• عدد المراجعات :
  • 2238
  • 2/20/2007
  • تاريخ :

الخير والشر بين النسبي والمطلق

 شغلت ثنائية الخير والشر تفكير الإنسان منذ فجر الخليقة وحتى يومنا هذا، لما لها من سطوة على النفس البشرية من خلال تحديد سلوك الإنسان ودفعه نحو ساحة للصراع تكون داخل نفسه بين هذين القطبين.. وهو صراع أزلي لا ينتهي لأن الربح والخسارة تكون لأحد الطرفين مرات،ومرات أخرى للطرف الآخر..

أول واقعة للشر قصّها علينا القرآن الكريم هي عصيان إبليس لربه حين أمره بالسجود للمخلوق الذي كرّمه على جميع خلقه ولم يمتثل لهذا الأمر الإلهي ويسجد لحظة واحدة مع أنه قد سجد لله أربعة آلاف سنة في سجدة واحدة مستمرّة كما يُروى... وفاته أن السجود لهذا المخلوق هو سجود لروح الله التي نفخها فيه... وجسد إبليس في تلك الواقعة الشر المطلق للمرة الأولى غروراً وصلفاً وكبرياء..

ثم كانت الواقعة الثانية وهي إغواء إبليس لآدم وحواء بالأكل من الشجرة التي نهيا عن تذوق ثمرها.. وبعد أن أهبطهم الله إلى الأرض وكتب عليهم أنهم أعداء لبعضهم البعض حدثت تلك الواقعة الثالثة وهي قتل قابيل لأخيه هابيل في أول دم سفك على الأرض حسداً على ما تقبّله الله من قربانه... وهو الوجه نفسه الذي طالعناه لإبليس مع آدم.. واطّردت الشرور في حياة البشر، وكل الأنبياء الذين حملوا شرائع الله إلى الناس كانوا يحاولون جهد إمكانهم تهذيب هذه الشرور في النفس الإنسانية وتقويمها باتجاه الخير من خلال تلك البصائر لقيم الخير والشر التي جاءت بها شرائع الله ونواميسه.

حتى الفلاسفة قد صبوا جهودهم أيضاً في هذا المجال محاولة منهم خلق المدنية الفاضلة التي حلموا بها على هذه الأرض في محاورات أفلاطون نقرأ على لسان سقراط في حوار الدفاع بأن هناك غرضاً خلقياً واحداً من أجله ينبغي أن يحيا الناس أجمعون إذا ما عرفوا حقيقة طبيعته، فكل الناس ينشدون الخير وأما المال والشرف والمنزلة الرفيعة بين الناس وما إلى هذه الأشياء فليست تستحب إلاّ لأنها وسائل للخير.

قد نتفق مع سقراط وقد نختلف معه بشأن الغرض الذي ينبغي للناس أن يحيون لأجله، إلاّ أننا نتفق معه أن الناس ينشدون الخير في قرارة أنفسهم ولكنهم أمام الاختيار الذي يطرح المال أو الشرف أو المنزلة الرفيعة وما إلى ذلك تتحدد درجة الشعور الداخلي بالخير أو الشر ويجدون أنفسهم أمام تحد طاغ قلة ضئيلة جداً يملكون الإرادة الواعية التي تصمد أمامه ليكونوا خيرين بدرجات بعيدة إلاّ أنهم لا يستطيعون أن يكونوا خيراً محضاً ومطلقاً لأن مجرد هذا الصراع والتحدي يدل دلالة واضحة أن هناك في داخلهم هذا الشر أيضاً..

فقط الأنبياء والأوصياء والأئمة (عليهم الصلاة والسلام) وحدهم امتلكوا تلك الخيرية المطلقة لأن نفوسهم لا تنطوي إلاّ على كل خير مطلق - فلا مجال في ساحات تلك النفوس للصراع بين الخير والشر لأنه محسوم منذ البداية في صلب خلقهم وتكوينهم لصالح الخير والفضيلة حيث تنطوي تلك النفوس الطاهرة على الخير المطلق الذي أراده الله قدوة لإسعاد الإنسانية وكمالها..

