• عدد المراجعات :
  • 5993
  • 5/24/2006
  • تاريخ :

المثل التاسع: أكل الربا

القرآن الکريم

يقول الله تعالي في الآية 275 من سورة البقرة: ( الّذِيْنَ يَأكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إلاّ كَمَا يَقُومُ الّذِي يَتَخَبَطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ ذلك بِأنَّهُم قَالُوا إنَّمَا البَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فانْتَهَي فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأمْرُهُ إلي اللهِ وَمَنْ عَادَ فأُولئِكَ أصْحَابُ النِّارِ هُمْ فِيْهَا خَالِدُونَ ) .

تصوير البحث

إنّ آكلي الربا علي أساس هذه الآية عندما يدخلون المحشر يوم القيامة يدخلون كالسكاري أو المجانين أو المصروعين، لا يتمالكون علي انفسهم ولا يستطيعون حفظ تعادلهم فيقعون ويقومون بين الحين والاخر. وهذا المنظر المرعب يلفت انظار اهل المحشر ويجعلهم يدركون أنَّ هؤلاء هم آكلو الربا.

علاقة الآية بما قبلها

الايات السابقة تحدثت عن الصدقة والانفاق في سبيل الله، وهذه الآية ترتبط بشكل وآخر بالصدقة; وذلك لأن الصدقة علي قسمين:

1- الصدقة دون عوض وهو الانفاق والبذل للمحتاجين.

2- الصدقة مع العوض وهو الدين أو القرض الحسن.

إنّ الدين إذا لم يكن مع عوض وربح كان قرضاً حسناً والا عُدَّ رباً وحراماً. وقد جاء في الروايات أنَّ الصدقة والبذل من دون عوض اجرها عشرة اضعاف، أمّا إلاقراض أو الصدقة مع العوض فاجره ثمانية عشر ضعف،(1) وسبب ذلك واضح من حيث أنَّ المقترضين محتاجون حقاً، وهم ذوي اعتبار وماء وجه.

وعلي هذا، فإنَّ شيئين يتوخي من القرض هما: أولا - رفع حاجة المحتاجين. ثانياً - الحفاظ علي حيثية واعتبار المحتاج.

وعلي أساس الآية الشريفة: ( مَنْ جَاءَ بالحَسَنةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثَالِهَا )، (2) فإنّ كلا منها له عشر حسنات والمجموع هو عشرون، ولكن باعتبار انّ القرض يسترجع بعد فترة من الزمن فتنقص منه حسنتان ليكون المجموع ثمانية عشر.

الشرح والتفسير

- ( الّذينَ يأكُلُونَ الرِّبَا... ) أي أنَّ آكلي الربا سيبتلون يوم المحشر بعدم التعادل والتوازن في المشي ويبدون كأنهم مصروعون أو مجانين.

- ( ذَلك بِأنَّهُمْ قَالُوا إنَّمَا البَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ) إنّ سبب ابتلاء هؤلاء بهذا المصير هو أنَّهم إضافة إلي اكلهم الربا كانوا يسعون في تبرير عملهم بالقول: إنَّ البيع مثل الربا، كما الاول حلال كذلك الثاني.

- ( أحَلَّ اللهُ البيعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ) حلية البيع والمعاملة لأجل وجود مصلحة في ذلك عكس الربا، ففيه مفسدة اضافة إلي أنه يفقد المصلحة. ففي المعاملة تارة يكون ربح واخري يكون خسارة إلاّ أنَّ الأمر في الربا يختلف، فآكل الربا يحصل علي الربح دائماً ولا يتضرر ابداً والخسارة يتحملها المقترض فقط، ولذلك عدت امواله حاصلة بلا تعب.

اضافة إلي هذا، فإنَّ أكل الربا سبب في ايجاد الفجوة بين طبقات المجتمع، وذلك لأنَّ ظاهرة الربا إذا تفشت في المجتمع اجتمعت ثروات الناس وأموالهم عند آكلي الربا بعد فترة وجيزة من الزمن، أمّا الاخرون فتتردي اوضاعهم إلي أسوأ ما يمكن.

- (فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فانْتَهَي فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأمْرُهُ إلي اللهِ ) في بداية الاعلان عن هذا الحكم يصرح الله بشمول العفو والمغفرة لاولئك الذين كانوا يمارسون الربا قبل هذه الآية فلا خوف عليهم.

