• عدد المراجعات :
  • 3590
  • 10/31/2007
  • تاريخ :

تأثير الزواج الإسلامي على المجتمع الجاهلي
الزواج

 

     إذا كان الزواج يعرف "كإعادة تنظيم للبنية الاجتماعية" وإذا كانت هذه الأخيرة تعني "كل تنظيم للأفراد الذين ترتكز العلاقات فيما بينهم على مؤسسات قائمة"، فإن من مترتبات ذلك أن كل تغيير يطرأ على نظام الزواج يؤدي إلى تحولات اجتماعية واقتصادية عميقة. فالتحوّل في نظام القرابة يؤدي إلى تفكك في البنيات الاقتصادية والاجتماعية القديمة وبروز اتجاهات جديدة ترتكز على وحدات أساسية مستحدثة. وفي كتابيه "محمد في مكة" و "محمد في المدينة" حلّل مونتكمري واط الأسس الاجتماعية والاقتصادي السائدة في الجزيرة العربية خلال المرحلة الانتقالية في القرنين السادس والسابع الميلاديين. وهو يعيد الانتصار الباهر الذي أحرزه الإسلام لدى القبائل العربية إلى القلق الناجم عن التفكك الذي عرفه النظام القبلي، حيث ساد انعدام الأمن والتذمر من جرّاء تصاعد اقتصاد تجاري مزدهر زعزع التقاليد القبلية الجماعية. فالتجار كانوا مدفوعين بحوافز جشعة جديدة تتعارض غالباً مع الولاء التقليدي للقبيلة، وقد برز ذلك على الأخص في المراكز المدينية المزدهرة كمكة. وتمخض عن هذا التناقض بين الروابط القبلية التقليدية والجديدة، عزلة الفقراء في القبائل وانعدام كل الضمانات الاقتصادية لديهم. فالمسؤولون الذين كان من المفروض أن يحملوا على عاتقهم مهمّة إدارة الممتلكات لصالح الجماعة، غدوا منصرفين إلى مشاغلهم الفردية، وأهملوا بذلك دورهم التقليدي كحماة للضعفاء. وكان النساء والأطفال من أكثر الفئات تضرراً بهذه الوضعية التي شهدت انهيار قنوات التضامن القديمة، وغياب كل مؤسسة تعطيهم الحق في الإرث. لقد كان ذلك امتيازاً مقصوراً على المحاربين الذين يحصلون على الغنائم، وبتعبير آخر الراشدين من الذكور.

     لا يعني تجرّد النساء من حق الإرث أنهن كن محرومات من الأموال كما يعتقد ذلك بعض المؤلفين الإسلاميين. لقد كانت مكانة القبيلة وشرفها رهينين بحمايتها للنساء وتوفير العيش الرغيد لهن. وهناك من يفترض بأن العديد من المؤسسات الإسلامية كانت استجابة للحاجات الجديدة التي ترتبت عن تفكك التقاليد القبلية الجماعية، ووسيلة حماية ضدّ انعدام الضمانات الناتج عن ذلك، وتعدّد الزوجات مثلا يشكل إحدى هذه المؤسسات. فالرّسول الذي اهتمّ بمصير النساء المطلقات والأرامل واليتامى، قرّر خلق نظام مسؤول يمكن من ربط النساء الوحيدات بمجموعة أسروية يحميهم فيها رجل لا يكون قريباً فحسب ولكنه زوج، ويدعم هذه النظرية أن القرآن الكريم قد شرّع التعدّد بعد هزيمة أحد التي لقي فيها الكثير من المسلمين حتفهم. وبالإضافة إلى ذلك فقد هدف الرسول(ص) إلى إعادة دمج النساء في وحدات تضامن جديدة بعد أن جردن من حماية القبيلة لهن، حتى لا يبحثن عن الحماية في علاقات جنسية مؤقتة يعتبرها الإسلام زناً، وهنا تكمن عبقرية الإسلام. إن فعالية هذه المؤسسات تبرزها الطريقة التي نجح بها هذا الدين في توحيد الميولات الجماعية والفردية المتناقضة، وتوجيهها لبناء نظام اجتماعي يعدّ من أكثر الأنظمة استقراراً وانسجاماً في الجزيرة العربية والعالم بأسره. لقد وجهت الميولات الجماعية نحو الجهاد الإسلامي، أما الميولات الفردية فقد عبرت عن نفسها أساساً في مؤسسة الأسرة التي مكنت من خلق روابط جديدة، وطرق جديدة لتمرير الممتلكات معززة بضبط صارم لحرية المرأة الجنسية.

     وساهمت الأمة كذلك في توجيه طبيعة القبائل الشرسة المتعوّدة على الحروب العصبية نحو الجهاد كمنحى جديد، فعوض ولاء القبيلة بولاء الأمة الذي يختلف اختلافاً كلياً في شكله ومضمونه عن الولاء الأول، إذ أن الخلية الأساسية فيه هي الفرد وليست القبيلة. ولم يعد الارتباط بين الأفراد قائما على القرابة، بل غدا مرتكزاً على مفهوم مجرّد أساسه الإيمان بدين واحد.

