• عدد المراجعات :
  • 7717
  • 5/7/2006
  • تاريخ :

بحث حول النسخ في القرآن

بحث حول النسخ في القرآن

توطئة عن فكرة النسخ :

حين نريد أن نتعرف على فكرة النسخ (موضوعة البحث) يحسن بنا ان نفهمها من خلال مشابهاتها في حياتنا الاجتماعية المعاصرة. فاننا نشاهد ان بعض الدول قد تضع قانوناً لتنظيم علاقة الناس بعضهم ببعض حكاماً او محكومين ثم نراها بعد تطبيقه مدة من الزمان تستبدل به قانوناً آخر يتكفل تنظيماً جديداً للعلاقات بين الناس. وحينئذ يمكن ان يقال ان هذا القانون الآخر نسخ القانون الاول وأصبح بدلاً عنه.

كما نشاهد ايضاً ان بعض الدول تضع مادة معينة في القانون الذي يجري تطبيقه ثم ترى ان تستبدلها بمادة اخرى مع الاحتفاظ بالقانون نفسه كمنهج عام للتنظيم الاجتماعي. وهذان النوعان من النسخ : نسخ القانون للقانون ونسخ مادة لمادة من القانون نفسه يمكن ان نتصورهما في التشريع الالهي بان تنسخ شريعة سماوية شريعة اخرى أو مادة في شريعة سماوية مادة من تلك الشريعة.

ولكن يوجد فارق أساسي بين النسخ في التشريع الالهي والنسخ في التشريعات الوضعية. ذلك ان النسخ في التشريع الالهي لا يكون الا بعد علم مسبق بوقوعه في ظروفه المعينة وفي وقته المحدد بخلاف النسخ في التشريع الوضعي حيث يكشف في أكثر الاحيان عن جهل بالواقع الموضوعي الذي وضع التشريع لمعالجته. وعندما ينكشف تخلف التشريع عن تحقيق غاياته.. ينسخ بتشريع آخر في سبيل محاولة لتحقيق تلك الغايات والاهداف.

النسخ لغة واصطلاحاً :

أ - اللغة - للنسخ معان متعددة ذكرت في كتب اللغة وهي تدور بين النقل والازالة والابطال. فتقول (نسخ زيد الكتاب. اذا نقله عن معارضه).

ونسخ النحل اذا نقله من خلية الى اخرى وتقول. نسخ الشيب الشباب اذا أزاله وحل محله وتقول. نسخت الريح آثار القوم. اذا أبطلتها وعفت عليها(2). اللغويون حين يذكرون هذه المعاني المتعددة يختلفون في أي واحد منها هو المعنى الحقيقي للكلمة أو انها بأجمعها معاني حقيقية.

وتمييز المعنى الحقيقي للكلمة عن المعنى المجازي ليس في الواقع من الاهمية بقدر تحديد المعنى اللغوي الذي ينسجم مع فكرة النسخ ذاتها. وبهذا الصدد نجد ان الازالة هي أوفق المعاني اللغوية انسجاماً مع الفكرة التي عرضناها عن النسخ خصوصاً اذا لاحظنا ان فكرة النسخ في القرآن الكريم ورد التعبير عنها بمواد مختلفة تنسجم كلها مع الازالة.

ففي قوله تعالى (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها). وقوله تعالى (يمحو اللّه ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب).وقوله تعالى (وإذا بدلنا آية مكان آيةٍ - واللّه أعلم بما ينزل - قالوا انّما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون).

نجد الازالة هي المعنى الذي ينسجم مع المحو والتبديل.

ب - الاصطلاح - وحين نلاحظ كلمة النسخ في اطلاقات علماء القرآن والمفسرين نجد الكلمة قد مرت بمراحل متعددة من التطور حتى انتهى الامر بها الى خصوص الفكرة التي عرضناها سابقاً.

وهذه المراحل تبدأ منذ العصور الاولى لهذا العلم حيث كان يطلق بعض الصحابة كلمة النسخ على مجرد مخالفة آية لاخرى في الظهور اللفظي حتى لو كانت هذه المخالفة على نحو العموم والخصوص من وجه أو المطلق أو كانت احدى الآيتين مطلقة والاخرى مقيدة.

