المواضیع المتعلقة
  • عدد المراجعات :
  • 1270
  • 9/30/2007
  • تاريخ :

منهج الإمام علي ( عليه السلام ) في المُطالبة بحقه

لإمام علي ( عليه السلام )

إن البعض ممّن لا يمتلك دقّة النظر ، و لا يحسن قراءة الأحداث و الشخصيات السياسية و الدينية ، ينظر إلى الأمور من نافذة ضيقة ، تقوده إلى الاعتقاد بأن شجاعة علي ( عليه السلام ) المشهودة لا تنسجم مع سكوته عن حقّه ، و قضية امتناع أمير المؤمنين ( عليه السلام ) عن اللجوء إلى السيف في حسم نزاعه مع القوم من المُسلَّمات التاريخية .

ولو كان هناك وصية و نص لما ترك حقّه ، و لما امتنع عن تجريد السلاح في وجوههم ، و هو لا تنقصه الشجاعة و القوة ، كما تشهد له الحروب التي خاضها مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) . و الحق أن هذا الأسلوب من التحليل التاريخي للحدث يدل على قصور في النظر ، و تقصير في التتبع و ملاحظة الأمور من جهة واحدة ، لأن هناك فرقاً شاسعاً بين الإنسان الذي يعيش من أجل المبدأ ، و بين الإنسان الذي لا يتحرك إلا في سبيل الدنيا ، و يستخدم كل وسيلة في سبيل الوصول إلى مُبتغاه . فأمير المؤمنين ( عليه السلام ) كان شجاعاً ، إلا أنه لم يستخدم شجاعته في سبيل المصالح الشخصية ، أو الأطماع الدنيوية ، بل كانت شجاعته في سبيل الله و على أعداء الله .

فبعض الناس يُعجبون ببطولات أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، لكنهم ينظرون إليها كما ينظرون إلى بطولات عَنتَرَة بن شَدَّاد و سَيف بن ذي يَزن ، و مثل هذا التفكير سَطحي جداً . و يفترض بنا أن نبحث عن تلك الشجاعة و البطولة كيف استُخدِمت ، و في سبيل ماذا ؟

فليس فخراً أن يكون الإنسان شجاعاً مقداماً في التعدي على الحقوق و إرهاب الآخرين ، فهذا هو الطغيان المذموم . لقد تميزت شجاعة علي ( عليه السلام ) و بطولته بأنها لم تستخدم أبداً لتحقيق غاية دنيوية و لا شخصية . بل كان الأمير ( عليه السلام ) يملك عنان شجاعته ، و يتحكم بزمام قدرته ، و يحركها باتجاه رضى الله و نُصرة دينه .

فيروى أنه ( عليه السلام ) لمَّا صرع عَمرو بن عَبد وِدٍّ يوم الخندق تباطأ في احتزاز رأسه ، و توقف قبل أن يضربه . فلما رجع سأله النبي ( صلى الله عليه وآله ) عن ذلك فقال : ( قَد كان شَتَم أُمي ، و تَفَل في وجهي ، فخشيت أن أضربَه لِحظِّ نفسي ، فتركتُه حتى سَكن ما بي ، ثم قتلتُه في الله ) . فقد كان أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أبرز مصداق للآية الشريفة : ( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَ الَّذِينَ مَعهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَينَهُمْ ) ، ( الفتح : 29 ) .

و قد وصفه تعالى في آية أخرى فقال : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَومٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةً عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةً عَلَى الكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَ لا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلٌ اللهِ يُؤتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَ اللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) ، ( المائدة : 54 ) .

فقد روى الثعلبي و غيره أنها نزلت في علي ( عليه السلام ) ، و إن لم تكن مختصَّة به فهو ( عليه السلام ) من أبرز المقصودين فيها . و قد أوضح ( عليه السلام ) فلسفة قعوده عن مناجزتهم في عِدَّة مواقف ، نذكر بعضاً منها :

- أولاً : قال ( عليه السلام ) بعد أن عزموا على بيعة عثمان : ( لَقد عَلِمتُم أني أحَقّ الناس بها من غيري ، وَ وَالله لأسَلِّمَنَّ ما سَلِمَت أمور المسلمين ، ولم يَكن فيها جَور إلا عَلَيَّ خاصَّة ) .

- ثانياً : قال ( عليه السلام ) في خطبته المعروفة بـ ( الشقْشَقِيَّة ) : ( لَولا حُضور الحاضر ، و قِيام الحُجَّة بوجود الناصر ، و ما أخذ اللهُ على العلماء إلا يقاروا على كَظَّة ظالم ، و لا سَغَب مظلوم ، لألقيتُ حبلها على غاربها ، وَ لَسقيتُ آخرها بكأس أولها ، و لألفيتُم دنياكم هَذه أزهد عِندي مِن عَفطَةِ عَنزٍ ) .

فالذي دعاه ( عليه السلام ) إلى العدول عن مناجزتهم و قتالهم أمور عدة :

- أولها : أنه ( عليه السلام ) لم يجد من المسلمين عدداً كافيا للقيام بالسيف ، و إن كان يمتلك من الشجاعة ما يجعله قادراً على الوقوف لوحده ، إلا أن للناصر في مثل هذا المقام موضوعية . فإن المسألة ليست مسألة انتقام ، و إنما هي إمارة يُراد بها سياسة الناس و تدبير أمورهم ، فإذا عدلت الأمة عن أميرها و لم تَقِف إلى جانبه ، ولم تنصره على عَدوه ، سقطت الحُجَّة عنه وكان عليه القعود و الاعتزال .

- ثانيها : انه ( عليه السلام ) نظر إلى مستقبل الإسلام ، و رأى أن المجتمع الإسلامي حديث عهد بالدين ، و أن الحرب الداخلية ستأتي على الإسلام من الجذور ، ولن تبقي للدين أثراً ، و لأجل هذا لجأ ( عليه السلام ) إلى المُسَالمة ، و تخلَّى عن حقه في الإمارة و الخلافة .

- ثالثها : إنّه ( عليه السلام ) ليس له رغبة شخصية في الإمارة ، و لا يحرص عليها ، و إذا طلبها فإنما يطلبها لغيرها ، فيطلبها ( عليه السلام ) لِيُقيم قواعد العدل ، و يكرس أحكام الدين ، و يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر ، و هذه هي مهمة الأنبياء و الأوصياء و أهدافهم .


كلامي صعب مستصعب

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)