• عدد المراجعات :
  • 2978
  • 4/25/2007
  • تاريخ :

بيولوجية المرارة

هناك سبب وراء كون عصير الجريب فروت (الليمون الهندي) يقدّم في أقداح صغيرة، وهو أن معظم الناس لا يريدون شرب سوى كمية قليلة منه في كل مرة؛ فالنارينجين Naringin، وهو مركب كيميائي طبيعي يوجد في الجريب فروت، طعمه مُرّ. يُحب بعض الناس تلك المرارة في جرعات صغيرة ويعتقدون أنها تحسّن النكهة العامة، لكن الآخرين يفضلون تفاديه بالمرة، ولذلك تقوم الشركات الصانعة للعصير في أغلب الأحيان باختيار ثمار الجريب فروت ذات المحتوى المنخفض من النارينجين، بالرغم من أن ذلك المركب له خصائص مضادة للأكسدة تجعل بعض اختصاصيي التغذية يؤكدون أنه يساعد في الوقاية من السرطان وتصلب الشرايين.

من الممكن، على أية حال، للحصول على المزايا الحسنة لعصير الجريب فروت دون الطعم المر؛ كما يتضح من اختبار أجرته Linguagen، وهي شركة للتقنية الحيوية بولاية نيوجيرسي. تمثل الإختبار في وضع كأسين صغيرين من الورق الأبيض، مكتوب عليهما 304 و305، أمام خمسة أشخاص أجلسوا حول طاولة للمؤتمرات. قام كل منهم بالشرب من أحد الكأسين ثم الآخر، مع قيام كل منهم بتنظيف حلقه ما بين عمليتي التذوق بالماء وقطعة صغيرة من البسكويت بطعم الصودا. حتى أصغر رشفة من الكأس رقم 304 كانت تحتوي على لذعة الجريب فروت المُرّة الواضحة. لكن الكأس 305 كان أكثر سلاسة؛ كان هناك الطعم الحامض للفواكه الحمضية، لكن دون مرارة النارينجين. كان هذا العصير قد عولج بالأدينوزين أحادي الفوسفات، أو AMP، وهو مركب يمنع المرارة في الأطعمة دون أن يفقدها قيمتها الغذائية.

تمثل الأبحاث في مجال التذوق عملاً مزدهراً في هذه الأيام، حيث يقوم العلماء بالتعمق في دراسة كل من أنواع التذوق الخمسة الأساسية: المر، والحلو، والحامض، والمالح، والأومامي umami – وهو الطعم اللذيذ للبروتينات -. والمرارة مهمة بشكل خاص لصناعة الأغذية بسبب قدرتها غير المستغلة في الطعام. هناك آلاف المركبات المّرّة الطعم في الطبيعة، وهي تدافع عن النباتات بإبعاد الحيوانات عنها، وتحمي الحيوانات بإخبارها عن متى قد تكون النباتات سامة؛ لكن لهذا النظام بعض الاستثناءات، فالجريب فروت والخضار الورقية مثل كرنب بروكسل واللفت مغذية بالرغم من – وأحياناً بسبب – مكوناتها المُرّة الطعم. وبمرور الوقت، تعلم كثير من الناس أن يحبوها، على الأقل في جرعات صغيرة.

يقول علماء الأعصاب إن البشر هم النوع الوحيد الذي يستمتع بالطعم المر؛ فجميع الأنواع الأخرى تكرهه لأنه يعني أخباراً سيِّئةً بالنسبة لها، لكننا تعلمنا الاستمتاع به. فنحن نحتسي القهوة، وهي مُرّة، والكينين "في المياه الغازية المعدنية" أيضاً. نحن نستمتع بامتلاك تلك التوابل في حياتنا، لأن المرارة قد تكون مُبهجة بكميات صغيرة لكنها منفرة عندما تكون حادة؛ وبالتالي فإن مضادات المرارة، مثل AMP، يمكن أن تجعل عدداً كبيراً من الأطعمة، والمشروبات، والأدوية ألذ طعماً، وبالتالي أكثر ربحاً.

تصطف حليمات الذوق في صورة حلقات مثل البصل، بحيث تترتب خلايا المستقبلات والخلايا المساندة على هيئة أعمدة متراكزة. تقوم المركبات مثل النارينجين، والذي يعطي الجريب فروت طعمها اللاذع، بتنبيه المستقبلات الكيميائية عبر كامل اللسان. وتقوم الزغيبات Microvilli الموجودة عند قمة براعم الذوق باحتباس جزيئات الذوق، ثم تستخدم البروتينات لإرسال إشارات عصبية إلى الأعصاب الذوقية عند قاعدتها.

يمتلك الناس قدرات متفاوتة على تذوق المرارة، ويبدو أن تلك الاختلافات وراثيةً؛ فنحو 75% من البشر حساسون للطعم المر لمركبات الفينيل ثيو كارباميد و6-ن-بروبيل ثيو يوراسيل، بينما لا يحس بطعمها 25% منّا.

يبدو أن الحساسين لطعم الفينيل ثيو كارباميد أقل احتمالاً من غيرهم لتناول الخضار الورقية، حسب الدراسات الجينية التي أجريت في جامعة يوتاه الأمريكية.

