• عدد المراجعات :
  • 1229
  • 8/24/2009
  • تاريخ :

الإمام الصدر في استقبال شهر رمضان  

الامام السيد موسى الصدر

الإمام الصدر في استقبال شهر رمضان : "صيام الشهر المبارك هو الخطوة الاولى في بناء الامة وصناعة التاريخ، وهو تدريب للجهاد وتحضير للمعركة وبداية العودة الى الله، الى بلاد الله المقدسة، الى القدس." 

 

ايها الاخوة المؤمنون

و مرة اخرى اقبل علينا شهر رمضان المبارك بلياليه الملهمة و بأيامه المعلمة و بأجوائه العابقة بالذكريات و العبر و الدافعة الى الحزم و الانضباط . و مرة اخرى نصوم ، نحيي الليالي ، نعظم الشعائر ، و نحتفل بالعيد فرحين راضين ثم نعود الى حياتنا العادية . و هكذا تتكرر السنون و ينمو حجم الذكريات. و يُخشى ان يكون الصيام قد اصبح عادة جامدة ، و شعائره تقاليد مسلية و يكون قد تفرغ شهر رمضان عن جميع معانيه الاصلية.

و بالتفاتة خاطفة نجد ان هذه المحنة ، محنة الصوم و رمضان ، هي محنة العبادات و المواسم جميعها. فقد اجتاح المرض سائر العبادات و المواسم و اقتحم الاماكن المقدسة و الشعائر الدينية و كافة التعاليم السماوية .

وفي لبنان تتضاعف المحنة، محنة الدين وتعاليمه وذلك بعد ان وُضعت الاسعار ، و حُددت الدرجات ، و أُعطيت تعاليم السماء قوالب ارضية معينة . تُرى هل فقدنا فاعلية الدين و تأثير تعاليمه في حياتنا ؟ ، و هل انتهى دوره القيادي في توجيه الانسان ، و تحول الى طقوس و ذكريات و ترف ؟ ، او كان دور تعاليم الدين في الاساس دور تعزية ، و كان شاملًا لأطراف حياة الانسان حيث كانت المصائب شاملة ، اما الآن فقد تمكن الانسان من التغلب على كثير من مشاكله و مصائبه ، فهل تقلص دور الدين ؟ ، ام ماذا ؟

ايها الاخوة المؤمنون 

فلنطرح هذه الاسئلة المحرجة على انفسنا قبل ان تُطرح علينا. و الحقيقة ان هذه الاسئلة و اجوبتها طُرحت ، ولكننا تجاهلناها و غضضنا الطرف عنها ، و تخطينا رهبة التحدث عنها لكي نواجه رهبة الواقع المرير.

ايها المؤمنون 

هل نجد في صومنا آثاره و في صلاتنا معراجها ؟ ، هل تعيشون في فطركم و اضحاكم معاني الاعياد و فعاليتها ؟ ، هل نتفاعل جميعًا مع الشعائر و نتأثر بالاماكن ؟ ، و هل وجدنا في " الاقصى " و " القيامة " معانٍ ، كانت تتوفر لأمتنا حتى اذا طُعنّا فيهما نعيش خسارتهما و محنتهما ؟

هذه تجاربنا المرة المؤلمة خلال واقعنا المر المؤلم ، فلنُعِد تقييم تعاليم الدين في نظرة موضوعية شاملة بجرأة و تبصر ، لعلنا ننطلق من جديد و نبعث فيها الحياة. و لنعطي من وجودنا للدين و لتعاليمه السامية مكانها المترفع الشامل و لنسمح له بأن يُحدد ابعاد وجودنا و يُوحد كثرتنا و يجمع تفرقنا.

ايها المؤمنون

عندما نعيش الفكر الديني و تعاليمه في حياتنا كلها ، في بيتنا في سوقنا ، في مكاتبنا ، في ساحاتنا ، عندما نفك الحصار عن الاحساس الديني المسجون في معابدنا ، و نسمح له بأن يخرج الى حياتنا العامة لكي يدفع و يمنع ، يؤثر و يوجه . عندما نعطيه المجال ، و لا نحاول بعزله تقليصه و القضاء عليه ، عند ذلك فقط نجد آثار هذه الثروة الهائلة في حياتنا و في بناء حضارتنا.

ايها الاخوة

ان صيام شهر رمضان و سائر العبادات و الشعائر الدينية ليست نشاطًا جسديًا فحسب ؛ انها حركات تنبع من العقل و القلب و تنصبّ في القالب الحسي و تقترن معه . و لذلك فعندما تصدر بمعزل عن مشاركة القلب و العقل ، فهي جامدة باهتة تقليدية تشغل  و لاتعمل . علينا في تجربتنا الجديدة في هذا الشهر المبارك و في صيامه ، ان نشغل عقولنا و قلوبنا الى جانب اجسادنا. علينا ان نفكر و نتأمل ، و علينا ان نحب و نتحسس ، و علينا ان نصب هذا الحب ، و ذلك التأمل في صيامنا ، " ان تفكّر ساعة خير من عبادة سبعين سنة " قالها النبي الكريم ( ص ) ، "و هل الدين الا الحب؟ " ، قالها الصادق(ع) . هذا الصيام الحي هو الجُنة من النار و هو احد اركان الاسلام ، و هو ضيافة الله للانسان و تكريمه له، و هو قدَر الانسان و قدْره. رمضان بهذه الصورة فقط ، مناخ يتكون فيه الانسان العزيز فاتح " مكة " و المنتصر في "بدر" و صانع التاريخ . رمضان هذا ، شهر الالفة و التحسس بآلام الآخرين و موسم تناسي الاحقاد و جمع الصفوف و توحيد الكلمة و القلوب و بعث الامة من جديد.

صيام الشهر المبارك بهذا الوضع ، هو الخطوة الاولى في بناء الامة و صناعة التاريخ ، و هو تدريب للجهاد و تحضير للمعركة و بداية العودة الى الله ، الى بلاد الله المقدسة ، الى القدس . انه وعد الله الحق ، و لن يخلف الله وعده فهو القائل عز و جل ؟ و لينصرن الله من ينصره ان الله لقوي عزيز ( الذين ان مكنّاهم في الارض اقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وامروا بالمعروف و نهوا عن المنكر ولله عاقبة الامور ) ، [الحج، 40 -41].

و السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

موسى الصدر


التنمية و الدين 

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)