وهذه السعة في الاطلاق قد تكون نتيجة للتوسع في فهم أصل الفكرة كما يمكن أن تكون نتيجة فهم ساذج لبعض الآيات القرآنية. ومن هنا وقع الاختلاف بين علماء القرآن في تعيين الآيات المنسوخة والآيات الناسخة فنجد بعضهم يتوسع في تعدادها وبعضهم الآخر يقتصر على كمية محدودة منها.

ولكن بعد مضي مدة من الزمن على الدراسات القرآنية نرى بعض العلماء يحاول أن يميز بين النسخ وبين التقييد والتخصيص والبيان ويقصر النسخ على الفكرة التي عرضناها سابقاً. وقيل ان أول محاولة في ذلك كانت من قبل الشافعي.

وقد ذكر الاصوليون للنسخ تعاريف كثيرة أصبحت بعد ذلك مجالاً واسعاً للمناقشة والنقد. ولكننا نقتصر هنا على ما ذكره السيد الخوئي من تعريف للنسخ لانه يفي بالمقصود.

النسخ ( رفع أمر ثابت في الشريعة المقدسة بارتفاع أمده وزمانه سواء أكان ذلك الامر المرتفع من الاحكام التكليفية - كالوجوب والحرمة - أم من الاحكام الوضعية كالصحة والبطلان. وسواء أكان من المناصب الالهية أم من غيرها من الامور التي ترجع الى اللّه تعالى بما انه شارع ).

ويلاحظ في هذا التعريف، ان الرفع في النسخ انما يكون لامر ثابت في أصل الشريعة. ولذا فلا يكون شاملاً لمثل ارتفاع الحكم الشرعي الذي يكون بسبب انعدام موضوعه كارتفاع وجوب الصوم بانتهاء شهر رمضان او ارتفاع ملكية شخص لماله بسبب موته فان هذا النوع من ارتفاع الحكم لا يسمى نسخاً. ولا نجد من يخالف في امكانه ووقوعه. وقد اوضح السيد الخوئي لنا الفرق بين الارتفاع الذي يكون نسخاً والارتفاع الذي لا يكون من النسخ في شيء وذلك بالبيان التالي.

ان الحكم المجعول في الشريعة المقدسة له مرحلتان من الثبوت :

- الاولى: ثبوت الحكم في عالم التشريع والانشاء والحكم في هذه المرحلة يكون مشرعاً على نحو القضية الحقيقية حيث لا يفرق في صدقها وثبوتها وجود الموضوع في الخارج وعدم وجوده. وانما يكون قوام ثبوت الحكم فيها بفرض وجود الموضوع.

فاذا قال الشارع: شرب الخمر حرام (مثلاً) فليس معناه ان هنا خمراً في الخارج وان هذا الخمر محكوم بحرمة شربه. وانما معناه ان الخمر متى ما فرض وجوده في الخارج فشربه محكوم بالحرمة في الشريعة سواء كان في الخارج خمر بالفعل أم لم يكن ورفع هذا الحكم في هذه المرحلة من ثبوته لا يكون الا بالنسخ.

- الثانية : ثبوت الحكم في الخارج بأن يعود فعلياً بسبب فعلية موضوعه وتحققه خارجاً. كما اذا تحقق وجود الخمر خارجاً في مثالنا السابق. فان الحرمة المجعولة في الشريعة للخمر تكون ثابتة له بالفعل خارجاً. وهذه الحرمة تكون مرتهنة في وجودها بوجود الموضوع خارجاً وتستمر باستمراره فاذا انعدم الموضوع أو ارتفع كما اذا انقلب الخمر خلاً مثلاً. فلا ريب في ارتفاع تلك الحرمة الفعلية التي كانت ثابتة للخمر حال خمريته وتحل محلها الحلية للخل.

وهذا الارتفاع للحكم ليس من النسخ في شيء وليس لاحد شك في جوازه ولا في وقوعه.

