• عدد المراجعات :
  • 2310
  • 7/4/2006
  • تاريخ :

المثل الثالث عشر: شرح الصدر

القرآن الکريم

يقول الله تعالى في المثل الثالث عشر من أمثال القرآن في الآية 125 من سورة الأنعام: ( فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أنْ يَهْديَهُ يَشْرَحُ صَدْرَهُ لِلأسْلاَمِ وَمَنْ يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجَاً كَأنّمَا يَصَّعَّدُ فِي السِّمَاء كَذَلك يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الّذِين لاَ يُؤمِنُونَ ) .

 تصوير البحث

إنَّ الآية الشريفة في صدد بيان الأرضيات الروحية للناس لقبول الحق. والمستفاد من هذه الآية، أنَّ الناس يختلفون من هذه الحيثية، فبعض من الناس بمجرد أن يواجه الإسلام يتلقاه ويحتضنه; وذلك لطهارة روحه و نورانية قلبه، ولأجل ذلك يشرح الله صدوره. وفي قبال هذا البعض، هناك البعض الذي لا يتأثر بالقرآن حتى لو قرأته كله عليه; وذلك لأنه يفقد الأرضية اللازمة لقبول الحق، فيجعل الله صدر هذا ضيّقاً ومظلماً.

الشرح والتفسير

- ( فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَح صَدْرَهُ للأِسْلاَمِ ) والعبارة الاخرى لشرح الصدر هي توسيعه بحيث يجعله مؤهلا وقابلا لاستقطاب الحق والحقيقية.

- ( وَمَنْ يُرِدْ أنْ يُضِلّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقاً حَرَجاً ) والعبارة الاخرى لضيق الصدر هي سلب القدرة والطاقة عن القلب بحيث يختل توازنه الفكري لأصغر مشكلة وأتفهها.

- ( كَأنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ... ) أي أنَّ ضيق الصدر يصل إلى مستوى وكأنه يحلق إلى السماء بدون وسيلة، كما أنّ تحليقاً من هذا النوع محال بالنسبة إلى الإنسان، كذلك تحّمل الضيق والظلمة بالنسبة لهؤلاء، فهم لا يطيقون ذلك. إنَّ الله يجعل هكذا ظلمة وكفر في قلوب غير المؤمنين.

خطابات الآية

1- الهداية والضلالة بيد الله

إنّ المفهوم الذي يتطابق مع ظاهر الآية هو أنَّ الهداية والضلالة بيد الله، وهذا لا يعني إلاّ الجبر. ففي هذه الحالة يُعدُّ الإسلام والكفر أمرين غير اختياريين، لكن قبول هذا - حسب عقيدتنا - يتنافى مع عدالة الله.

ومن هنا كان علينا أن نقدم مقدمة نوضح فيها الأمر:

من الفرق الإسلامية - التي لا تنهل من المنبع الزلال للولاية والامامة - فرقة تقول بالجبر وتعتقد أنَّ الإنسان مسلوب الإختيار. إنَّ الإعتقاد بهذا المذهب - المخالف لمذهب الشيعة - يتساوى مع انكار اصول الدين الخمسة.

إنّ أول أصل يغض النظر عنه هذا المذهب هو أصل العدل الإلهي، فإنَّ الإنسان اذا كان مُجبراً على أعماله فعذاب الكافر وثواب المؤمن ليسا من العدالة; لأنّه لا الكافر اختار الكفر، ولا المؤمن اختار الايمان. ولهذا لم يقل بعدل الله من قال بالجبر.

إنَّ التوحيد هو الأصل الثاني الذي ينفى بالاعتقاد بالجبر; وذلك لأنَّ الله إذا لم يكن عادلا فهو ليس أهلا لادارة وتدبير هذا العالم الواسع الذي يُدار على أساس النظم والحكمة.

من هنا كان إرسال الرُسُل وبعثة الأنبياء خالياً من أي معنى وتبرير; فإنَّ الانبياء لا قدرة لهم على هداية الكفار وذلك لأنَّهم مسلوبو الإختيار، كما أنّه لا تأثير للأنبياء على إيمان المؤمنين، فإنَّ الجَبْر يحول دون انحرافهم، وبعبارة أُخرى: أنّ الأوّل محال، والثاني تحصيل حاصل، وكلاهما غير ممكنين من وجهة نظر فلسفية.

