• عدد المراجعات :
  • 771
  • 8/19/2006
  • تاريخ :

الهزيمة الأخلاقية لإسرائيل

خالد السرجاني

نشب سجال وجدل في كافة الدول المعنية بالصراع العربي الإسرائيلي حول من المنتصر ومن المهزوم في المواجهة بين إسرائيل وجيشها النظامي الذي يعد الرابع في العالم وفقا لتصنيفات والسادس في تصنيفات أخرى من حيث القوة، من جهة، والمقاومة اللبنانية الباسلة من جهة ثانية، ففي إسرائيل ذاتها نطالع تحليلات تقول إن جيش دولتهم هزم هزيمة ساحقة،

وفي الوقت الذي أعلن فيه الرئيس الأميركي جورج بوش أن حزب الله قد هزم، كنا نطالع مئات التحليلات في وسائل الإعلام الأميركية التي تقول عكس ذلك تماما. أما في الوطن العربي وفي كافة بلدانه نجد الآن معسكرين الأكبر يقول إن المقاومة اللبنانية حققت انتصارا ساحقا ماحقا أعاد للعرب بعضا مما فقدوه من ماء الوجه،

وفى نفس الوقت أعطى لهم ثقة بأنفسهم يستطيعون وفقا لها أن يعيدوا تقييم أوضاعهم وسياساتهم المتعلقة بالصراع العربي الإسرائيلي، أما المعسكر الأصغر والهامشي فيردد نفس المقولات الأميركية والإسرائيلية حول تحقيق النصر على حزب الله.

وبالطبع فإن كلا المعسكرين لديه أسانيده سواء أكانت قوية أم واهية فلا احد يستطيع أن ينكر أن حزب الله حقق في العمليات العسكرية خاصة البرية انتصارات ملحوظة لا يمكن إنكارها، ولكن في نفس الوقت لا يمكن أن ننكر أيضا أن قرار مجلس الأمن رقم 1701 يعد انتصارا دبلوماسيا لإسرائيل قلل إلى حد كبير من تداعيات هزيمتها العسكرية.

وفى نفس الوقت لا نستطيع أن ننكر أن القصف الجوي والمدفعي الإسرائيلي الذي دمر البنية الأساسية اللبنانية وأدى إلى تهجير آلاف الأسر يعد انتقاصا من القدرة اللبنانية يتطلب تعويضها فترة طويلة من الوقت وأيضا تمويلا ضخما،

ولكن في مقابل ذلك فإن حزب الله لأول مرة ينقل المعارك إلى العمق الإسرائيلي بما تسبب في عمليات تهجير ودمار في بعض المدن الشمالية وسبب خسائر كبيرة للاقتصاد الإسرائيلي وعلى الأخص قطاع السياحة. ولكن ما لا يمكن لأحد كان أن ينكره أن إسرائيل هزمت أخلاقياً في هذه الحرب وهذه الهزيمة الأخلاقية سوف تكون لها تداعيات مستقبلية كبيرة على الصراع العربي الإسرائيلي.

فالمتتبع مثلا لتطورات انهيار نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا يدرك انه سقط أخلاقياً قبل سقوطه السياسي. وهذا السقوط الأخلاقي الذي تم التعبير عنه في موقف المجتمع المدني الدولي قبل موقف الحكومات كان هو الذي أزال شرعية هذا النظام وأدى إلى انهياره، وبالتالي فإن مواقف المجتمع المدني الدولي التي أكدت الهزيمة الأخلاقية لإسرائيل،

وهي مواقف تشكل تراكما كميا تحقق خلال السنوات العشر الماضية من مواقف نفس المجتمع بعد مذابح قانا وما حدث في مؤتمر «ديربن» من قبل عندما عزلت إسرائيل داخل اكبر تجمعات المجتمع المدني العالمي ما يؤكد أن مقدمات شبيهة بما حدث في جنوب إفريقيا هي في طور التشكيل.

والذي يؤكد الهزيمة الأخلاقية لإسرائيل في هذه الحرب عدة مؤشرات في مقدمتها أن معظم عواصم العالم المتحضر والمدن الرئيسة فيه شهدت تظاهرات حاشدة تدين العدوان الإسرائيلي واستهداف العمليات العسكرية الإسرائيلية للمدنيين، خاصة بعد مذابح قانا الثانية.

فإضافة إلى هذه التظاهرات الحاشدة عبرت أكثر من منظمة دولية غير حكومية ذات مصداقية كبيرة ووزن معنوي مشهود عن مواقفها المناهضة للسياسة الإسرائيلية وعن إدانتها قصف إسرائيل للمدنيين وعن العديد من الانتهاكات التي كانت تمارسها ضد حقوق الإنسان.

وعلى رأس هذه المنظمات: «صحافيون بلا حدود»، و «منظمة العفو الدولية» و «مراقبة حقوق الإنسان (هيومان رايتس واتش )». وبالطبع لم تنظم أية تظاهرة تدين حزب الله أو أداءه أثناء العمليات العسكرية ولم نسمع عن أن هناك تقريرا صدر لإدانة حزب الله من المنظمات غير الحكومية ذات الوزن المعنوي الكبير.

وهذه المنظمات أصواتها مسموعة لدى الرأي العام في الدول الغربية وبعضها اصدر تقارير أولية، وبصدد إصدار تقارير موسعة حول الانتهاكات الإسرائيلية، ولهذا الأمر دلالاته الكبيرة بالنظر إلى أن واحدة من أسانيد الدعاية الإسرائيلية في الدول الغربية تقوم على أنها دولة ضعيفة تنتمي للعالم الغربي، وأنها مسالمة وسط دول تسعى إلى القضاء عليها وأنها تمثل التسامح في مواجهة التعصب والتعددية في مواجهة الاستبداد.

وكانت إسرائيل تعتمد في سياستها على نسج علاقات جيدة مع القطاع غير الحكومي مثل هذه المنظمات التي اشرنا إليها، وبالتالي فإن مواقف هذه المنظمات ينزع عن إسرائيل أهم الأقنعة التي كانت تتدثر بها، وتقدم من خلالها صورة مخالفة لحقيقتها القمعية الفاشية.

ولا يمكن لأحد أن ينكر أن أعلام حزب الله التي ارتفعت في بعض العواصم الأوروبية ورفعها مواطنون أوروبيون وليسوا عربا، تقدم رسالة واضحة لا لبس فيها لإسرائيل حول انهيار نموذجها الإعلامي والدعائي الذي ظلت تطبقه وتستند إليه منذ تأسيسها وحتى الآن. ويرجع ذلك إلى أنها تماهت بصورة واضحة مع قوى الاستكبار العالمي

وبالتالي فإن القوى الرافضة للهيمنة في العالم الغربي ومنظمات مناهضة العولمة اتخذت مواقف واضحة ضد ممارسات إسرائيل ومع حزب الله والمقاومة اللبنانية على أساس أن الحرب في مواجهته كانت مقدمة لعملية كبرى من اجل فرض المزيد من الهيمنة الأميركية على العالم. وبالتالي فإن إسرائيل فقدت قاعدة كانت تستند إليها في الماضي وهذا هو ما يؤكد أنها انهزمت أخلاقيا في هذه الحرب.

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)