• عدد المراجعات :
  • 587
  • 3/8/2010
  • تاريخ :

الأرضيّة السياسية للسياسة العسكرية الأميركية

امريکة

الثمانينيات كانت عهد احتدام الصراع الدولي في موازنة تركت آثارها على وتيرة حركة الولايات المتّحدة الأميركية باعتبارها قوّة عالمية. ويمكن دراسة التطوّرات الناجمة من خلال حدثين تكمن فيهما جذور كثير من أحداث السنين الأخيرة.

الثمانينيات كانت عهد احتدام الصراع الدولي في موازنة تركت آثارها على وتيرة حركة الولايات المتّحدة الأميركية باعتبارها قوّة عالمية. ويمكن دراسة التطوّرات الناجمة من خلال حدثين تكمن فيهما جذور كثير من أحداث السنين الأخيرة.

- الحدث الأوّل: هجوم الجيش الأحمر للاتّحاد السوفيتي السابق على أفغانستان سنة 1979م، وفسّر على أنّه فرصة للتقدّم الروسي نحو المياه الحرّة، ولتحقّق آمال بطرس الكبير، وبذلك شعرت أميركا بأنّها أُبعدت خطوة إلى الوراء في المواجهة مع أهمّ منافس عالمي لها.

- الحدث الثاني: انتصار الثورة الإسلامية في إيران، ممّا أدّى إلى انهيار تماسك الاستراتجية الأميركية في الخليج، وتدمير أقوى أساس رادع وأقوى سدّ للغرب في مقابل الشيوعية. كما أنّ الوجه الديني الناصع للثورة الإسلامية وعداءها الذاتي لقوى التسلّط الاستعمارية الأميركية عزّزا لدى واشنطن حقيقة أنّ الثورة الإسلامية الإيرانية لم تهدّم السدّ الدفاعي للغرب في مقابل الاتّحاد السوفيتي فحسب، بل جعلت الاستراتيجية الدائمة لحفظ المصالح الحيوية الأميركية في الشرق الأوسط معرّضة إلى غموض شديد.

وبناءً على هذين الحدثين تعتبر الستراتيجية الكبيرة لأميركا في الثمانينيات هي التخطيط للراديكالية أو التطرّف الإسلامي التقليدي الذي يُعدّ نموذجاًمتكاملاً لتشكيل الفرق في الدول الإسلامية على أنّه وسيلة لنفوذ الاستعمار وسيطرته، إضافة إلى مجاراته القديمة للمستعمرين الإنكليز في الشرق الأوسط. فالراديكالية التقليدية سياسة قُدِّمت للاستفادة منها في مجالين:

إنزال أفدح الأضرار والخسائر بالجيش الأحمر في أفغانستان، إنشاء سدّ أمام نموّ و ازدهار الثورة الإسلامية الإيرانية في الشرق الأوسط، ولكنّ بروز ثلاث حوادث استراتيجية مصيرية هي:

1 ـ انسحاب روسيا من أفغانستان سنة 1989م.

2 ـ حرب الخليج سنة 1990 ـ 1991م.

3 ـ تفكّك الاتّحاد السوفيتي سنة 1991م...

نقول: بروز تلك الحوادث الثلاث أوجد تغييرات في مسيرة الأحداث استقطبت الأنظار، وشكّلت علامات لأبرز خصائص العلاقات الدولية في هذا المقطع الزمني، نذكرها كما يلي:

التحقّق الفعلي لانتهاء الحرب الباردة بتفكّك الاتّحاد السوفيتي وما نشأ عنه بدون شكّ من انعطاف وتحوّل عظيم في مجال العلاقات الدولية، تنقّل القوى وانتشارها، اضطراب موازين القوى، تعقّد الأوضاع الدولية، تقدّم التكنولوجيا والاتّصالات، زيادة انتاج أسلحة الإبادة الجماعية، انخفاض مستويات مصادر الطاقة وذخائرها، نموّ جديد في القومية المتطرّفة لدى بعض البلدان، عدم جدوى الهيئات الدولية وخاصّة منظمة الأُمم المتّحدة في إحقاق حقوق الشعوب والدول، النهضة الإسلامية المستوحاة من الثورة الإسلامية، التدخّل الأميركي العسكري في مختلف البلدان، إرباك نظام الثنائية القطبيّة.

