• عدد المراجعات :
  • 1444
  • 5/31/2006
  • تاريخ :

مراتب العقلانية في الدين الاسلامي

للعقل مراتب مختلفة تبدا بالمستوى الفطري المعتمد على الاسس البديهية والوجدان، وبه تتم المحاجة مع ابناء البشر بعامة، كما في قوله تعالى:
﴿قل هذه سبيلي ادعو الى الله على بصيرة انا ومن اتبعني وسبحان الله وما انا من المشركين﴾ [يوسف/108]،
 فالقرآن يريد ان يقول للناس: ان في الوجود حقائق متفاوتة، والحال انها جميعها حقائق وواقع، فاتباع احسن القول وافضل الشرائع والاديان، والجزاء باحسن ما كانوا يعملون،والتمحيص والبلاء لاجل اظهار افضل الاعمال واجودها، والمجادلة مع الكفار واهل الضلال بافضل كيفية واحسن اسلوب يضمن هدايتهم وانقاذهم من الباطل، ثم التعود على القول الاحسن والاكثر لينا في مقام الخطاب، ومتابعة احسن الالهة - وذلك حسب رؤيتهم وشركهم، فان الله سبحانه وتعالى هو احسن الخالقين بالقياس الى سائر الارباب التي افترضوها. اما في الواقع فان الله سبحانه وتعالى في نهاية السلسلة والواقعية وهو الخالق الحقيقي وكل الاسباب معدات غيرمستقلة - وكذلك اتباع احسن ما انزل على قلب الرسول (ص) والحال ان الشريعة كلها خير وحسن، وكلها قد نزلت على قلب الرسول (ص)، ومع ذلك علينا ان نتبع احسنه واكمله ولا نكتفي بالمباحات وعدم المعصية فقط، وهناك بعد آخر من التراتبية وهو الخلقة التكوينية في احسن تقويم وفي اتم تصميم...

ذلك كله يوضح ان هناك مراتب تبدا من الاعلى الى الاسفل، والحال ان هذه المراتب جميعها هي حسن وكمال وواقع وحقيقة، ولكن بينها تفاوت من حيث الشدة والشرف، ومن حيث اثرها على حركة الانسان الى الله تعالى والقرب منه، والله سبحانه وتعالى يامرنا بان لا نكتفي بالمراتب العادية من الجودة والحسن، وانماعلينا ان نبذل جهودنا جميعها لنيل افضل المراتب والتحقق باحسن واقعية ممكنة لنا، حسب استعدادنا وحسب الطاقة التي وضعها الله فينا.

وهذا النوع من التفكير هو الذي يرمي اليه القرآن الكريم في توجيه الناس ودعوتهم الى التفكير السليم والعقلانية الحقة، والحال ان القرآن نفسه هو الذي بين الحسن والاحسن. وهذا الاصل المهم له تطبيقات كثيرة في الشريعة الاسلامية، ولعله يمثل النظام التربوي الاكمل للدين الاسلامي، فان الانسان يخلق مفطوراعلى العقل والتفكير، وما يميزه من سائر المخلوقات هو عقله ونفسه الناطقة المفكرة، ولكن هذا العقل يتفاوت شدة وضعفا، فالطفل عاقل والمميز عاقل والفتى عاقل والبالغ الرشيد عاقل وكذا الشاب القوي، ثم لو بلغ اربعين سنة فهو عاقل وكذلك في عام الستين ثم الكهل والشيخ... ولا يمكن ان نسلب العقل عن الانسان في اي من هذه المراحل الانسانية التي هي من ذاتياته، اذ هو ذو نفس ناطقة وعقل دائما، ولكن من الواضح ان هناك تفاوتا في شدة العقل وضعفه وخبرته وتربيته وتعليمه وسرعة بداهته وقوة حدسه وعمق تفكيره واعتياده على التفكر والتامل وحل المشكلات الصعبة وما شاكل ذلك، وعلى ذلك فما هو الذي يتبدل ويتغيرعند الانسان بحيث يوجب ازدياد التعقل واشتداد العقلانية؟ لماذا اكثر الناس يقتصرون على العقل الادنى وآخرون يطلبون اعلى المراتب وبعضهم يكتفي بالمراتب المتوسطة؟

وفي مقام الجواب يمكن ان نقول: ان السبب في اكتفاء الانسان بالمرتبة الدنيا من العقل هو جهله بعاقبة الامور وعدم علمه بما يفوته من الخير، فتقنع نفسه بالمستوى الذي يعلم ويلمس.