وهناك بعض الناس، المعروفين باسم الذواقة الفائقين Supertasters، يتميزون بحساسية خاصة لطعم 6-ن- بروبيل ثيو يوراسيل، لأنهم يمتلكون عدداً كبيراً للغاية من الحليمات الذوقية. يميل الذواقة الفائقون إلى تجنب جميع الأغذية المُرّة الطعم، بما فيها الخضار، والقهوة، والشوكولاته الداكنة. وربما كنتيجة لذلك، فهم يميلون للنحافة؛ وهم أيضاً أقل ولعاً بالمشروبات الكحولية، والتي تكون مرة بعض الشيء في أغلب الأحيان.

تحتوي كل من براعم التذوق، والشبيهة بشكل البصل، على 50 إلى 100 خلية متطاولة تمتد من قمة البرعم إلى قاعه؛ وتوجد عند القمة مجموعة صغيرة من المستقبلات التي تأتسر جزيئات الطعم، والمعروفة بمنبهات التذوق tastants، في الطعام والشراب. تعمل تلك المستقبلات بصورة تشبه كثيراً مستقبلات الرؤية والشم؛ فعند تلقي إشارة بوجود طعم مر، تنقل تلك عن طريق بروتين باسم البروتين (G)، والمكتنف في إدراك المرارة، والحلاوة، وطعم البروتين (الأومامي). وقد تمّ التعرف على البروتين (G) في أوائل التسعينيات من قبل مؤسس شركة Linguagen ، الدكتور روبرت مارجولسكي، في كلية طب ماونت سيناي بمدينة نيويورك. وهذا البروتين، المعروف أيضاً باسم جستدوسين Gustducin، يسبب شلالاً من التفاعلات الكيميائية التي تؤدي إلى تغيرات في تركيز الأيونات داخل الخلية. وفي النهاية، يؤدي ذلك إلى إطلاق إشارة عصبية إلى المخ الذي يسجل الطعم على أنه مُر.

وفي عام 2000، وجد الباحثون حوالي 30 نوعاً مختلفاً من الجينات التي تشفّر لمستقبلات الطعم المرة. وبالرغم من ذلك، فبغض النظر عن نوع منبه الذوق الداخل إلى الفم أو عن المستقبلة المتعلقة به، يظل الطعم المر واحداً بالنسبة لنا في جميع الأحوال، في حين يتمثل الاختلاف الوحيد في حدته والطرق التي يمكن أن تزيده أو تنقصه بها حاسة الشم؛ فخلايا الذوق تشبه مفتاحاً للإضاءة، فهي إما تعمل أو أنها مطفأة. وبمجرد أن تمكنوا من فهم ىلية التذوق، بدأ العلماء بالتفكير في طرق للتدخل فيه؛ فجربوا الأدينوزين AMP، وهو مركب عضوي يوجد في حليب الثدي، ومواد أخرى تتكون عندما تقوم الخلايا بتكسير الغذاء إلى مكوناته الأولية. ليس الأدينوزين AMP مُراً في حد ذاته؛ لكن عند إضافته إلى الأطعمة، وجد أنه يرتبط بمستقبلات الطعم المر. وبعفاليته الأصلية، قد لا يستطيع AMP تخفيف الشعور بجميع أنواع الطعم المر، لأنه ربما لا يرتبط بجميع مستقبلات الطعم المر الثلاثين. ولذلك قامت شركة Linguagen بتكثيف بحثها عن مثبطات أخرى للطعم المر، باستخدام تقنية تسمى التحري العالي السعة. يبدأ الباحثون بتحريض الخلايا في المزرعة الخلوية على تنشيط مستقبلات الطعم المر؛ ثم يتم تنقيط المواد قيد الاختبار في المستقبلات، ومن ثم يبحث العلماء عن أدلة على حدوث تفاعل.

يعتقد بعض الباحثين في مجال التذوق أنه، بمرور الوقت، ستساعد مركبات مثل AMP على جعل الأطعمة المصنعة أقل إضراراً بالصحة. فكِّر، على سبيل المثال، بأن قدحاً واحداً من حساء المكرونة بالدجاج يحتوي على 850 مجم من كلوريد الصوديوم، أو ملح المائدة، وهو أكثر من ثلث الحصة اليومية الموصى بها. يخفي الملح المرارة الناتجة بفعل درجات الحرارة العالية المستخدمة في عملية التعليب، والتي تسبب تفاعل السكريات مع الأحماض الأمينية. من الممكن استبدال جزء من ملح الطعام بملح آخر، هو كلوريد البوتاسيوم، الذي يميل إلى الندرة في النظم الغذائية لكثير من الناس. ولكلوريد البوتاسيوم طعم تلوي Aftertaste مُر، لكن بالإمكان إزالته بجرعة من AMP؛ وكذلك يمكن استخدام مثبطات الطعم المر بدلاً من إضافة نكهة الكرز أو العنب لأشربة السعال المخصصة للأطفال، كما يمكن أن يخفي مرارة الأدوية المضادة للهستامين، والمضادات الحيوية، وبعض الأدوية المستخدمة في علاج فيروس الإيدز، وغيرها من الأدوية.

بدأ عدد من الشركات الصانعة للأغذية بتجريب AMP في منتجاتها، كما أن تطوير مثبطات أخرى من قبل شركات منافسة مثل Senomyx التي يقع مقرها بمدينة لا خولا، في كاليفورنيا. وفي خلال بضع سنين، ربما، بعد أن تتمكن شركات الأغذية من إزالة المرارة من الحساء المعلب ووجبات العشاء الجاهزة، يمكنها أن تركز جهودها على أمور أكثر فائدة: مزيل للطعم المر يعبأ في زجاجة بحيث يمكن لأي منّا أن يرشه على طبق من كرنب بروكسل أو تقليبه في كأس من عصير الجريب فروت.

 

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)