أوّل نظرية طُرحت بين المفكّرين الأميركيين في هذه الحقبة هي نظرية القطب الواحد، ولاقت إقبالاً من قبل رونالد ريغان و جورج بوش الأب .

أوّل نظرية طُرحت بين المفكّرين الأميركيين في هذه الحقبة هي نظرية القطب الواحد، ولاقت إقبالاً من قبل رونالد ريغان و جورج بوش الأب .

أساس تلك النظرية هو: أنّه مع تفكّك نظام الثنائية القطبية وتحلّل وضعف اتّحاد الجمهوريات الروسية

كقوّة كبيرة في الشرق، فإنّ الولايات المتّحدة الأميركية لا تعتبر مجرّد قوّة عظمى متبقّية من نظام الثنائية القطبية فحسب، بل ستواصل رسالتها بصفتها قائداً للعالم في نظام أُحادي القطب، وسيكون النظام الحاكم للعالم هو نظام سلسلة المراتب.

جُرّبت هذه النظرية في عهد قصير جداً وهو مدّة حرب الخليج واحتلال الكويت من قبل العراق، حيث استغلّت أميركا هذا الخطأ الاستراتيجي لتطبيق نظام القطب الواحد، واستطاعت أن تجرّ خلفها أغلب دول العالم، ولكن لم يدم ذلك طويلا لعدم خضوع قوى العالم الكبرى لهذا النظام، وأُحرز عدم تقبّله وعدم جدواه باتساع نطاق مخالفته، حتى اعترف المفكّرون الأميركيون أنفسهم بمرحليّته وقصر عمره.

النظرية الثانية التي طرحت في بداية السبعينيات وخاصّة بعد الازدياد السريع للاتّصالات كشبكة الانترنيت والأقمار الصناعية، هي نظرية العولمة.

النظرية الثانية التي طرحت في بداية السبعينيات وخاصّة بعد الازدياد السريع للاتّصالات كشبكة الانترنيت والأقمار الصناعية، هي نظرية العولمة.

تستند هذه النظرية إلى أنّ الثورة التكنولوجية في حقل الاتّصالات قد قلّلت إلى حدّ كبير من الحدود السياسية والجغرافية، وسوف تُمحى بالتدريج، وستقترب المجتمعات الدولية من بعضها بنحو تغدو فيه وكأنّها قرية عالمية، وستسود في هذه القرية ثقافة الغرب وسياسته واقتصاده، ومن الطبيعي أن يكون الحاكم لها هو البلد الذي يمتلك الوسائل الأقوى.

تمّ الإعلان عن هذه النظرية بنحو مكثّف من أبعاد مختلفة حتى حادثة الحادي عشر من سبتمبر، ووصلت إلى مرحلة التنفيذ في المجال الاقتصادي وعلى مستوى منظمة التجارة العالمية. ومن الطبيعي أن تبدأ وتتّسع المعارضة الجماهيرية لها بموازاة تقدّمها، وبخاصّة في الدول الغربية وحتى في الولايات المتّحدة الأميركية.

النظرية الثالثة هي أنّ أميركا بصفتها قوّة عظمى لا تستطيع المحافظة على منزلتها إلاّ عندما تتّخذ لنفسها مهمّة ورسالة، وتضع في أوّل قائمة برامجها هدفاً معيّناً يرتضيه المجتمع العالمي. وبعبارة أُخرى:

لا يوجد دافع لأعضاء المجتمع الدولي لقبول منزلة أميركا بكونها قوّة عظمى والمصادقة عليها والاعتراف بها رسمياً أو الخضوع لقراراتها مع وجود صلح عالمي وعدم الإحساس بالخطر المشترك.

