• عدد المراجعات :
  • 873
  • 12/9/2009
  • تاريخ :

باراك أوباما و نظام عالمي متعدد الأقطاب 

باراك أوباما

تدرك الولايات المتحدة أنها لم تعد تستطيع السيطرة على العالم كما يحلو لها، وأن الفجوة التي تفصل بينها وبين الآخرين قد تقلّصت، وفي ضوء ذلك فهي تحتاج إلى بقية دول العالم للحفاظ على مكانتها المتفوقة، وليس للقضاء عليها.

منذ خمس سنوات، كان يستحيل الحديث جدياً عن النظام العالمي من دون افتراض قوة أميركية عظمى تتحكم بقوة الحياة والموت على الأرض.

لكن الحاصل اليوم هو العكس تماماً، فقد بات من الشائع أن الولايات المتحدة في تراجع، والرئيس باراك أوباما يمثل دولةً تتقبل بسرور أن نعيش في عالم متعدد الأقطاب.

لكن هذه الفرضية على الأقل قابلة للنقاش، فإن كان العالم متعدد الأقطاب، فسيكن مشوباً بعيوب كثيرة، لذا ستسعى الدبلوماسية الأميركية إلى إبقاء الأمور على هذه الحال.

تتجسد القوة في الوقت الراهن في ثلاثة مصادر:

- الثروة المادية التي من دونها ما من شيء ممكن عملياً (من الأمثلة على ذلك انهيار الاتحاد السوفييتي)؛

- والسلطة الاستراتيجية التي تعني القدرة على إبراز القوة في المحيط الداخلي والخارج؛

- وأخيراً ما يمكن تسميته بغريزة القوة، أي التمتع بالإرادة للتدخل في الشؤون العالمية، وقد تتم هذه الأخيرة عبر أفكار المرء، أو قدراته، أو جاذبيته.

تتجسد القوة في الوقت الراهن في ثلاثة مصادر: - الثروة المادية التي من دونها ما من شيء ممكن عملياً (من الأمثلة على ذلك انهيار الاتحاد السوفييتي)؛ - والسلطة الاستراتيجية التي تعني القدرة على إبراز القوة في المحيط الداخلي والخارج؛ - وأخيراً ما يمكن تسميته بغريزة القوة، أي التمتع بالإرادة للتدخل في الشؤون العالمية، وقد تتم هذه الأخيرة عبر أفكار المرء، أو قدراته، أو جاذبيته

نستطيع تلمس تطور العلاقات بين القوى على الجبهة المادية بشكل خاص، على الرغم من أن تغير ميزان القوى من الغرب إلى آسيا تم ببطء نسبياً، وذلك بخلاف الحكمة السائدة. تبرز اليوم أربعة مراكز قوة اقتصادية كبرى: الولايات المتحدة، وأوروبا، والصين، واليابان. تتبعها على مسافة بعيدة جداً الهند، والبرازيل، وروسيا، ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن الناتج المحلي الإجمالي في روسيا مثلاً يشكّل واحد في المئة فقط من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، مقارنةً بحصّة الولايات المتحدة البالغة 22 في المئة. ذلك بعيد كل البعد عن تعددية الأقطاب الاقتصادية التي قد تستلزم ضرورة تكافؤ الأقطاب المختلفة من حيث القوة.

أما على الجبهة الاستراتيجية، فيبدو اختلال التوازن أكثر وضوحاً، إذ توجد قوة عظمى عسكرية وحيدة تتخطى القوى الأخرى كافة حتى اليوم (الولايات المتحدة)؛ وقوة ناشئة (الصين)؛ وقوة تعيش على أمجاد ماضيها ولا تستطيع الحفاظ على مكانتها إلا بفضل مصادرها من الطاقة (روسيا)؛ ومجموعة وافرة من اللاعبين الذين لاتزال قدراتهم على إبراز القوة ضعيفة جداً.

يتشاطر العالم اليوم ثلاث أجندات عالمية: الأجندة الاستراتيجية التي لاتزال تتحكم بها الولايات المتحدة إلى حد كبير؛ والأجندة الاقتصادية الموزّعة بشكل أوسع؛ وأجندة المناخ حيث تتّخذ الولايات المتحدة بلا شك وضعية الهجوم.

