• عدد المراجعات :
  • 22336
  • 4/10/2007
  • تاريخ :

الخوف المرضي.. تعريفه وأسبابه

أ) تعريفه:

لا نريد أن نتوسع كي لا ندخل في متاهات التفريق الأكاديمي بين القلق المرضي، وهو حالة شعورية من الضيق؛ والخوف المرضي، وهو حالة شعورية بالضيق مصحوبة بانعكاس عضوي على وظيفة أغلب أجهزة الجسم من تسارع في ضربات القلب، وضيق في التنفس، واضطراب في عمل جهاز الهضم والأعصاب والعضلات، وعملية إفراز الغدد وغيرها، فالخوف والقلق النفسي المرضي في جذورهما ومنشئهما واحد وهو الخوف من المجهول، وبدون أي سبب ظاهري منطقي معقول بالنسبة للمريض (وهذا ما يزعجه أشدّ الإزعاج) ولعل أبلغ وأوجز تحديد وتعريف حسي للراحة النفسية والخوف النفسي هو ما أشارت إليه الآية الكريمة التالية: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام ومَن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء) (الأنعام/ 125).

والقلق هو أكثر المظاهر شيوعاً وإزعاجاً ويشكل القاسم المشترك لكل الأمراض النفسية العصابية، وأغلب الأمراض العقلية الذهانية، واضطرابات الشخصية و70% من الأمراض العضوية يكون مصحوباً بالخوف أو القلق الظاهر أو المستتر.

ب) أسبابه:

هي في أكثر الحالات مجهولة بالنسبة للمريض، ومدفونة في أعماق نفسه، أي في اللاشعور، أي العقل الباطن. وعلماء النفس يُرجعون الأمراض النفسية العصابية واضطرابات الشخصية – والقلق والخوف من أهم مظاهرها – إلى تعارض وتصادم بين عقد النفس الدفينة اللاشعورية ومعطيات الواقع التي يواجهها المريض، وإذا لم نساعد المريض على تفهم عقده ومنحاولة حلها أو تسهيل حلها، فكل علاج للقلق والأمراض النفسية العصابية واضطرابات الشخصية السلوكية هي وقتي أو لا يجدي.

(وخُلِقَ الانسان ضعيفاً)

أثبت العلم أن دماغ الانسان وبقية أعضائه هي ضعيفة أمام متطلبات الهوى الموجودة في الدماغ الحيواني، وإن لم يُسيِّر الانسان الدماغ الحيواني مركز ومبعث الغرائز والشهوات والانفعالات وفق تعاليم الخالق، وهو أدرى بما يصلحه، بواسطة الدماغ المفكر الذي زُوِّد به، أصبح هلوعاً جزوعاً عجولاً منوعاً كصفات شعورية وسلوكية مرضية.

يكفينا مثل بسيط لتقريب الصورة من ذهن القارئ على هذا الضعف الموجود في خلقنا، فحقنة أو جرعة أو شمة من المخدرات، تعطي اللذة المؤقتة لمراكز اللذة الموجودة في دماغنا الحيواني، تكفي لأن يصبح الانسان عبداً أمام متطلبات جسمه التي تصاب بما نسميه "بعوارض الحاجة المادية عند المدمنين كالتعب والعرق والاصفرار والقلق والخمول والتقيؤ وغيرها..." وكذلك بالنسبة لبقية الشهوات والغرائز التي حدد لنا المولى كيفية عدم الاستسلام لها، فليفهم الانسان إرادة الله، وقد دله على مكامن ضعفه الكامنة في خلقه وبَيَّنَ له سبل الهداية والارشاد كي لا يهوي في سبل الضلالة والمرض: (يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم. والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً. يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الانسان ضعيفاً) (النساء/ 26 – 28). وهذه السبل الواقية من الضلالة هي في الصلاة، وللصلاة كوقاية شروط يجب الالتزام بها. وقد فصلت هذه الشروط في سورة المعارج: (إن الانسان خلق هلوعاً. إذا مسّه الشرّ جزوعاً. وإذا مسّه الخير منوعاً. إلا المصلين. الذين هم على صلاتهم دائمون. والذين في أموالهم حق معلوم. للسائل والمحروم. والذين يصدقون بيوم الدين. والذين هم من عذاب ربهم مشفقون. إن عذاب ربهم غير مأمون. والذين هم لفروجهم حافظون. إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين. فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون. والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون. والذين هم بشهاداتهم قائمون. والذين هم على صلاتهم يحافظون) (المعارج/ 19 – 34).

فليلتزم الانسان إذا أراد الشفاء من قلقه بهذه الوصفة الإلهية بعد أن يفهم شروطها وليتممها ويثابر على العمل بها، وسيجد نفسه بعد حين أنه من أسعد المخلوقات. وهذا هو واقع المؤمنين الحقيقيين، والذي خبرناه ووجدناه خلال ممارستنا للمعالجة النفسية!!

لذلك نحن نعتقد، من زاوية إيمانية، وبحكم التجربة الشخصية المهنية، ومن خلال إخفاق تجربة المدارس النفسية التي حاولت أن تعالج الهلع والخوف والذعر واضطرابات السلوك من زاوية بيولوجية أو تحليلية وضعية ودون الأخذ بتعاليم السماء، أن لا شفاء بصورة نهائية من الهلع والجزع والخوف والأنانية واضطرابات السلوك بصورة جذرية إذا لم يلتزم كل مريض عصابي بشيئين: وصفة طبية دنيوية موقوتة المفعول من أهل الاختصاص في الأمراض النفسية، ووصفة روحية إيمانية من خالقه هي الالتزام بتعاليم المولى وهي وصفة جذرية الشفاء مصداقاً لقوله تعالى: (فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) (البقرة/ 38).

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)