جواز النسخ عقلاً ووقوعه شرعاً :

أ - جواز النسخ عقلاً :

المعروف بين العقلاء من المسلمين وغيرهم جواز النسخ عقلاً وقد خالف في هذا الرأي بعض اليهود والنصارى. وذلك في محاولة للطعن في الاسلام والتمسك ببقاء الديانتين اليهودية والمسيحية واستمرارهما. وقد استندوا في هذا الموقف الى بعض الشبهات التي حاولوا صياغتها بأساليب مختلفة كما قام بعضهم بمحاولة تعضيد ذلك ببعض النصوص الواردة المتداولة اليوم. وسوف نعرض الصياغة الرئيسية للشبهة في هذا الموضوع مع الاجابة عليها بالشكل الذي يتضح به الموقف تجاه الصياغات الاخرى لها.

وخلاصة هذه الشبهة ان النسخ يستلزم أحد أمرين باطلين. البداء أو العبث لان النسخ اما أن يكون بسبب حكمة ظهرت للناسخ بعد أن كانت خفية لديه أو أن يكون لغير مصلحة وحكمة. وكلا هذين الامرين باطل بالنسبة الى اللّه سبحانه ذلك ان تشريع الحكم من الحكيم المطلق وهو اللّه سبحانه لا بد وأن يكون بسبب مصلحة يستهدفها ذلك الحكم فتقتضي تشريعه حيث ان تشريع الحكم بشكل جزافي يتنافى وحكمة الشارع وحينئذ فرفع هذا الحكم الثابت لموضوعه بسبب المصلحة اما أن يكون مع بقاء حاله على ما هو عليه من وجه المصلحة. وعلم ناسخه بها. وهذا ينافي حكمه الجاعل وهو العبث نفسه. واما أن يكون من جهة البداء وجهله بواقع المصلحة والحكمة وانكشاف الخلاف لديه على ما هو الغالب في الاحكام والقوانين الوضعية. وعلى كلا الفرضين يكون وقوع النسخ في الشريعة محالاً لانه يستلزم المحال. أما البداء أو العبث وهما محال على اللّه لانهما نقص لا يتصف بهما. ومن أجل أن يتضح الجواب عن هذه الشبهة نقسم الحكم المجعول من قبل الشارع الى قسمين رئيسيين :

- الاول: الحكم المجعول الذي لا يكون وراءه بعث وزجر حقيقيّان كالاوامر والنواهي التي تجعل ويقصد بها الامتحان ودرجة الاستجابة. وهذا ما نسميه بالحكم الامتحاني.

- الثاني : الحكم المجعول الذي يكون بداع حقيقي من البعث والزجر حيث يقصد منه تحقيق متعلقة بحسب الخارج. وهذا ما نسميه بالحكم الحقيقي.

ونجد من السهل الالتزام بالنسخ في القسم الاول من الحكم اذ لا مانع من رفع هذا الحكم بعد اثباته بعد ان كانت الحكمة في نفس اثباته ورفعه لان دوره ينتهي بالامتحان نفسه فيرتفع حين ينتهي الامتحان ولحصول فائدته وغرضه. والنسخ في هذا النوع من الحكم لا يلزم منه العبث ولا ينشأ منه البداء الذي يستحيل في حقه تعالى.

وأما القسم الثاني من المحكم فاننا يمكن أن نلتزم بالنسخ فيه دون ان يستلزم ذلك شيئاً من البداء أو العبث حيث يمكن ان نضيف فرضاً ثالثاً الى الفرضين اللذين ذكرتهما الشبهة.

وهذا الفرض هو ان يكون النسخ لحكمة كانت معلومة للّه سبحانه من أول الامر ولم تكن خافية عليه وان كانت مجهولة عند الناس غير معلومة لديهم فلا يكون هناك بداء لانه ليس في النسخ من جديد على اللّه لعلمه سبحانه بالحكمة مسبقاً كما انه لا يكون عيناً لوجود الحكمة في متعلق الحكم الناسخ وزوالها في متعلق الحكم المنسوخ وليس هناك ما يشكل عقبة في طريق تعقل النسخ هذا... الا الوهم الذي يأبى تصور ارتباط مصلحة الحكم بزمان معين بحيث تنتهي عنده. والا الوهم الذي يرى في كتمان هذا الزمان المعين عن الناس جهلاً من اللّه بذلك الزمان.