في المقابل، لا يوجد أي دليل على تحرك باتجاه تعددية أقطاب استراتيجية، وباستثناء الصين التي تملك الإرادة والوسيلة، وروسيا التي تملك الإرادة لكن ليس بالضرورة الوسيلة، لم تنشأ أي قوة عالمية طموحة وقادرة، وما من شك في أن البرازيل والهند تزدادان قوةً عسكرياً، لكن طموحاتهما الاستراتيجية لاتزال محصورة في النطاق الإقليمي للمستقبل المنظور، فضلاً عن ذلك، قد يعزز نشوء الصين اعتماد اليابان الاستراتيجي على الولايات المتحدة على الرغم من وجود شروخ قصيرة الأجل في العلاقات اليابانية الأميركية.

ينطبق النموذج عينه على أوروبا بالنظر إلى التحدي الروسي. أوروبا هي المنطقة الوحيدة في العالم التي ترفض زيادة نفقاتها العسكرية، وكأن الأوروبيين اتخذوا قراراً نهائياً بالاعتماد على الولايات المتحدة للدفاع عنهم، ولن تغيّر معاهدة لشبونة شيئاً في ذلك الصدد، فقد اصطدمت مساعي الأوروبيين لإنشاء وسائل دفاع خاصة بهم بعوائق تشهد على مدى ضعف قوة أوروبا المفترضة.

في ما يتعلّق بغريزة القوّة، على الرغم من أن بلداناً كثيرة تتمتع بها بلا شك، بيد أن قلّةً منها تملك الوسائل لتحقيق طموحاتها. تمتلك روسيا ترسانة عسكرية ضخمة، لكن القوة لا تعني استعراض العضلات فحسب، بل يجب أن ترتبط أيضاً بالجاذبية، وهكذا فشلت روسيا في اجتذاب دول العالم، باستثناء الأنظمة التي تصادمت في السابق مع الغرب.

في الوقت عينه، تواجه أوروبا واقع أنها ليست دولة، فالنفوذ الوحيد الذي تمارسه يتعلّق بالمعايير، إذ لديها القدرة على رسم إطار العالم عبر بث المعايير في التنظيم العالمي في مجال الشؤون المالية، البيئة، الأمن الغذائي، وهكذا دواليك. هذا واقع لا يجب التقليل من أهميته، لكنه لا يعوّض عن نقص القوّة الاستراتيجية.

في جميع الأحوال، يتضّح أمامنا سبب عدم تبني الولايات المتحدة الحديث عن عالم متعدد الأقطاب قد يجعلها على قدم المساواة مع لاعبين عالميين مهمّين آخرين، فما من سبب يدعو واشنطن إلى تقبل مثل هذا التغيير في تركيبة النظام العالمي في الوقت الذي لا تزال تتفوّق فيه على البلدان الأخرى في المجالات الثلاثة، لذلك من المنطقي أن تفضّل إدارة أوباما الحديث عن شراكات بدلا من تعددية أقطاب.

تدرك الولايات المتحدة أنها لم تعد تستطيع السيطرة على العالم كما يحلو لها، وأن الفجوة التي تفصل بينها وبين الآخرين قد تقلّصت. بنتيجة الأمر، تحتاج إلى بقية دول العالم للحفاظ على مكانتها المتفوّقة، وليس للقضاء عليها. الهدف من ذلك انتقاء شركاء أفضل من غيرهم في مجال التحرّك الدولي، وذلك للحفاظ على القيادة في المجالات كافة.

يتشاطر العالم اليوم ثلاث أجندات عالمية: الأجندة الاستراتيجية التي لاتزال تتحكم بها الولايات المتحدة إلى حد كبير؛ والأجندة الاقتصادية الموزّعة بشكل أوسع؛ وأجندة المناخ حيث تتّخذ الولايات المتحدة بلا شك وضعية الهجوم.

في هذا الإطار، تحاول إدارة أوباما مواصلة التحكّم بأحجار اللعبة عبر الإفساح في المجال أمام الآخرين وفي الوقت عينه منع ظهور تحالف قد يضغط عليها حيال مسألة معيّنة، كما أظهر أخيراً الإعلان حول تغيّر المناخ في سنغافورة، أو قوّة منافسة قد تأخذ مكانها كالصين.

ما من شك في أن بنية النظام الدولي تتطوّر بشكل دائم، لذا لن تكفي الولايات المتحدة قوّة الإرادة وحدها لتجميد أحجار اللعبة. مع ذلك، قد يكون من الخطأ التقليل من أهمية النفوذ الأميركي، بعد أن كان يحظى بتقدير كبير لمدة طويلة. ومن الخطأ أكثر الاستنتاج بأن الولايات المتحدة قد تخلّت عن عرضها بالبقاء سيّدة اللعبة، على الرغم من جاذبية أوباما.

*فايننشال تايمز

 

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)