والمتصفّح لما سطّره التاريخ، والناظر لما تنطوي عليه نفسه يرى شواهد كثيرة لهذين النقيضين المتلازمين وفي الأشخاص الذين تنطوي نفوسهم عليهما أو على أي واحد منهما.

كان الأنبياء حملة كل خير وفضيلة وابتعثهم الله لتربية النفوس البشرية على حب الخير وبغض الشر من خلال أوامر الشرع الشريف ونواهيه ومن خلال تلك الصلة المستمرة بين العبد وربه التي يقيمها طقوساً وشعائر...

وقد اختلفت مستويات التلقي والتفاعل من إنسان إلى آخر مع هذا الطرح فتجاوبت نفوس وأعرضت أخرى..

وتمثّل هذا التجاوب النفس الزكية التي تحب الخير وتأمر به وتمثّل هذا الأعراض النفس الرديئة التي تحب الشر وتأمر به كما عبّر سقراط أول فيلسوف للنفس الإنسانية.

نيمّم شطرنا الآن إلى مائدة الرحمن ونقرأ قوله تعالى:( وإذ قال ربُّك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفةً قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك قال إني أعلم ما لا تعلمون) .

نلاحظ في هذه الآية الكريمة إرادة الخالق وكيف أن الملائكة كانوا يتخوفون مما يمكن أن يفعله هذا المخلوق من فساد ودمار في هذه الأرض وهم الذين تعودوا على حمد الخالق وتقديسه إلاّ أن الله سبحانه وتعالى يرد مخاوفهم لأنهم لا يعلمون ما يعلمه هو العليم الخبير.

( وعلّم آدم الأسماء كلّها) هنا ردّ الله العملي على مخاوف ملائكته والحافّين بعرشه والمسبّحين باسمه والمقدسين لجلال ربوبيته.

فالعلم الذي أودعه الله سبحانه وتعالى هو الفيصل لعمارة هذه الأرض وخلافة الله فيها، وبدونه يكون هذا السفك للدماء وهذا الإفساد في الأرض.

وفي قوله تعالى

:( ونفس وما سوّاها، فألهمها فجورها وتقواها) تكون قراءتنا موصولة بالآية التي سبقت ( وعلّم آدم الأسماء كلّها) حيث تكون ونفس وما سواها: أيّ سوّاها بالعقل الذي فضل به سائر الحيوان وهو النبي الباطن الذي يلازم الإنسان..

( فألهمها فجورها وتقواها) أي عرّفها طريق الفجور والتقوى وزهّدها في الفجور ورغّبها في التقوى.. وقيل علّمها الطاعة والمعصية لتفعل الطاعة وتذر المعصية وتجتني الخير وتجتنب الشر..

وعن الصادق(ع) في قوله تعالى:(

فألهمها فجورها وتقواها) قال: بيّن لها ما تأتي وما تترك..

والفجور على ما ذكره الراغب في مفرداته شقّ ستر الديانة، فالنهي الإلهي عن فعل أو عن ترك حجاب مضروب دونه حائل بين الإنسان وبينه واقتراف المنهي عنه شق للستر وخرق للحجاب..

والتقوى على ما ذكره الراغب أيضاً جعل النفس في وقاية مما يخاف والمراد بها التجنب عن الفجور والتحرّز عن المنافي وقد فسرت في الأحاديث بأنها الورع عن محارم الله وهي خير العبادة..

هنا تتضح العلاقة بين

( وعلم آدم الأسماء كلّها) وبين ( فألهمها فجورها وتقواها) من خلال هذا العلم الإلهي المودع في النفس الإنسانية والذي عرّفه القرآن بفطرة الله التي تقارب الخير وتباعد الشر في كل نفس إنسانية سوية جعل الله لها نوراً تهتدي به وتسير على شعاعه..