الإمامة - التي هي استمرار للنبوة - تبطل للسبب السابق. وآخر أصل يبطل بالجبر هو

أصل المعاد; فإنَّ المعاد يبتني على الاختيار. وعليه، إذا كان الناس جميعهم مجبورين ومسلوبي الاختيار فإنَّ الجزاء والجنة وجهنم والقيامة والمعاد كلها تكون مفاهيم دون معان.

وفي النهاية، لا يمكننا أنْ نكون مسلمين بالاعتقاد بالجبر، كما لا يمكننا على أساسه قبول أصول الدين(1) ولهذا على الشيعة أن تشكر الله على أنَّه لم يوقعها - ببركة الائمة المعصومين(عليهم السلام) - في وادي الجبر المظلم، كما لم يتركها تتسيب في صحراء التفويض المظلمة، بل سلك الله بالشيعة طريقاً بين المذهبين المنحرفين، وهو طريق الحق المستقيم والواضح.

إنَّ ما تدل عليه الآية هو: أنَّ الخطوة الأولى للهداية والضلالة يخطوها الإنسان نفسه، فاذا كانت هذه الخطوة باتجاه الهداية، فإنَّه سيكون مشمولا للهداية الربانية، وإذا كانت هذه الخطوة باتجاه الضلالة فإنَّه سيكون مشمولا للضلالة الربانية. سلمان الفارسي - مثلاًَ - تحرك من إيران وخطى باتجاه منبع الهدى، وتحمّل في هذا السبيل المشاكل إلى مستوى أنّه أُخذ رقاً، لكن باعتبار أنّ خطاه الأولى كانت باتجاه الهداية، شملته هداية الله وشرح الله صدره ونال ما نال من جرّاء ذلك.

أما أبو جهل وأبو لهب فرغم أنَّهما كانا بجنب منبع الهدى، إلاَّ أنَّ خطاهما الأولى كانت باتجاه العناد والعداوة، أي اختارا طريق الضلالة تبعاً للشيطان وأغلقا أعينهما وأسماعهما للحيلولة دون رؤية أو سماع الحق ونداءه، لذا شملتهما ضلالة الله وضيّق الله صدورهما وأظلمها.

وعلى هذا، فإنَّ الهداية والضلالة نتيجة لخطى الإنسان الأولى، والآية الشريفة كغيرها من الآيات لا تتنافى مع اختيار الانسان.(2)

2- الاعجاز العلمي للقرآن في آية المثل

رغم أنَّ المُفسرين يعتبرون جملة ( كَأنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ ) كناية عن الأمر المحال وغير الممكن، إلاّ أنَّه باعتبار التقدّم الملحوظ في العلوم البشرية وامكانية الوصول إلى الفضاء، يمكن ذكر تفسير آخر لهذه الجملة يكشف عن إعجاز علمي للقرآن المجيد.(3)

يحيط الكرة الأرضية وإلى ارتفاع 30 كيلومتراً مقدار من غاز الاوكسجين، والذين يفيدون من هذا الاوكسجين من الموجودات الحية يفيدون من المقدار الموجود إلى ارتفاع كيلومترات محدودة، اما الموجود في الفضاء المرتفع فالإفادة منه صعب للغاية، بحيث بالنسبة للإنسان كلّما ارتفع عن سطح الأرض كلّما صعب عليه التنفّس وضاق.

ولأجل ذلك قد يبتلي متسلقو الجبال بمشاكل عسر التنفس إذا ما ما تسلقوا جبالا عالية، أي بلغوا مستوى يصعب بعده جذب الاوكسجين في البدن، الأمر الذي قد يؤدي بهم إلى الغيبوبة، والموت بعضاً ما.

ولنفس السبب تُجهَّز الطائرات بمعدات لتنظيم مقدار الاوكسجين في الطائرة عند التحليق في اماكن مرتفعة، واذا اختل عمل أجهزة الهواء في الطائرة يضطر المسافرون للبس الاقنعة الخاصة التي تمدّهم بالاوكسجين والتي أعدت للحظات من هذا القبيل، واذا تعسر الافادة من ذلك تضطر الطائرة للتحليق في ارتفاعات أدنى للحفاظ على حياة المسافرين.

في الوقت الذي نزلت فيه الآية لم يكن الإنسان على علم بهذه القضية العلمية إلاَّ أنَّ القرآن المجيد في ذلك الزمان (1400 سنة قبل) كشف عن هذا اللغز العلمي وقال بعدم امكان الافادة من الهواء في الفضاءات المرتفعة، وشبَّه الضالين بأولئك الذين يريدون التنفس في تلك الفضاءات.

