• عدد المراجعات :
  • 2922
  • 7/12/2006
  • تاريخ :

نظرة في الشعر الايراني الحديث

ان آفاق الشعر الفارسي في القرن العشرين قضية اكبر بكثير من ان تختصر في مقال كهذا، الا اننا في هذه العجالة نشير الى انه رغم ان بدايات القرن الشعرين لم تكن تشهد تحولاً وتطوراً حقيقياً في دائرة الشعر الفارسي، الا انه كان ثمة رياح جديدة تهب على الفكر والثقافة الايرانية وتنبئ بتحولات جديدة، وعلة تلك التحولات حضور اشخاص من امثال طالب اوف، مراغه اى، ميرزا ملكم خان و.. وعلى رأس هؤلاء اخوند زادة، حيث عمل هؤلاء على جلب افكار التجديد الى ايران. ورغم ان هؤلاء لم يكونوا شعراء باستثناء ميرزا آقا كرماني لكنهم كانوا ينشدون احداث تغييرات اجتماعية وسياسية في قلب المجتمع الايراني وقد سخّر ميرزا آقاكرماني كل امكاناته الشعرية في هذا المجال، لذا ففي هذه المرحلة نال النثر حظاً اوفر، وفي آثار تلك المرحلة بتنا نشهد حركة ضد الشعر الفارسي الكلاسيكي. من ذلك تلك الحملات التي راح يشنها هؤلاء الافراد في كتاباتهم على الحكيم سعدي الشيرازي الذي يمثل رمزاً للشعر الكلاسيكي الفارسي. والواقع ان تلك الانتقادات لم تكن تقصد النيل من شخص سعدي بالذات وانما كان هدفها تلك الثقافة التقليدية وذلك المنهج الفكري الذي كان ينعكس في اشعار سعدي.
۱- على كل حال فهذه الجهود قد تكرست في ثورة سكان المدن الايرانية اي في حركة الدستور او « المشروطة» سنة ۱۹۰۶/۱۳۲۴ه۲- لكن قبل عدة اشهر من حدوث هذه الحركة سعى بعض الشخصيات من امثال نسيم شمال، واديب الممالك فراهاني، وعارف قزويني الى تخطي الاسلوب الشعري التقليدي؛ فقد حاول هؤلاء على الباس الشعر الفارسي حلة اخرى، وراحوا يعترضون على القيم والسنن التي تحول دون تجاوز الشعراء لاساليب الشعر الفارسي واغراضه التقليدية.
وهذه الاطر قد تبلورت على الاخص خلال مرحلة الحكومة القاجارية البالغة ۱۵ عاماً والتي واكبها حالة من الارتداد الادبي نحو سبك القرن الثامن الهجري.
ان حركة الدستور قد اوجدت تحولاً كبيراً في الشعر وانعكس ذلك جلياً في آثار اهم اعلام تلك الحركة وهم نسيم شمال وملك الشعراء بهار وبعد مدة وجيزة من هذه الحركة في اثار لاهوتي وميرزادة عشقي الامر الذي اوجد تغيرات كثيرة غير مسبوقة في مفاهيم الشعر الفارسي. ويمكن تلخيص التغييرات التي طرأت على الشعر الفارسي في محورين من المواضيع.
الاول هو الفهم الجديد للوطن الذي ورد ايران نتيجة التحول السياسي والاجتماعي الذي حدث في الغرب في القرن التاسع عشر.
والثاني: الحرية
فهاتين المقولتين اكثر مما اثارتا شعراء مرحلة الدستور منذ سنة ۱۹۰۶ وحتى ۱۹۲۵ يعني منذ ان استبدل رضاخان ميربنج برضاشاهي بهلوي. اذاً فهذه المرحلة من الشعر الفارسي كانت قائمة على نوع من التحول في المضامين.
اما من الناحية اللغوية او الاسلوبية فان شعراء هذه المرحلة قد خاضوا تجارب جديدة فمثلاً سعى نسيم شمال وميرزادة عشقي اللذان كانا يتمتعان بلغة اكثر بساطة من شعراء المراحل السابقة الى تجاوز تقاليد اللغة القديمة وان يخطوا خطوة تجاه الامام، لكن الواقع ان قضية اللغة لم تكن شغلهما الشاغل، والسبب ان شعراء مرحلة الدستور كانوا يحيون مرحلة تموج بالحوادث والقضايا المهمة، لذا فلم يكن لديهم الفرصة للانشغال بالشكل والتلاعب باللغة.
۳- ان مرحلة حكومة رضاشاهي كانت مرحلة نظم في ايران اي انها كانت تلبي بعض آمال التنويريين في حركة الدستور، لكن رضاشاهي لم يكن قادراً على ان يكون ممثلاً للديمقراطية في المجتمع، وضاق ذرعاً بتطلعات المفكرين والشعراء الايرانيين الى الحرية الامر الذي ادى لغياب شعراء سبق ذكرهم وانقطع ذكر شعراء حركة الدستور خلال مدة ۱۶ عاماً من مرحلة حكم رضاشاهي وذلك بسبب الغاء احدى اعمدة تطلعاتهم اي الحرية وهي قضية لم تكن مقبولة لديهم.
