• عدد المراجعات :
  • 1993
  • 10/30/2010
  • تاريخ :

العدل الإلهي ( 3 )

الورد

الدليل على العدل الإلهي‏

ذكرنا أن العدل الإلهي يعتبر مصداقا من مصاديق الحكمة الإلهية، وفقا لأحد التفاسير، ووفقا لتفسير آخر فإن العدل هو الحكمة الإلهية نفسها. وبطبيعة الحال يكون الدليل لإثبات العدل هو الدليل نفسه الذي يثبت الحكمة الإلهية، وتوضيح ذلك:

إن الله تعالى يمتلك أسمى مراتب القدرة والإختيار، وإنه قادر على أن يفعل أي عمل ممكن الوجود أو لا يفعله، دون أن يخضع لتأثير أية قوة تجبره وتقهره، ولكن الله تعالى لا يفعل كل ما يقدر عليه من أفعال، بل إنما يفعل الذي يريده.

إن إرادته تعالى ليست عابثة جزافية، بل إنه تعالى لا يريد إلا ما يتناسب وما تقتضيه صفاته الكمالية، وإذا لم تقتض صفاته الكمالية فعلا ما، فلا يصدر منه ذلك الفعل إطلاقا،

إن إرادته تعالى ليست عابثة جزافية، بل إنه تعالى لا يريد إلا ما يتناسب وما تقتضيه صفاته الكمالية، وإذا لم تقتض صفاته الكمالية فعلا ما، فلا يصدر منه ذلك الفعل إطلاقا، وبما أن الله تعالى هو الكمال المحض، فإرادته بالأصالة إنما تتعلق بجهة كمال المخلوقات وخيرها، وإذا لزم من وجود مخلوق حدوث بعض الشرور والنقائص في العالم، فإن جهة الشر هذه مقصودة بالتبع، بمعنى أن هذا الشر بما أنه لا ينفك عن الخير الغالب، لذلك تتعلق الإرادة بهذا الشر تبعا لتعلق الإرادة بالخير الغالب أصالة.

إذن فمقتضى الصفات الإلهية الكمالية أن يخلق العالم بصورة يتوفر في مجموعه الكمال الغالب، والخير الممكن الحصول، ومن هنا تثبت صفة الحكمة للّه تعالى.

وعلى هذا الأساس فإن الإرادة الإلهية إنما تعلقت بخلق الإنسان، لأن الإنسان ممكن الوجود في ذاته، وأن وجوده للخير الغالب، ولأكثر الخيرات، ومن المميزات الرئيسة للإنسان، اختياره، وإرادته الحرة، ولا شك بأن التوفر على قوة الإرادة والإختيار يعد من الكمالات الوجودية، حيث يعد الواجد لها أكمل من الفاقد لها، ولكن ما يلازم اختيارية الإنسان، أن يكون قادرا على ممارسة الأفعال الحسنة الخيرة التي توصله إلى كماله النهائي والأبدي، وكذلك يكون قادرا على إرتكاب الأفعال القبيحة والمنكرة، لتتجه به إلى السقوط في حضيض الخسران والشقاء الأبدي وبطبيعة الحال فما تتعلق به الإرادة الإلهية أصالة هو تكامله، ولكن بما أنه يلزم من التكامل الإختياري للإنسان، إمكان السقوط والإنحطاط أيضا، والذي يحصل نتيجة الإنصياع للأهواء النفسية، والنزوات الشيطانية، لذلك تتعلق الإرادة الإلهية بالتبع بهذا السقوط الإختياري.

أن الله لو كلف العبد بما لا يطيقه ولا يقدر عليه فإن هذا التكليف لا يمكن إمتثاله، ويكون عملا لا فائدة فيه.

 

وبما أن الإختيار الواعي الشعوري محتاج إلى المعرفة الصحيحة السليمة لطرق الخير والشر، لذلك أمر الله تعالى الإنسان بكل ما فيه خيره ومصلحته ونهاه عن كل ما يؤدي إلى الفساد والإنحراف والإنحطاط، وبذلك وفر تعالى مستلزمات الحركة التكاملية. وبما أن التكاليف الإلهية إنما وضعت وشرعت لهدف توصل الإنسان إلى نتائج العمل بهذه التكاليف الإلهية دون أن يصل منها أي نفع وفائدة للّه تعالى ذاته، ومن هنا إقتضت الحكمة الإلهية أن تكون هذه التكاليف متلائمة ومتناسبة مع قدرات المكلفين، وذلك لأن التكليف الذي لا يقدر على إمتثاله، لغو لا فائدة فيه.

إذن فالمرحلة الأولى للعدل (بالمعنى الخاص) أي العدالة في مجال التكليف، تثبت بهذا الدليل وهو: أن الله لو كلف العبد بما لا يطيقه ولا يقدر عليه فإن هذا التكليف لا يمكن إمتثاله، ويكون عملا لا فائدة فيه. وأما العدالة في مجال الحكم والقضاء بين العباد، فإنها تثبت مع الإلتفات لهذه الملاحظة: بأن الحكم والقضاء إنما يتم لأجل تعيين إستحقاق الأفراد لأنواع الثواب والعقاب، وإذا تم على خلاف القسط والعدل، فسوف يلزم منه نقض الغرض.

وأخيرا العدالة في مجال تنفيذ المجازاة ثوابا وعقابا، فإنها تثبت بملاحظة الهدف النهائي للخلق، لأن من خلق الإنسان بهدف التوصل لنتائج أفعاله الحسنة أو القبيحة لو أثابه أو عاقبه على خلاف ما تقتضيه هذه الأفعال، فإنه لن يصل إلى هدفه.

إذن فالدليل على العدل بمعانيه الصحيحة، وفي جميع مظاهره هو: أن صفات الله الذاتية، تقتضي أن تكون أفعاله تعالى حكيمة وعادلة، ولا توجد في الله تعالى أية صفة تقتضي الظلم والجور، أو اللغو والعبث.


مصادر القضاء والقدر في الكتاب والسنة ( 1 )

السنن الإلهية في المجتمع البشري

الجبر والتفويض

التقدير مقدَّم على القضاء

معطيات الإعتقاد بالقضاء والقدر

تفسير القَدَر والقضاء العينيين

التقدير هو الراسم للحياة عند المشركين

 

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)