيارتها والاسراج عليها، أما فتاوى مفتي علماء المدينة الاخرى المتعلقة بشأن التبرك بالقبور، والتمسيح بها، وزيارتها ونحو ذلك، فقد أفتى ذلك المفتي بالمنع منها مطلقاً، ولكن أرسل اكثر الفتاوى إرسالاً من غير ان يسندها الى حجة او يعمدها على دليل حتى نتصدى للجواب عنه.

 نعم، قال في آخرها ـ وما اصدق ما قال ـ: هذا ما ادى إليه نظري السقيم. انتهى.

 والسقيم ـ لا محالة ـ إنما جاء من إحدى العلتين اللتين مر ذكرهما او من كليهما، نسأله تعالى العافية لنا ولجميع المسلمين.

 وفي الرسالة ـ المنوه بذكرها من أمم ـ لكل واحدة من تلك المسائل فصل مستقل اثبت فيه من الطرق الصحيحة المعتبرة عند القوم مشروعيتها ورجحانها وعمل الصحابة والتابعين بها، فمن اراد فليراجع. وعلى هذا الحد فلتقف الاقلام، وينتهي الكلام، فقد تجلى الصبح لذي عينين، والسلام‎. تمت بحمد الله تعالى .

الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء ـ طاب ثراه

-----------------------------------------------------

الهوامش:

(1) صحيح البخاري 2/ 114.

(2) الحج: 32.

(3) فرحة الغري: 77.

(4) صحيح البخاري 9/ 77 باب «1» كتاب الاحكام، صحيح مسلم 3/ 1451ـ 1454 باب «1» كتاب الإمارة.

(5) السجدة: 24.

(6) البقرة: 124.

(7) سنن ابي داود 3/ 218 ح 3236 .

(8) مستدرك الحاكم 1/ 374 .


نقض فتاوى الوهابية - تسطيح القبور

الرد على الوهابية - زيارة القبور

الرد على الوهابية - في توحيدالله في العبادة

 

 

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)