ولكن شعراء مرحلة رضاشاهي لم يكن لديهم التصور الصحيح عن التغيرات في المضامين وكانوا يسعون من خلال ذلك القالب المعرفي الى التجديد في نظراتهم، وعلى خلاف الآراء الشائعة فقد كانوا شعراء موفقين. وان لم يكونوا جميعاً فعلى الاقل بروين اعتصامي وشهريار. من جهة اخرى كان هناك عدد من الشعراء المهمين مثل رهي معيري وحميدي شيرازي الذين بدأوا مرحلتهم الشعرية منذ ۱۹۳۵ وطبعوا اشعارهم في سنة ۱۹۴۶ الموافقة لزمان رضاشاهي.
لكن رغم ذلك، وكماسبق الذكر، فان تعاملهم مع الشعر كان محدوداً، فمثلاً اذا كان شهريار في بعض القضايا يأخذ نيما بعين الاعتبار او ان حميدي شيرازي كان يتعرض لمقولة الوطن في بعض اشعاره الا ان هذا وحده لا يمكن ان يثبت شيئاً.
لكن في سنة ۱۹۱۱ حدث تحول آخر ينبئ عن ميلاد مرحلة جديدة، مرحلة تختلف تماماً عن مرحلة الدستور رغم مساعي التقليديين الدائمة بربط انفسهم مع مرحلة الدستور، لكن الواقع ان شخصيات كعارف قزويني وميرزادة عشقي وفرخي يزدي وملك الشعراء بهار لم يكن لديها روابط حقيقية مع هؤلاء التقليديين.
وقد انصب تراث هؤلاء الشعراء وتكامل فيما بعد في قالب الشعر «النيمائي»* الامر الذي يدفعنا للقول ان «نيما» كان استمراراً لمرحلة الدستور. لكن بسبب الفجوة التي حدثت في مرحلة رضاشاهي فان شعر نيما يعتبر نتاجاً لتلك المرحلة اي مرحلة الدستور.
على كل حال فبعد عام ۱۹۱۱ يكون الشعر الفارسي قد اجتاز مرحلتين: التغير الظاهري في المحتوى، والتصادم المباشر مع الشعر الكلاسيكي والتحولات اللغوية في شعر نيما وتلامذته.
اجل، فهكذا يكون قد بدأ فصل جديد في الشعر الفارسي، واما الذين كانوا يرفضون حركة نيما الشعرية. رغم قلتهم - فقد باتوا يعترفون اليوم ان نيما قد اوجد تحولاً عميقاً في الشعر الفارسي.
لكن هناك حادث آخر خلال المرحلة «۱۳۱۱-۱۹۸۱» وهو ان تناول الموضوعات السياسية والاجتماعية في الشعر الفارسي قد شاع واتسع حتى احتل قسماً اساسياً من الشعر الفارسي وهذا قد ترك آثاراً كبيرة على الشعراء وجعل الشعر الفارسي خلال خمسة او ستة عقود يتواءم والمعاني السياسية الاجتماعية، ولعل آثار هذا الشكل من التلقي مازال قائماً وسط الشعراء ومحبي الشعر الفارسي في ايران. وعلة ظهور هذه الرؤية هو ذلك التيار العظيم المسمى بالرؤية المثالية الذي اجتاح العقد السابع الماضي وسخّر الشعر الفارسي تحت لوائه وادى الى ظهور اعظم اشعار التاريخ المعاصر، ولعل هذه السمة هي التي ميّزت اشعار هذه العقود الخمسة عن شعر القرون السابقة.
على كل حال فما فعله نيما وتلاميذه في الميدان الشعري ادى الى دفع الشعر التقليدي او الكلاسيكي الى الهامش، وبعد شهريار وبروين اعتصامي لم يتمكن شعراء من امثال رهي معيري وحميدي شيرازي من ان يكونوا بدلاء وممثلين اقوياء لسبك الشعر الكلاسيكي او التقليدي. والواضع ان الشعر التقليدي في عصر نيما لم يكن يتمتع بالقدرات والامكانات الكافية للوقوف في وجه هذه الحركة الجديدة، ولعل هذا التيار الذي اجتاح الشعر التقليدي قد امتد الى الجيل الثاني والثالث من الشعراء النيمائيين «الحداثيين» بعد عصر نيما فالاشخاص الذين ساروا على نهج نيما قد حاول كل منهم تناول زاوية من شعر نيما ومن ثم سعوا للخروج عن السنن التي خطها واعتماد تقاليد جيدة. حتى اولئك الذين كانوا قريبين فكرياً من نيما من امثال نادربور ومشيري، سعوا لخلق مفاهيم جديدة وتجاوز التقاليد السابقة.
۶- على كل حال فقد تعرض افكار نيما خلال الاجيال الشعرية اللاحقة للتحليل، بسبب شيوع الفكر الانطباعي والتنويري التجريدي فهاجموه، وبتنا نشهد ظهور نوع آخر من الشعر لدى الكثيرين هو اقرب ما يكون الى النثر وسمي بالشعر «الابيض»، الامر الذي اضعف خط نيما الشعري حتى كان آخر ممثلين له في العقد الثامن من القرن الماضي لتبدأ مرحلة جديدة من مراحل الشعر الفارسي المعاصر.
* منسوب للشاعر الايراني المعاصر نيما يوشيج والذي يدعى ابو الشعر الايراني الحديث.
كاميار عبدي
ترجمة مصطفى البكور

المصدر: جريدة الوفاق

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)