وعليه، فالذين كانت لهم اموال عند الناس وتعاقدوا معهم علي ان يكون لهم فيها ربا، فإنَّ هذه المعاملة تبطل واصحاب الاموال من الان فما بعد باتوا لا يملكون الا رؤوس اموالهم فحسب ولاحق لهم في استلام اكثر من ذلك.

- ( وَمَنْ عَادَ فأُولئِكَ أصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيْهَا خَالِدُونَ ) يهدد الله في هذه الآية اولئك الذين يعاودوا ممارسة هذا العمل بعد هذه الآية ويقول بأنَّهم إذا فعلوا هذا مرة أخري - وهو عمل عد في بعض الروايات كممارسة الفاحشة مع المحارم(3) - فإنَّ جهنم تنتظرهم وسيكونون مخلدين فيها.

- سؤال: إنّ الخلود في جهنم خاص بالكفار فما يعني الخلود بالنسبة لآكلي الربا من المسلمين؟

-الجواب: من التفاسير التي ذكرت في هذا المجال هو أنَّ آكلي الربا يموتون غير مؤمنين بسبب عملهم القبيح هذا، ومن الواضح أنَّ غير المؤمنين يخلدون في جهنم.(4)

خطابات الآية

عقاب آكلي الربا في الدنيا والآخرة

هناك بحث بين المفسرين في هل أنَّ التَشبيه لآكلي الربا في الآية تشبيه لمصيرهم في الدنيا؟ ام أنّ ذلك نوع من العقاب والعذاب الأُخروي؟

يستفاد من الروايات أنّ هذا النوع من المصير يتعلق بكلا العالمين. وقد نقلت رواية في تفسير (نور الثقلين) عن الامام الصادق(عليه السلام) يقول فيها: «

آكل الربا لا يخرج من الدنيا حتي يتخبطه الشيطان»،(5) والعبارة الأخيرة تعني الجنون.

وفي رواية أخري حكت موضوع المعراج(6) أنَّ

الرسول(صلي الله عليه وآله) قال:

«لما أُسري بي إلي السماء رأيت قوماً يريد أحدهم أنْ يقوم ولا يقدر عليه من عظم بطنه، قال: قلت: من هؤلاء يا جبرئيل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون الربا».(7)

نسبة الجنون إلي الشيطان

لماذا نسب الجنون إلي الشيطان في آية المثل؟

المستفاد من ظاهر الآية هو أنَّ الشيطان سبب الجنون عند الإنسان.

لكن الأبحاث العلمية أثبتت وجود أسباب أخري للجنون لا علاقة لها بالشيطان، ومن هنا كانت للمفسرين آراء مختلفة في تفسير الآية، نشير إلي بعضها هنا.

الف - القرآن يخاطب الناس بما يتماشي مع عقائدهم; فإنّ الناس عصر النزول (العرب آنذاك) كانوا يعتقدون أنَّ الجنون من الشيطان، أو أنَّ الشيطان ينفذ في جسم الإنسان فيجن، ولهذا كان هذا التعبير القرآني كناية عن الجنون.

باء - المعني الحقيقي للجملة هو المراد لا المعني الكنائي، ونسبة الجنون للشيطان من حيث إنَّ الله جعل عقاب هؤلاء المذنبين تسلط الشيطان عليهم وهذا التسلط هو الذي يسبب القلق والجنون.

التناسب بين الجناية والعقاب

يعتقد بعض المفسرين أنَّ العقاب الذي يعينه القرآن لذنب ما يتناسب مع ذلك الذنب، فبين العقاب الذي عُيِّن لآكلي الربا وبين الجنون تناسب، وبين هذا الذنب وذلك العقاب علاقة وارتباط، فبما أنّ آكل الربا يقوم من خلال عمله القبيح بتدمير اقتصاد المجتمع ويخرجه عن حالة التعادل ويحول دون حركة العجلة الاقتصادية كذلك هو ذاته فإنَّه سيبتلي بمصير من هذا القبيل في الاخرة.

في رواية

للامام الباقر(عليه السلام) يقول فيها: «الظلم في الدنيا هو الظلمات في الاخرة».(8)

فإنّ العقاب في هذه الرواية يتناسب مع الذنب، ذلك أنَّ الظالم يُظلم الدنيا والعالم في عينيي المظلوم وعلي هذا الاساس تظلم الاخرة في عينيي هذا الظالم.

فلسفة تحريم الربا

كما أنَّ الربا وآكله يُوجب مفاسد عديدة فإنَّ تحريمه ينمّ عن فلسفات مختلفة نشير إلي بعضها هنا:

الف - إنَّ الظلم المشار اليه في الآية 279 من سورة البقرة هو فلسفة تحريم الربا.