     وخلال عقود قليلة اندمجت القبائل الرحل المتعوّدة على الغزو الداخلي الذي كان يشكل عائقاً كبيراً أمام القوافل والمراكز التجارية في بنيات الأمة الجديدة، وخضعت لإرادة الله. وقد عوضت بحثها عن غنائم الحروب الداخلية بتوجهها نحو الجهاد ضدّ أعداء الإسلام. وهكذا سقطت الإمبراطوريات البيزنطية والفارسية الغنية في أيدي العرب قبل أن تعي وعياً كاملاً بوجود الدين الجديد. وكما هو الشأن بالنسبة للميولات الجماعية الشرسة التي عدّل منها الإسلام وصرفها لخدمة الأمة الإسلامية، فإن الميولات الفردية أدمجت هي الأخرى في البنية الأسروية. ويعد مفهوم الأبوة والشرعية من الميكانيزمات التي ساهمت في هذا التغيير، بما أنه سمح لمصالح المؤمنين الفردية بالتعبير عن نفسها تعبيراً كاملاً. وتدلّ مؤسسة العدّة على أن هذا الهوس بسلب المرأة كل سلطة في تحديد الأبوة، لا يمكن أن يتحقق إلا بواسطتها، فهي تعني أن الديانة الإسلامية لا تمنح اعتباراً لمساهمة المرأة في تحديد الأبوة رغم أن ذلك يشكل شرطاً علنياً في قسم البيعة الذي تؤدّيه. وقد ورد ذلك في سورة البقرة الآية (228):

(وَلا يحلّ لَهُن أن يكتُمن ما خَلقَ اللهُ في أرحامِهنَ إن كُن يُؤمنَّ باللهِ واليومِ الآخر).

     ولهذا فإن الرجل ليس مسؤولاً على إشباع المرأة جنسياً وإرضاء حاجاتها المادية فحسب، ولكنه بصفته ساهراً على النظام الإسلامي يتحمّل أيضاً مهمّة حراسة النساء اللائي يعشن معه وإخضاعهن. وقد لاحظ "مونتكومري واط" بأن فكرة قوّة شرطوية لم تكن معروفة لدى العرب قبل الاسلام. لقد كان قانون الشرف المتصلب يفرض على كل فرد التحكم في مسلكياته، التي كانت توجه بكاملها لخدمة أهداف جماعية وتحترم قوانينها. وقد استمرّ هذا النهج مع الإسلام، إلا أن مهمة الرجل غدت أكبر بحيث أن الأمة أعطته قطاعاً خاصاً هو المجال البيتي الذي غدا سيده والمسؤول عنه: "والرجل راع على أهله وهو مسؤول..".

     كان وجود الدولة الأبوية القائمة على التوحيد كنظام اجتماعي إسلامي، رهيناً بمدى خضوع القبيلة وولائها للأمة. ولذا كانت الأسرة في إطار هذا النظام الخلية الرئيسية المؤهلة اكثر من القبيلة لضمان تنشئة المسلم الاجتماعية، كما أن هذه الأسرة التي تمارس رقابة شديدة على المرأة كانت ضرورية لفرض فكرة الأمة كمفهوم وممارسة.

     وقد ساهمت رؤية الرسول (ص) وتجاربه الشخصية وقناعاته وبنية المجتمع السابق الذي حاربه، كعوامل في تشكيل مؤسسات وخصائص المجتمع الإسلامي الجديد. ولذا فإن أسس البنية الاجتماعية الإسلامية: هيمنة الذكور _الخوف من الفتنة _ ضرورة ضمان الإشباع الجنسي للمؤمن _إخلاص المؤمن لربه قبل كل شيء _، قد تبلورت في مجموعة من القوانين النوعية التي تتحكم في ديناميكية الجنسين وتحدّدها في الدول الإسلامية.

     ما يجب أن لا يغيب عن أذهاننا في تحليل وضعية المرأة في الدول الإسلامية هو أن بداية التاريخ الإسلامي حاضرة أكثر من أي وقت مضى في بلورة استراتيجية المستقبل. والإيقاع الزمني في المجتمع الإسلامي المعاصر إيقاع خاص جدّاً حيث يبدو أن أربعة عشر قرناً مرّت دون مواجهات حادّة أو قطيعة كاملة، وحيث أن المستقبل يشكل استمراراً للماضي. وظهور المبادرة النسوية الناجم عن مظاهر اعتيادية في الاقتصاد المعاصر كالأجر الفردي، يبعث في الذاكرة الجماعية صراعات الجاهلية التي تظل راهنة دائماً وتمتدّ لتنطبق على المستقبل.

     والنساء اللائي يبحثن عن الشواهد والأجور في المجتمعات الإسلامية الحديثة، ويصرفن قدراً كبيراً من طاقاتهن في تطلعات فردية بالأساس، يبعثن في الذاكرة الرمزية أشباح نساء الأرستقراطية العربية الجاهلية اللائي لم يقبرن نهائياً. وفي الوقت الذي عارض فيه الإسلام الجاهلية بشدّة فإنه قد استرجعها وأدمجها كمكوّن بنيوي في النفسية الإسلامية، التي تنطلق من ردّ فعل عدائي غريب تجاه العصر الصناعي، عصر الأجور والتصويت الفردي لترى فيه جاهلية جديدة. وتشكل المرأة بمبادرتها وتقريرها لمصيرها، جزءاً مكوّنا رمزياً محملاً بالجاهلية القديمة والحديثة أي تلك التي تبدأ مع العصر الحديث.

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)