وهذا الوهم يزول حين نلاحظ بعض النظائر الاجتماعية التي نرى فيها شيئاً اعتيادياً ليس فيه من المحال أثر ولا من العبث والبداء.

فالطبيب حين يعالج مريضاً ويرى ان مرحلة من مراحل المرض التي يجتازها المريض يصلح لها دواء معين فيصف له هذا الدواء لمدة معينة ثم يستبدله بدواء آخر يصلح لمرحلة اخرى.. لا يوصف عمله بالعبث والجهل. مع انه قام بوضع أحكام معينة لهذا المريض في زمان محدود ثم رفعها عنه بعد مدة من الزمن. وحين وضع الحكم كانت هناك مصلحة تقتضيه كما انه حين رفع الحكم كانت هناك مصلحة تقتضي هذا الرفع وهو في كل من الحالين كان يعلم المدة التي يستمر بها الحكم والحكمة التي تقتضي رفعه. ونظير هذا يمكن ان نتصوره في النسخ فان اللّه سبحانه حين وضع الحكم المنسوخ وضعه من أجل مصلحة تقتضيه وهو سبحانه يعلم الزمان الذي سوف ينتهي فيه الحكم وتتحقق المصلحة التي من أجلها شرع. كما انه حين يستبدل الحكم المنسوخ بالحكم الناسخ استبدله من أجل مصلحة معينة تقتضيه فكل من وضع الحكم ورفعه كان من أجل حكمة هي معلومة عند جعل الحكم المنسوخ.

فليس هناك جهل وبداء كما انه ليس هناك عبث لتوفر عنصر العلم والحكمة في الجعل والرفع نعم هناك جهل الناس بواقع جعل الحكم المنسوخ حيث كان يبدو استمرار الحكم نتيجة للاطلاق في البيان الذي وضع الحكم فيه ولكن النسخ انما يكون كشفاً عن هذا الواقع الذي كان معلوماً للّه سبحانه من أول الامر.

ب - وقوعه خارجاً :

والى جانب ما ذكرناه من تصوير النسخ بالشكل الذي لا يستلزم البداء أو العبث منه سبحانه وتعالى يمكن ان نضيف شيئاً آخر في احباط شبهة القائلين باستحالة النسخ من اليهود والنصارى وغيرهم وذلك بملاحظة الموارد التي تحقق فيها النسخ سواء في الشريعة الموسوية أو الشريعة المسيحية أو الشريعة الاسلامية. حيث جاءت نصوص في التوراة والانجيل وفي الشريعة الاسلامية تتضمن النسخ ورفع ما هو ثابت في نفس الشريعة أو في غيرها من الشرائع السابقة.

أ - تحريم اليهود العمل الدنيوي في يوم السبت مع الاعتراف بان هذا الحكم لم يكن ثابتاً في الشرائع السابقة وانما كان يجوز العمل في يوم السبت كغيره من أيام الاسبوع(3).

ب - أمر اللّه سبحانه بني اسرائيل قتل انفسهم بعد عبادتهم للعجل ثم رفعه لهذا الحكم عنهم بعد ذلك(4).

ج - الامر ببدء الخدمة في خيمة الاجتماع في سن الثلاثين ثم رفع هذا الحكم وابداله بسن خمسة وعشرين سنة ثم رفعه بعد ذلك وابداله بسنِّ العشرين53).

د - النهي عن الحلف باللّه في الشريعة المسيحية مع ثبوته في الشريعة الموسوية والالزام بما التزم به في النذر أو اليمين(6).

ه - الامر بالقصاص في الشريعة الموسوية (7). ثم نسخ هذا الحكم في الشريعة المسيحية ونهى عن القصاص(8).

و - تحليل الطلاق في الشريعة الموسوية(9). ونسخ هذا الحكم في الشريعة المسيحية(10).

الفرق بين النسخ والبداء :

لقد أثيرت الى جانب مسألة النسخ مسألة اخرى هي مسألة (البداء) وقد عرفنا من مطاوي حديثنا السابق عن النسخ - خصوصاً فيما يتعلق بدراستنا لشبهة اليهود والنصارى في استحالة النسخ - ان البداء محال على اللّه سبحانه.