باء - الفلسفة الاخري للتحريم هي تثبيت سنة (القرض) في المجتمع، وقد جاء هذا المطلب في روايات عديدة، منها رواية سماعة عن

الامام الصادق(عليه السلام) حيث يسأل فيها: إني رأيت الله تعالي قد ذكر الربا في غير آية وكرره؟ قال(عليه السلام): «أوتدري لم ذلك؟» قلت: لا. قال(عليه السلام): «لئلا يمتنع الناس من اصطناع المعروف».(9)

أي أنّ الربا إذا تفشي فسيترك الناس سنة القرض وتموت من جراء ذلك العواطف الانسانية ليحل محلها الانتهاز والربح. ولهذا كان الربا محرما في الشريعة الاسلامية المقدسة.(10)

الإرتباط بين الإخلاق والاقتصاد في الإسلام

بين الاقتصاد الاسلامي والاقتصاد المادي بون شاسع، واهم مفارقة بينهما هو أنّ الاقتصاد الاسلامي يعد مزيجاً من الاخلاق والاصول والمبادئ الانسانية، بينما الاقتصاد المادي لا أنه خال من الأخلاق والعاطفة فحسب، بل إنَّ المصلحة المادية تعدّ المبدأ الحاكم علي هذا الاقتصاد. وعلي هذا، فكل شيء يتعارض ويتضاد مع ذلك يُضحّي به لأجل المصالح المادية. إنَّ إنتاج المخدرات وعوائدها - الذي يعد امراً يتمانع مع المبادئ الإنسانية - يعد امراً ليس مهماً عند كثير من الدول وحتي تلك الدول التي تدعي مكافحتها لهذه الظاهرة وتعقد بين الحين والاخر مؤتمرات في هذا المجال، لها نصيب ليس قليلا في تجارة هذه المواد.

إنَّ مؤيدي ودعاة الاقتصاد المادي لا يكترثون من فساد جيل الشباب وتزلزل المبادئ الاخلاقية وتفكك العوائل وما يهمهم هو مصالحهم الذاتية.

إنَّ المتاجرة بالانسان وبيع الاطفال رغم تمانعه مع جميع المبادئ الانسانية يعد جائزاً عند دعاة حقوق البشر المزيفين ويعترفون بذلك بشكل غير علني.

مَن الذي وفَّر للعراق أسلحة الدمار الشامل والقنابل الكيمياوية والميكروبية والصواريخ بعيدة المدي والقنابل العنقودية وامثالها، وذلك ليرتكب بواسطتها ابشع الجرائم في ايران الاسلامية؟ لماذا سكت دعاة حقوق البشر ولم يعترضوا علي ذلك؟ لكنّهم رفعوا هتافات الإعتراض بمجرد أنْ هجم العراق علي الكويت وحكموا عليه بضرورة نزع السلاح.

إنَّ سرّ هذه الإزدواجية واضح; فإنَّ مصالح الدول الاستكبارية قد اقتضت يوماً أنْ يتسلح العراق باحدث الاسلحة واشدها فتكاً، وهذه المصالح ذاتها اقتضت يوماً أنْ يُنزع العراق أسلحته ليضمنوا بذلك مصالحهم. والملاك في كل ذلك هو مصالحهم المادية، أمّا المبادئ الإنسانية فمغلوب علي أمرها.

المبدأ الحاكم علي الاقتصاد الاسلامي هو الأخلاق، وينبغي أنْ تتم عملية كسب المصالح المادية تحت ضلّ حفظ القيم الاخلاقية، وعلي هذا الاساس حرّم الإسلام المعاملة التي تعد منشأً للفساد. وعلي سبيل المثال أنّ الإسلام إذا منع تأسيس مراكز للفحشاء أو حرّم بيع الشراب ولعب القمار أو تأسيس مصرف ربوي وغيرها فذلك لأجل أنَّ أموراً من هذا القبيل تعدّ منشأ للفساد الكثير، الامر الذي لا يتناسب مع الأخلاق الإسلامية.

إنَّ القِيَم الأخلاقية التي تحكم الاقتصاد الاسلامي لها مبادئ عديدة نشير إلي بعض منها هنا:

الف - من المبادئ التي تحكم الاقتصاد الاسلامي هي خطاب الآية الشريفة: ( لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ ) أي أنَّ المُعَامَلاتِ الاقتصادية ينبغي أنْ تنظم بشكل يخلو من الظلم لكلا الجانبين البائع والمشتري.