3 - شرح الصدر

عندما بلغ  النبيّ موسى(عليه السلام) مقام النبوة، طلب من الله عدة أشياء، منها: شرح الصدر حيث جاء: ( قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي... ) . (4)

نال الرسول(صلى الله عليه وآله) هذه النعمة الإلهيّة العظمى دون أن يطلبها من الله: ( ألَمْ نَشْرَح لك صَدْرَكَ ) ،(5)

ما معنى شرح الصدر باقتضاب؟

لا يعني الصدر ذلك القسم العلوي من البدن، بل يعني الروح والفكر. وعلى هذا، فشرح الصدر يعني الروح المنفتحة والفكر المنفتح، أي منشرح الصدر هو صاحب الفكر العميق والصبر والتأني الفكري والروحي بحيث لا يتزلزل أمام أبسط الحوادث أو أشدها. ولهذا كان شرح الصدر أحد أهم مستلزمات الترقي والتعالي نحو الله تعالى.

الرسول(صلى الله عليه وآله) وجاره اليهودي

كان للرسول(صلى الله عليه وآله) جار يهودي يلقي فضلات بيته وجمر ناره على الرسول عند مروره من بيته، وكان يمارس هذا العمل يومياً، وفي يوم مرّ الرسول من بيت اليهودي ولم يواجه الظاهرة اليومية التي كانت تصدر من اليهودي، فسأل الرسول أصحابه؟ فأجابوه بأنه مريض، فذهب الرسول لعيادته، وطرق الباب وكانت إمرأته خلف الباب فسالته عمّا يريد فأجابها أن الهدف هو العيادة ففتحت له الباب، وكان سلام الرسول(صلى الله عليه وآله)وتحياته لليهودي تبدو وكأنَّ اليهودي لم يكن من المؤذين للرسول يومياً.

عندما شاهد اليهودي هذه المعاملة من الرسول سأله عمّا إذا كانت هذه الاخلاق من صلب الدين الذي يدعو له؟ فاجابه بالايجاب.

ونجد الكثير من هذه النماذج في سيرة الرسل والأئمة وعلماء الدين.

على سبيل المثال، كتب شخص في شيراز رسالة إلى أحد علماء تلك المدينة يهجره ويشهّر به فيها، فيرى العالم ذلك الشخص الكاتب في الغد ويقول له: (لقد رميت الرسالة التي كتبتها لي(6) يبدو أنك تعاني من مشكلة مالية، فخذ هذا المبلغ لعلَّ مشاكلك تُحل به).

ففرح كاتب الرسالة وكان يقول مع نفسه (كان خيراً أن السيد لم يقرأ رسالتي).

على المسلم أن يتأسَّى بالرسول(صلى الله عليه وآله) وأن يشرح صدره ويوسع فيه، وأن تكون همّته أرفع من أن يتنازل ويضعف أمام المشاكل; بل عليه أن يتحمّل ولا يكفر بالنعم لكل مشكلة يواجهها ولو كانت صغيرة، وما عليه أن يحقد ويسعى للإنتقام.

إلهي ببركة هذا الشهر (رمضان) اشرح صدورنا ووفقنا جميعاً لتحمل ما لا نستسيغه.

-----------------------------------------------------

الهوامش

1. هناك عوامل كثيرة أدت للاعتقاد بالجبر، للمزيد راجع كتابنا خمسين درساً في أصول العقائد، بالفارسية الصفحة 118 فما بعدها.

2. للمزيد راجع كتاب خمسين درساً عقائدياً، الصفحة 137 فما بعدها

3. إنّ اعجاز القرآن ذات وجوه مختلفة منها الاعجاز العلمي، للمزيد راجع تفسير نفحات القرآن 8:121 - 167.

4. طه: 25.

5. سورة الشرح الآية 1. وقد جاء نفس المضمون في الآية 106 من سورة النحل وكذا الآية 22 من سورة الزمر.

6. كان في كلامه تورية، لأنّه رماها خلف الكتب بعد أن قرأها، أمّا الكاتب فتصوّر أنه لم يقرأها


المثل الثاني عشر: الكفر والإيمان

المثل الحادي عشر: إنفاق الكفار

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)