وهذا الجواب صحيح، ولكنه لا يسوغ المساحة الواسعة التي يتخلف فيها الانسان عن طلبه للمراتب الاعلى من التعقل، بداهة ان الانسان في كثير من الحالات يعرف الامور والعواقب ولكنه يتلكا ولا يقدم، وذلك اما لصعوبة تحصيل المراتب العليا لما تحتاجه من صبر وتضحية وثبات او عنادا، وبخاصة اننا افترضنا انه يعرف الصلاح واقعا ولكنه لا يقدم عليه، واما لمانع يمنعه عن بلوغ ذلك، والجواب التام هو الاتي:

ان مسالة تفاوت العقلانية بين شخص وآخر، او امة واخرى، او زمن وآخر.. او بين حال نفس الانسان بالنسبة لحاله الاخرى.. ذلك كله يخضع لمعادلة فنية دقيقة، ولا يمكن ان نرجى تخلف «الفرد او المجتمع او الحضارة» الى عوامل غيبية خارجة بتمامها عن دائرة تكليفنا، وهذا ما يعبر عنه القرآن الكريم بقانون الهداية والضلال او الاضلال، يقول الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه الكريم:
﴿في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب اليم بما كانوا يكذبون﴾ [البقرة/10]،
﴿نحن نقص عليك نباهم بالحق انهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى﴾ [الكهف/13]،
وغير ذلك كثير في الكتاب العزيز.

فالانسان مخلوق منظم تنظيما اوليا على عدة امور: عقلية، وجدانية قلبية، خيالية... وهو ما نعبر عنه بالفطرة الاولى، فكل عقول بني آدم تفكر بالطريقة نفسها، فلم نجد احدا يفكر (غير مجنون) ويؤمن بامكانية اجتماع النقيضين، او يحب الشر لنفسه او يانس باحراق نفسه، او يلتذ بالعطش، او يكره الكمال، او يرى ان مجموع واحد وواحد يساوي ثلاثة... والفطرة مساحتها واسعة تشمل العقل الاولي النظري والعملي، كما تشمل قلب الانسان ووجدانه، وكذلك تشمل نفسه وذاته،وكذلك تشمل غريزته ثم خياله ووهمه وغير ذلك، نعم الفطرة في كل قسم تمثل نوعا خاصا من الواقعية، فلا يمكن ان نجعل كاشفية ما نشعر به في حدود غرائزنا او خيالنا بنفس القوة والحكاية عن الواقع الذي نلمسه من مدركاتنا العقلية او الوجدانية، وهذا موكول الى محله يبحث عنه مفصلا في نظرية المعرفة.

وعليه، فالجواب عن سؤالنا السالف (كيفية تفاوت العقلانية من خلال مراتبها الطولية) يكمن في ان العقل «العملي» المنهجي، المتاثر بالواقع والمؤثر فيه، هذاالعقل غير منفصل عن وجود الانسان وعن نفسه وذاته وخياله ووهمه، ولاجل ذلك اهتم القرآن بتربية النفس وتهذيبها
وهذا التحليل السابق انما يوضح لنا الترابط المعرفي بين النفس والعقل، ولكن هناك ترابط وجودي اقوى من ذلك يمثل خلفية هذا الربط المعرفي، وذلك من جهة ان حقيقة النفس والعقل المجردتان (مع تفاوت خاص في نسبة التجرد) هو ما تقوم به واقعية التاثير والتاثر، ولعل منه قوله تعالى: ﴿ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم﴾ [الرعد/11]، فجعلت الاية التغيير العملي متفرعا على النفس، وهذا عام يشمل العقل ولكن من جهته العملية لا النظرية. اما من الناحية النظرية التي تحاكي الفطرة الاولى، فقد عبرت الاية ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن اكثر الناس لا يعلمون﴾ [الروم/30]. والفطرة هنا تمثل التشفير الاولي في البنية الانسانية من وجدان وعقل نظري، وهي حاكمة على النفس ومقدمة عليها ولا يمكن لسلطة النفس ان تحجب هذه الفطرة، اما العقل المدرب العلمي الذي يخوض التجارب في الحياة وتزداد مدركاته على الدوام فانه يبقى متاثرا بالنفس وحالاتها.

والاسلام يريد ان يربي الانسان تربية عالية جدا، لا يعود معها ما يخاف من «الانا»، ولا تعود الذاتية موجبة لحجب الحقيقة والواقعية، بل تصير المرآة الناصعة للواقع، وتصير قوى الخيال والوهم والعقل والنفس منضبطة ومقننة تماما كما هو الحال عند الانبياء والائمة (ع)، فمناماتهم حجة ووحي، وحدسهم واقع وحقيقة، وخيالهم يحكي عن الواقع بصدق لا تشويش فيه ولا يخلط بين الحقيقة والمجاز، كما ان الفارق بين النبي (ص) وبين سائر الانبياء (ع) هو في شدة كماله من هذه الجهة، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وقل رب زدني علما﴾ [طه/114] وكذلك قوله تعالى: ﴿لا خير في كثير من نجواهم الا من امر بصدقة او معروف او اصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه اجرا عظيما﴾ [النساء/114] وكذلك اختلاف الانبياء ومراتبهم، وهذا هو الكمال الذي اراده الله تعالى لعباده .

اما العلم النظري فانه، ان لم يكن في خدمة تنوير الانسان وتوسعة فهمه، لا ينفع ولا يكون الا كمن يحفظ «جدولا للضرب»، او يحفظ العديد من المصطلحات اوالتجارب او الاخبار التي لا اثر لها على الواقع، ومنه يعلم حرمة بعض الاعمال كالسحر والشعوذة وامثالهما، مع ان العلم، علم وهو خير مطلقا.

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)