باء - كسب النفع ودفع الضرر العام; وعلي أساس هذا المبدأ، فإنَّ المصلحة الشخصية تكون ضحية المصلحة العامة. والبتّ بالأعمال التي يحتاجها المجتمع يعد واجباً، فاذا كان المجتمع بحاجة إلي معلمين، فعلي كل من يستطيع أن يبادر بهذا العمل.

ومن جانب آخر، أنّ الأعمال التي تضر المجتمع تعد محرمة في الإسلام رغم ما قد يكون فيها من مصلحة ومنافع شخصية، فبيع المسكر مثلا، وكذا النشاطات المتعلقة بهذا النشاط، محرم وممنوع ولهذا جاء في الروايات أنَّ غرس شجرة العنب لاجل صنع المسكر من ثمارها، وكذا سقيها وقطف ثمارها وحمله و.. هذا كله حرام.

ويذكر هنا أنَّ المبادئ الاخلاقية لا تنحصر في الواجبات والمحرمات، بل تشمل حتي المستحبات والمكروهات. ومن هنا كان (تلقي الركبان) مكروها في الفقه الإسلامي. والمراد من  تلقي الركبان هو انتظار القوافل خارج المدينة أو القرية والمباشرة بشراء بضاعة القوافل قبل معرفة أصحابها بقيمها في اسواق القرية أو المدينة.

وقد اعتبر بعض الفقهاء هذا العمل حراماً، إلاَّ أنَّ بعضهم الاخر اعتبره مكروها،(11) كما أنَّ اعمالا مثل بيع الكفن مكروهة، وذلك لأنَّ القائم بها يتطلع إلي موت الاخرين دائماً، وهذا أمر يسبب قسوة في القلب.

جيم - توجيه الرأسمال نحو الآخرة، و هذا المبدأ يستفاد من الآية 77 من سورة القصص، حيث قال الله تعالي: ( وابْتَغِ فِيْمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيْبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأحْسِنْ كَمَا أحْسَنَ اللهُ إليْكَ وَلاَ تَبْغِ الفَسَادَ فِي الأرْضِ إنّ اللهَ لاَ يُحِبُّ المُفْسِدِينَ ) .

وفقاً لهذه الآية، فإنَّ رأس المال يكون قيماً إذا ما صبّ في طريق الاخرة، وبتعبير آخر: المال الذي يسد الحاجة الدنيوية والحاجة الاُخروية. وفي النهاية: أنَّ القِيَم الأخلاقية هي الحاكمة علي الاقتصاد الاسلامي، بينما يفقد الاقتصاد المادي هذه القيم ويضحِّي أتْبَاع هذا المذهب كلَّ شيء لاجل المصالح الذاتية.

الاُسوة في القيم الاخلاقية

يُوصِي الإمام علي(عليه السلام) في عهده لمالك الاشتر(12) بطبقات المجتمع من العسكريين والقضاة والعلماء والتجار والمزارعين والوزراء والمسؤولين الحكوميين وغيرهم إلاّ أنَّه عندما يصل إلي الطبقة المحرومة يستخدم في حقهم تعابير لم يستخدمها في حق غيرهم، حيث يقول: «ثمّ الله الله في الطبقة السفلي من الذين لا حيلة لهم من المساكين والمحتاجين وأهل البؤسي(13)

3. شدة الفقر

والزّمني(14) فإنّ في هذه الطبقة قانعاً (15) ومعتراً(16) واحفظ لله ما استحفظك(17) من حقه فيهم، واجعل لهم قسماً من بيت مالك وقسماً من غلاّت(18) صوافي(19) الإسلام في كل بلد، فان للاقصي منهم مثل الذي للادني وكل قد استرعيت حقه، فلا يشغلنك عنهم بطر(20) فانك لا تعذر بتضييعك التافه(21) لاحكامك الكثير المهم. فلا تشخص همك(22) عنهم ولا تصعر خدك لهم(23) وتفقد امور من لا يصل إليك منهم ممن تقتحمه العيون وتحقره الرجال ففرغ لاولئك ثقتك».

ما أحسن هذا. إنَّه حديث جميل حقاً ! فهو كالشمس التي لا زالت تضيء رغم مضي أكثر من ألف سنة علي عمره وكل يوم يزداد ضياؤه. أحسن قائل هذا الحديث أحسن وأحسن ألف مرة. إنه حديث أهل لأن يكتبه الحكام بماء الذهب ليجعلونه علي رأس قائمة اعمالهم.

