• عدد المراجعات :
  • 1685
  • 8/13/2007
  • تاريخ :

شهر العسل والمرحلة "قبل النقدية"

قلب

بعد تعارف الشريكين وتقريرهما الزواج، تبدأ مرحلة جديدة من العلاقة إذ يحاول كل شريك تنظيم علاقة وثيقة ومميزة مع الآخر. كل شريك يشعر أن شيئاً جديداً سوف يحدث: نظرة جديدة نحو العالم ونحو الشريك ونحو ذاته.

أكثر ما يُميّز هذه المرحلة هو أن كل شريك يعمل على طرد ونفي كل عنصر عدواني تجاه الشريك الآخر كما أنه يتجاهل أخطاءه وعيوبه وهو بالتالي غير قادر على تصور أية رؤية متعارضة مع الرؤية المؤمثلة المكونة عن الآخر. تحصل (المثلنة) إلى حد إنكار الواقع وتغيير الوجه الحقيقي للشريك الآخر.

في إطار هذه العلاقة، يحس كل شريك أنه منصهر مع الآخر كأنه يشكل جزءاً من ذاته. هذا الانصهار يُمثل درجة متقدمة من زوال حدود الأنا والحدود بين الأنا والآخر، هذه الحدود المشتركة للشريكين تفصلهما عن بقية العالم وتجعلهما يشعران أنهما لوحدهما في هذا العالم.

هذا الانصهار أو الاتحاد الوثيق يساهم في تنظيم وتوطيد العلاقة المستقبلية للشريكين، لكن الخطورة في هذا الانصار (تكمن أحياناً في ضياع الأنا الفردية ضمن اطار التواطؤ النرجسي، إذ يسعى الشريكان إلى تحديد الحدود المشتركة في ما بينهما خشية أن يفقد كل شريك أناه الفردية). يجني الشريكان في هذه المرحلة فوائد كثيرة على مستوى (التوكيد النرجسي) الفردي وعلى مستوى (الإشباع الليبيدي).

ويطرأ في هذه المرحلة تغييرات خارجية تفرض نفسها من جديد كالواجبات الاجتماعية والمتطلبات الاقتصادية وغيرها. وهنا يصبح الشريكان مضطرين للتركيز على مواضيع أخرى غير أنفسهما.

وهكذا تبدأ مرحلة طويلة نوعاً ما إذ تظهر (ردات فعل) يمكن أن نسميها (قبل نقدية)، (ردات الفعل) هذه يمكن أن يكون لها نتائج خطرة على صعيد العلاقة الزوجية وذلك بمقدار ما تحول دون التحضير لتنظيم روابط جديدة، فالتعلق بالماضي وذكرياته المذهلة يمكن أن يعيق تكيف الشريكين مع المراحل الجديدة لوجوده. الظاهرة البارزة في هذه المرحلة هي أن الشريكين يحاولان ـ بشكل لا شعوري ـ تنظيم سيرورات دفاعية مهمة كي يتجنبا الصدع الذي يهدد علاقتهما: فيحاول كل شريك أن يبعد عن حقل وعيه كل رؤية مسيئة يمكن أن تؤثر على طبيعة العلاقة المؤمثلة.

يحدث في هذه المرحلة أيضاً، أن يعمل كل شريك على إنكار الصدع وخيبة الأ/ل وتجاهلهما وذلك بالتواطؤ مع شريكه الآخر. فبعض الأشخاص يعملون للمحافظة على الطابع الانصهاري لعلاقاتهم وذلك بدمج الآخر مع ذاتهم والغاء الحدود بين بعضهما بعضاً مع احتمال رفض أي وجود خاص أو مستقل للشريك واستبعاد أي آخر. هذه العملية لا يمكن أن تتحقق إلا بمقدار ما تتطابق مع تواطؤ الشريكين في ما بينهما.

يحدث أحياناً أن تبرز سيرورات الإتنشطار بأشكال أكثر تنظيماً ويطلق عليها، في هذه الحال، (التقسيم الثنائي). يسمح هذا (التقسيم الثنائي) ـ عبرا لسيرورات الإسقاطية ـ بفصل مظهرين عند الشريك: مظهر ملائم وسار ومطمئن ويسند إلى الشريك نفسه، ومظهر آخر مُخيّب وناقص وعدواني ويُسند إلى الأشخاص الذينك ان يخضع لهم هذا الشريك ـ عائلته وعمله وأصله وأصدقائه ـ . وهكذا فإن (المثلنة) لا تقوم إلا على قسم أو مظهر جيد مسنود إلى الشريك، أما القسم السيئ فيسند إلى الأشخاص الآخرين.

في موضع آخر، نلاحظ أن المظهر الوهمي والثنائي للعلاقة يتخذ أشكالاً مختلفة: يحدث، في هذه الحال، تكوين نوع من الأمانة الحقيقية لا للشخص المحبوب بحد ذاته، وإنما (لصورة مدموجة) ومؤمثلة من تلقاء نفسها، الموضوع المدموج هنا ليس سوى (تمثل) يحدث نتيجة سيرورة عامة. وغالباً ما نلاحظ ـ عند بعض الأشخاص ـ أن هذا التمثل يختلط مع الواقع الخارجي مؤدياً بالتالي إلى تجاهل حقيقي للآخر. وهكذا تقوم علاقة من (التملك المطلق) بالنسبة للصورة المدموجة والملائمة مع العالم الاستيهامي الداخلي. الشيء المهم بالنسبة للأشخاص الضعفاء ـ الذين يعانون من عدم الأمان والاكتئاب ـ هو التملك الأكيد والنهائي لهذه الصورة المدموجة مع احتمال استبعاد الشخص الذي كان في مرحلة معينة ركيزة أو دعامة هذه الصورة والذي أصبح حالياً، يُنظر إليه بذاته كخائن لهذه الصورة. نلاحظ، في هذا السياق، أن الشخص الضعيف يمكن أن يُعرِّض نفسه لخطر الموت إذا شعر أن شريكه يحرمه من العطف المتوقع منه أو أصبح خائناً للصورة التي كونها عنه.

• د. عبدالحليم سمعان

 

 

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)