إنّ حادثة الحادي عشر من سبتمبر وعدم الجدوى من نظرية العولمة أوجبا قبول النظرية الثالثة. وممّا يكشف عن أنّ المخطّطين للسياسة الأميركية في صدد تنفيذ هذه النظرية هو أوّل ردّة فعل لجورج بوش الابن في مقابل حادثة الحادي عشر من سبتمبر عبّر عنها بقوله: لقد دخلنا حرباً صليبية أُخرى; وكذلك بثّ تلفزيون CNN لشعار أميركا: أميركا في حرب، وحرب ضدّ الإرهاب.

ومع إمكان حلّ المسألة بهدوء إلا أنّهم عقدوا العزم على الاستفادة القصوى من اتّخاذ سياسة تستند الى أساس الحرب والعمليات العسكرية، هذا الأمر يبعث على الشكّ كثيراً في أنّ الأجهزة المخابراتية الأميركية نفسها كانت الموظّفة لهذه الحادثة والمتحجّجة بها، ولعلّ هذا هو السبب من تلقّي رجال الدولة الأميركيين للكارثة وكأنّهم يعلمون بكيفية وقوعها من قبل.

إنّ حادثة الحادي عشر من سبتمبر وعدم الجدوى من نظرية العولمة أوجبا قبول النظرية الثالثة. وممّا يكشف عن أنّ المخطّطين للسياسة الأميركية في صدد تنفيذ هذه النظرية هو أوّل ردّة فعل لجورج بوش الابن في مقابل حادثة الحادي عشر من سبتمبر عبّر عنها بقوله: لقد دخلنا حرباً صليبية أُخرى; وكذلك بثّ تلفزيون CNN لشعار أميركا: أميركا في حرب، وحرب ضدّ الإرهاب.

فأعلن رئيس الولايات المتحدة الأميركية الحرب منذ البداية، ووجّه تهديداته إلى العالم الإسلامي، وأشار في معرض حديثه عن أُسامة بن لادن وتنظيم القاعدة إلى أنّ لمساندي الإرهاب علاقة بالحادثة.

واللافت للنظر أنّ أميركا نشرت قائمة بأسماء الدول والمنظّمات بصفتها إرهابية ومساندة للإرهاب، بنحو وكأنّ بينها وبين تلك الدول والمنظمات بعض المتاعب، وسعت إلى إيجاد حلف واسع للدفاع عن سياستها في الحرب والعدوان تحت شعار مكافحة الإرهاب، وذلك بطرحها لنظرية: أنّ الدول إمّا معنا أو مع الإرهابيين، وأُعلن في المرحلة التالية أنّ إيران والعراق وكوريا الشمالية هي محور الشرّ في العالم، ولم يكتفوا بذلك فذكروا احتمال شنهم لهجوم نووي على سبعة بلدان.

وعلى هذا النحو فإذا كانت ضحايا فاجعة الحادي عشر من سبتمبر هم بالدرجة الأُولى من المواطنين الأميركيين العاديين وسائر رعايا الدول، فالرابحون الحقيقيّون منها بالدرجة الأُولى هم أعضاء الجناح السياسي الأميركي المتطرّف، أي القسم العسكري من الهيئة الأميركية الحاكمة، القسم الذي تخضع قوى الدولة الثلاث لسيطرته في هذا الوقت.

لقد حضّر الحزب الجمهوري ـ الذي يُعدّ رمز اليمينيين ودعاة الحرب في هذا البلد ـ إلى سلسلة من البرامج الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وكان في صدد تنفيذها، ولكنّه كان يواجَه في كلّ مرّة بمقاومة المجتمع الدولي والشعب الأميركي، وقدّمت له حادثة الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001م أفضل فرصة لاقناع الشعب وتقبّل هذه البرامج بأقلّ مؤونة، ومن ثّم لتطبيقها إذا تمكّن من ذلك.

الدکتور منوچهر محمدي


الأرضيّة الاقتصادية للسياسة العسكرية الأميركية

الأرضيّة التاريخية للسياسة العسكرية الأميركية

إطلالة على حادثة الحادي عشر من سبتمبر

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)