المدهش هو أنّ اُسوة الأخلاق هذه، شخصية كانت حاكمة، ورغم ذلك توصي بالناس وبخاصة المستضعفين والمحرومين منهم خيراً. إنَّ رِجَال الدول الغربية حالياً يمثلون قدوة أخري ونوع آخر من الحكام حيث يرتضون مقتل الالاف من المحرومين لاجل مصالحهم المادية. انظر للمفارقات!

سؤال: قد يتمانع الحفاظ علي القيم الأخلاقية مع التنمية الاقتصادية، فكيف يمكن الجمع بين هذه القيم والتنمية المطلوبة؟

الجواب: إنَّ نظامنا نظام قيمي، والمهم عندنا هو حفظ هذه القيم الاخلاقية، ونري أنَّ الحفاظ علي القيم لا يتمانع مع التنمية الاقتصادية، ومزجهما مع بعض سوف لا يؤدي إلي التخلف، بل انَّ الإقتصاد الذي لم يعتمد القيم الاخلاقية والذي ساد العالم أدّي إلي أضرار لا يمكن جبرانها.

ألم يكن هذا الاقتصاد غير القيمي هو السبب الاساس في نشوب الحرب العالمية الثانية؟ الحرب التي دمرت بعض الدول بالكامل وأنزلت ببعض اخر اضراراً جسيمة وأودت بحياة 30 مليون شخصاً و30 مليون معلولا، هذا بعض ما خلفته هذه الحرب واودعته في ذاكرتنا. فهل الاقتصاد المتخلف - حسب تعبير اتباع المذهب المادي - أفضل أم الاقتصاد المتطّور؟!

ينبغي العلم أنَّ العالم لا يعمَّر ولا ينمو الا تحت ظل إقتصاد قيمي.

علي(عليه السلام) والهدية الليلية

بعد ما يذكر  الامام علي(عليه السلام) قصة اخيه عقيل عندما طلب منه شيئاً من بيت المال يقول في الذي أراد إرشائه لاجل قضية حقوقية ما يلي:

«.. وأعجب من ذلك طارق طرقنا بملفوفة(24) في وعائها ومعجونة شنئتها(25) كأنما عجنت بريق حية أو قيئها، فقلت: أصلة أم زكاة، أم صدقة؟ فذلك محرم علينا أهل البيت. فقال: لا ذا ولا ذاك ولكنها هدية، فقلت: هبلتك الهبول!(26) أعن دين الله أتيتني لتخدعني؟ أمختبط(27)أنت ام ذو جنة(28) ام تهجر،(29) والله لو اعطيت الاقاليم السبعة بما تحت افلاكها علي أنْ اعصي الله في نملة أسلبها جلب(30) شعيرة ما فعلته وأنَّ دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة  تقضمها.(31) ما لعلي ولنعيم يفني، ولذة لا تبقي، نعوذ بالله من سبات(32) العقل وقبح الزلل.(33)

هل يُؤمن حالياً علي العالم مع وجود زعماء يضحون بكرامة واعتبار بلدهم مقابل امرأة ملوثة !! يا لها من مفارقات ؟ علي كل مسلم أنْ يتعلم القيم ويدركها ويدير عنجلات الاقتصاد مع حفظه علي تلك القيم في ذات الوقت.

البحوث التكميلية للآية

1- أكل الربا في عصرنا

كان أكل الربا في العصور الماضية محدوداً باشخاص كانوا يسلفون الناس ويرجعون اموالهم بعد فترة من الزمن مع مقدار من الربح، إلاَّ أنَّ الأمر اختلف في عصرنا، فقد ازداد اكلة الربا، كما أنَّ رقعته اتسعت لتشمل الدول والشعوب ككل، فإنَّ الكثير اصبح يمارس هذا العمل القبيح حالياً.

بعض الدول التي تجيز لنفسها اكل الربا اوقعت بعض الدول الفقيرة في مخالبها باعطائها بعض الديون، وقد باتت هذه الدول تصرف كل ما تجني من أرباح وعوائد وطنية لعلاج هذا المرض المتفاقم. ولأجل ذلك نري أنَّ الفجوة بين الدول الفقير والغنية تزداد كل يوم، واذا ما استمر الوضع هكذا فلا يبعد أنْ تعلن هذه الدول عن افلاسها. وكمثال علي ما نقول في مجال الربا هو الوضع المرتبك لاقتصاد دول جنوب شرق آسيا(34) فهو بسبب قضية اكل الربا.