ونأتي الآن نتعلم من رمز للخير المحض والمطلق، ونراقب بأعين مفتوحة على سعة السماء رمزاً للشر المحض والمطلق..

ونبدأ بكلمات الاعتذار التي خاطب بها د.أسعد علي الإمام الحسين(ع) الذي هو رمزنا في هذه السطور للخير المطلق ويرد فيها ذكر يزيد الذي هو الرمز للشر المطلق.. يقول:

يا سيدي عفوك.. فأنا أجاهد لأطرد جيوش يزيد من نفسي وبيتي، ثم أجيئك متطهّراً من اليزيدية المتفشية انحلالاً في أخلاق أمة جدك وكسلاً وإهمالاً وعبثاً بقيم الله والإنسان.. أحببت أن أجيئك مغتسلاً بالصدق الحسيني لكي لا أخجل منك عندما نلتقي..

في هذه الكلمات تحديد لصفات الخير والشر، فهي في الخير قد جمعت بكلمة واحدة ألا وهي الصدق الذي يعتبر عنواناً جامعاً وشاملاً لصفات الخير والفضيلة لأنه يحقّق هذا الانسجام الكامل والتام بين الإنسان ونفسه وبين الإنسان والآخرين وبين الإنسان وربه..

وصفات الشر قد حددها بالانحلال في الأخلاق الذي يقود الأفراد والجماعات إلى الانحطاط والسقوط، والكسل الذي يجيء نتيجة خمول العقل فيقف عند نقطة معينة لا يتجاوزها فيصبح الإنسان كالأنعام بل هو أضلّ سبيلاً، والإهمال الذي يعوّد الإنسان على عدم النظام والترتيب والدقة التي هي صفات الإنسانية السوية وصفات خلق الله سبحانه وتعالى ويخلق شعوراً بعدم الإحساس بالمسؤولية الملقاة على الإنسان في إعمار الأرض والانصراف إلى التوافه من الأمور والاهتمامات والانشغال بها عن الأهم..

والعبث بالقيم التي أنزلها الله على أنبيائه لرقي الإنسان وخيره وفلاحه والتي تقود بالمحصلة النهائية إلى كل صفات الرذيلة من إفساد في الأرض وسفك للدماء والظلم والطغيان ومصادرة واستلاب حقوق الآخرين..

فبقدر ما نكون صادقين مع أنفسنا ومع الآخرين ومع رب العباد نكون حسينيين وبقدر ما تكون نفوسنا منطوية على الكسل والإهمال والانحلال والعبث بقيم الله والإنسان نكون يزيديين.. وقد ارتبط الخير دائماً بالعقل والعلم الذي هو مفتاحه ويؤدي أعماله إلى العمل الصالح الذي فيه خير الجميع، وارتبط أيضاً بالحلم الذي هو إمساك للغضب بوجه الإساءة الموجهة نحونا.

سئل الإمام علي أمير المؤمنين(ع): عن الخير ما هو؟ قال: ليس الخير أن يكثر مالك وولدك ولكن الخير أن يكثر علمك وعملك ويعظم حلمك.

وقد استسهلّ الإنسان في المجتمعات المعاصرة فعل الشر واستصعب فعل الخير إلاّ قلة منهم لغياب الإيمان الواعي برسالة الإنسان في هذه الحياة الدنيا ومحاولة إلغاء الآخرة من التفكير مصداقاً لما قاله الإمام الباقر(ع): إن الخير ثقل على أهل الدنيا على قدر ثقله في موازينهم يوم القيامة، وإن الشر خفّ على أهل الدنيا على قدر خفته في موازينهم..

وأخيراً: ما رأيكم بدعوة للاغتسال بالصدق الحسيني عند ينبوع الطهارة المتفجر من عين الحياة؟

ترك المحرمات والشبهات لتطهير النفس

الدنيا مزرعة الآخرة

 

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)