ان اكلة الربا العالميين بسطوا لنا فخاً بعد الحرب المفروضة علي ايران - التي خرج من امتحانها الشعب الايراني الشجاع مرفوع الرأس - وذلك ببذلهم السخي للاموال والديون. ورغم أنَّهم لوثونا بعض الشيء بهذه الديون إلاَّ أنَّ المسؤولين بحمد الله سرعان ما التفتوا إلي خطورة هذا السم الفتاك، وأوقفوا عملية اخذ الديون ودفعوا تدريجياً اقساط الديون لينقذوا بذلك بلدنا من هذا الفخ.

اضافة إلي النوع المذكور من الربا هناك نوع اخر من الربا هو اقبح وأسوأ حالا من سابقه، وهو الذي يعتمد رأس مال الناس، فإنَّ البعض إذا كانوا يبتّون بهذا العمل سابقاً وبأموالهم الشخصية تقوم حالياً البنوك (التي أموالها من الناس) بهذا العمل القبيح وهذا - قطعاً - يستتبع عذاباً اشد وأقسي من سابقه.

2- النشاط المصرفي اللاربوي هل هو ممكن؟

يعتقد البعض أنَّ عصرنا يستدعي اقتصاداً ربوياً ولا يمكن فيه أي نشاط من دون ربا، وحذف الربا عن النشاطات المصرفية يؤدي إلي ركود في العمليات المصرفية وركود في الاقتصاد في النهاية، وبعبارة أخري: أنَّ الربا امتزج بالاقتصاد بشكل لا يمكن تفكيكهما.

هذا النوع من التفكير يطرح من قبل المفكرين المغتربين، باعتبار حاجة الدول الثرية إلي مبلغين لها في الدول الفقيرة; وذلك لأنَّ تفكيراً من هذا النوع يتطابق مع مصالحهم، رغم سقمه.

إنَّ البنوك الاسلامية لو عملت بالقرارات المصوبة في بلدنا ولو اطلعت الناس علي محتويات هذه القرارات وكانوا اوفياء تجاهها فسوف تحل قضية الربا وسوف يفيد أصحاب روؤس الأموال من اموالهم، كما أنَّ البنوك نفسها ستستفيد وعجلة الإقتصاد ستتحرك.

من العقود الاسلامية - التي جاءت في قرارت البنوك - هو عقد (المضاربة)، وهو لا يختص بالتجارة(35) بل يشمل الاستثمارات في قطاع الصناعة والبيطرة والزراعة والخدمات وغير ذلك.

علي اساس عقد المضاربة يودع الشخص رأس ماله عند البنك، والبنك يعين مستوي الربح علي اساس العقد، بالطبع ينبغي ان يكون الربح نسبة من المنفعة لا من رأس المال. والمشتري يمكنه ان يوكل البنك في ان يتصالح علي سهمه بنسبة معينة ليقبضه كل شهر. لكن يحسب مجمل الربح بعد انتهاء العقد، ثم يوكل البنك وكالة مطلقة لأنْ يستثمر الاموال في أي مجال أراد، وعلي البنك أنْ يعمل طبقاً للعقد.

وفي هذه الحالة فإنَّ مشكلة الربا منتفية رغم انتفاع صاحب رأس المال وانتفاع البنك اضافة إلي أنَّ عتلة الاقتصاد سوف لا تبقي ساكنة بل تعتمد تجارة سليمة وصحيحة.

ينبغي الالتفات إلي أنّه ينبغي تنفيذ العقود الشرعية. وانزالها علي الورق دون العمل بها لا يغير شيئاً من الواقع وتبقي مشكلة الربا معضلة بلا حل.

حذف الربا من المصارف أمر ممكن بدليل أنَّ الربا كان رائجاً في صدر الإسلام وحرم بعد ظهوره رغم ذلك لم يحصل ركود اقتصادي واشكالات من هذا القبيل.

3 - حكم الايداعات والسلف

هل يحل للناس ايداع أموالهم في البنوك وأخذ الأرباح التي تترتب عليها؟ وما حكم السلف التي يمنحها البنوك لزبائنه ويأخذ عليها ارباحاً نسبية؟

من المناسب قبل الاجابة علي السؤالين ان نقدم مقدمة نطرح فيها فلسفة هذا النوع من الايداع والسلف.

كثير من الناس يملك رأس مال وصله عن طريق الارث أو العمل أو شيء من هذا القبيل، لكن لا يستطيع توظيف رأس المال هذا في المجال الاقتصادي، من جانب آخر هناك الكثير ممن له طاقة علي توظيف الاموال ويحضي بقدرة ادارية جيدة مثل خريجي الجامعات من الشباب ذوي الطاقة والحوافز الجيدة.

يأتي هنا دور البنوك حيث يمكنها أنْ تلعب دوراً فاعلا، بأنْ تجمع بين رأس المال والطاقات والكوادر، فتأخذ الاموال من اصحابها وتسلفها للكوادر لتوظيفها في سبيل دفع عجلة الاقتصاد وتطلب من الاخيرين ارجاع الاموال من خلال اقساط. وفي هذا المجال تنال البنوك جزءاً من العوائد والارباح.

من جانب آخر تتمكن البنوك أخذ رؤوس اموال فاقدي القدرة علي توظيفها، لتشترك في توظيفها واستثمارها، وترجع مقداراً من ارباحها إلي اصحاب روؤس الأموال.

وعليه، إذا تمت هذه المشاركة علي أساس عقود شرعية فلا اشكال في شرعيتها.

ولأجل التحقق من هذا الأمر نوصي بالامور التالية:

1- تعليم موظفي البنوك الاحكام والعقود الشرعية المتعلقة بالبنوك والزامهم بتنفيذ القوانين الخاصة في هذا المجال.

2- أن يقوم العلماء ومن له باع في الاحكام الشرعية الخاصة بالبنوك بتبيين المسائل الشرعية الخاصة بالبنوك وايضاحها إلي الناس بلغة بسيطة ويذكروا اخطار الربا ومواقف الإسلام الشديدة تجاهه.

3 - من المناسب أنْ توازن البنوك بين ارباح الإيداعات والسلف، ولا ينبغي أن تكون ارباح السلف اكثر من ارباح الايداعات. كما أنّ عليها أن تحيي السنة الحسنة للاقراض وان تخطو في هذا المجال خطوات مؤثرة.

4 - آيات أخري عن الربا

لأجل تكميل البحث نشير هنا إلي ثلاث آيات تعرضت لجزئيات الربا واحكامه:

الف - يقول الله في الآية 278 من سورة البقرة: (  يَا أيُّها الَّذينَ آمنُوا اتَّقُوا اللهَ وذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُم مُؤْمِنِينَ ) .

إنّ بداية الآية خطاب للمؤمنين ونهايتها مشروط بالايمان، ومعني حسن المطلع وحسن الختام في الآية هو أنّ أكل الربا لا يتفق وروح الايمان وأنَّ آكل الربا ليس مؤمناً.

شأن نزول الآية

بعض الاغنياء من المسلمين كانت لهم مطالبات ربوية ممن كانوا قد استلفوا منهم، ومن اولئك كان العباس بن عبد المطلب وخالد بن الوليد. وعندما نزلت آية تحريم الربا تساءل هؤلاء البعض عن مصير اموالهم وأرباحها، فنزلت الآية محددة الحكم هنا في أنَّ لهم الحق في إرجاع أصل رأس المال دون ربحه ورباه. وقد قال الرسول(صلي الله عليه وآله) عندما نزلت آية تحريم الربا: «

ألا أنَّ كل ربا من ربا الجاهلية موضوع وأوّل ربا اضعه ربا العباس بن عبد المطلب»،(36) وهذا يكشف عن أنَّ الإسلام لا يري قيمة للعلاقة السببية والنسبية مقابل القوانين والضوابط.

باء - يقول الله في الآية الاخري من نفس السورة البقرة (279): ( فإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فاذَنُوا بِحَرْب مِنَ اللهِ وَرَسُولِه وإنْ تُبْتُم فَلَكُم رُؤُوسُ أمْوَالِكُم لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظلَمُونَ ) ،(37)

ينبغي الالتفات هنا إلي أنَّ صدر الآية يشير إلي اعلان الحرب من قبل الله ورسوله لا من قبل آكلي الربا; وذلك لأنَّ (فأذنوا) تعني فاعلموا أو فأيقنوا، إلاَّ أنَّ الكلمة إذا قرئت (فآذنوا) - كما قرأها البعض، وهي قراءة غير معروفة - فانّ اعلان الحرب سيكون من قبل آكلي الربا.

جيم - الآية 280 من سورة البقرة: ( وَإنْ كَانَ ذُو عُسْرَة فَنَظِرَةٌ إلي مَيْسَرَةٌ وأنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُم إنْ كُنْتُم تَعْلَمُونَ ) .

أي علي اصحاب رؤوس الاموال ان يمهلوا المعسرين والمحتاجين ولا يطالبوا بأموالهم..وإن كان حالهم متأزم فالأفضل أن يعتبروا اموالهم صدقة بذلوها لمستحقها.

من مجموع الآيات المذكورة يستشف أنَّ الربا عند الله اثم عظيم وخطر، وقد استخدم له القرآن تعابير لم يستخدمها في أيٍّ من الذنوب.

--------------------------------------------------------------------------------

الهوامش

1. عن رسول الله(صلي الله عليه وآله) انه قال: ((رأيت مكتوباً علي باب الجنة (الصدقة بعشرة والقرض بثمانية عشر) فقلت: يا جبرئيل وَلِمَ ذلك والذي يتصدق لا يريد الرجوع والذي يقرض يعطي لان يرجعه ؟ فقال: نعم، هو كذلك ولكن ما كل ما يأخذ الصدقة له بها حاجة والذي يستقرض لا يكون الا عن حاجة فالصدقة قد تصل إلي غير المستحق والقرض لا يصل إلاّ إلي المستحق، ولذا صار القرض افضل من الصدقة)).

مستدرك الوسائل 13: 395، ابواب الدين والقرض الباب 6 الحديث 3.

2. الأنعام الآية 160.

3. شبه الربا بالزنا في كثير من الروايات، وللمزيد يمكنك مراجعة وسائل الشيعة ج 12 أبواب الربا، الباب الاول، الروايات 1 و5 و6 و18 و19 و21 و22.

4. والاحتمال الاخر هو أنه يراد من الخلود هنا الزمن الطويل لا معناه المتعارف.

5. نور الثقلين 1: 291.

6. إنَّ مسألة المعراج تعد من عقائد المسلمين، وقد عرج الرسول(صلي الله عليه وآله) إلي السماء عدة مرات، وللمزيد راجع تفسير الامثل 8: 343 - 354، ومما يذكر هنا أنَّ جهنم والجنة التي شاهدهما الرسول كانتا برزخيتين.

7. وسائل الشيعة ج 12، ابواب الربا، الباب الاول، الحديث 16.

8. ميزان الحكمة، الباب 2448، الحديث 11108، وهناك روايات أخري في نفس الباب تدل علي المضمون ذاته.

9. وسائل الشيعة ج 12، ابواب الربا الباب 1، الحديث 3 والروايات 4و9و01و11 كلها تدل علي نفس المضمون، كما أنه قد فسر صنائع المعروف في الحديث (11) من نفس المصدر بالقرض.

10. وسائل الشيعة ج 21، أبواب ما يكتسب به، الباب 55، الحديث 3و4و5.

11. شرح اللمعة 1: 331.

12. الرسالة 53 من نهج البلاغة شرح صبحي الصالح; ويذكر أنَّ هذه الرسالة من اطول العهود، وتعد اوامر جامعة صدرت من الامام علي(عليه السلام)خطاباً لا لمالك فحسب بل لجميع الرؤساء في الحكومات بلا قيد الزمان والمكان، وذلك لما تحضي به من حكمة وطراوة دائمة.

13. جمع زمين وهو المصاب بالزمانة، أي العاهة، يريد ارباب العاهات المانعة لهم عن الاكتساب.

14. السائل.

15. المتعرض للعطاء بلا سؤال.

16. طلب منك حفظه.

17. ثمرات

18. أرض الغنيمة.

19. طغيان بالنعمة.

20. الحقير.

21. أي لا تصرف اهتمامك عن ملاحظة شؤونهم.

22. الامالة اعجاباً وكبراً.

23. تفريغ الثقة يعني جعل اشخاص يتفرغون للبحث عنهم لمعرفة احوالهم يكونون ممن تثق بهم.

24. نوع من الحلواء اهداها الاشعث بن قيس إلي علي.

25. أي كرهتها.

26. هبلتك: أي ثكلتك، والهبول المرأة لا يعيش لها ولد.

27. أمختل نظام ادراكك؟

28. من اصابه مس من الشيطان.

29. أي تهذي بما لا معني له في مرض ليس بصرع.

30. قشرة الشعيرة.

31. أي كسرته باطراف أسنانها.

32. نوم العقل.

33. الزلل هو السقوط في الخطأ.

34. حيث حصلت أزمة شديدة في تلك الدول شلت اقتصادها عام 1418.

35 مجمع البيان 2: 392.

36. يبدو من الآية ان آكلي الربا لا يجتنبون عن هذه الممارسة بالارشاد والتبليغ لذلك كان علي الحكومة الإسلامية ان تجبرهم علي الامتناع عنها.

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)