ومع كل هذا فالمعروف من مذهب الامامية الاثني عشرية انهم يقولون بفكرة البداء.

وعلى هذا الاساس نجد بعض الباحثين من إخواننا السنة يحملون على إخوانهم الامامية بشكل عنيف متهمين اياهم بالانحراف والضلال حتى ان بعضهم يكاد ان يقول ان الامامية أشد انحرافاً من اليهود والنصارى حين حاولوا انكار النسخ لان اولئك انكروا النسخ في محاولة لتنزيه اللّه سبحانه من النقص وهؤلاء قالوا بالبداء فأثبتوا الجهل والنقص للّه سبحانه(11).

لذا يجدر بنا ونحن ندرس النسخ ان نلقي ضوءاً على هذه الفكرة أيضاً لنحدد موقفنا منها بشكل دقيق وواضح. ونعرف مدى صحة هذه التهم التي رمى بها بعض المسلمين مذهب الامامية في قولهم بالبداء.

فالبداء تارة نفهمه على أساس ان يعتقد اللّه شيئاً ثم يظهر له ان الامر بخلاف ما اعتقده كأن يرى في الحكم مصلحة ثم يظهر له خلاف ذلك أو يرى خلق شيء من مخلوقاته حسناً ثم يظهر له خلاف ذلك.. فهذا شيء باطل لا يقول به أحد من المسلمين - من دون فرق بين الاماميين وغيرهم - بل انكره اليهود والنصارى ونزهوا اللّه عنه.

وقد وردت النصوص التي تؤكد هذا المعنى عن طريق أهل البيت عليهم السلام فقد روى الصدوق في اكمال الدين عن الامام الصادق (ع) قال (من زعم ان اللّه عز وجل يبدو له في شيء لم يعلمه أمس فابرأوا منه)(12).

والبداء تارة اخرى - نفهمه على اساس آخر بان نتصوره نسخاً في التكوين فليس هناك فرق اساسي بينه وبين النسخ من حيث الفكرة وانما الفرق بينهما في الموضوع الذي يقع النسخ فيه أو البداء. فالازالة والتبديل اذا وقعا في التشريع سميناه نسخاً واذا وقعا في الامور الكونية من الخلق والرزق والصحة والمرض وغيرها سميناه بداء.

والجدير بالذكر ان هذه الفكرة للبداء تنطلق من شبهة أثارها اليهود حول قدرة اللّه سبحانه وسلطانه وأشار القرآن الكريم اليها كما ناقشها أيضاً بقوله تعالى ( وقالت اليهود : يد اللّه مغلولة غلت ايديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء)، المائدة : 64.

وخلاصة الشبهة ان اللّه سبحانه اذا خلق شيئاً وقضى فيه أمره استحال عليه أن تتعلق مشيئته بخلافه فهو حين يخلق قانون الجاذبية للارض مثلاً أصبح مسلوب القدرة والسلطان امام هذا القانون فلا يقدر أن يشاء خلافه أو ينسخه شأنه في هذا شأن صاحب البندقية. فانه حين يضغط على الزناد يفقد قدرة التحكم في الرصاصة.

وهذا المعنى هو الذي عبر عنه القرآن الكريم بقوله ( وقالت اليهود يد اللّه مغلولة) كما جاء في رواية الصدوق عن الصادق (ع) حيث قال (لم يعنوا انه هذا ولكنهم قالوا فرغ عن الامر فلا يزيد ولا ينقص ).

وقد ناقض القرآن الكريم هذه الشبهة في مجالات متعددة منها الآية الكريمة التي سبق ذكرها ومنها قوله تعالى : ( يمحو اللّه ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب) وغير ذلك.

فالقول بالبداء عن الامامية يعني فكرة النسخ مطبقة في المجال التكويني ومنطلقة من مفهوم قوله تعالى بل يداه مبسوطتان ينفق ما يشاء وقوله تعالى : يمحو اللّه ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب. فهي تؤمن بعلم اللّه سبحانه بما يقدمه وما يؤخره وما ينقصه وما يزيده وما يستبدله به. كما انها تؤمن بقدرته على هذا التقديم والتأخير والاستبدال. وهناك نصوص كثيرة تؤكد ان فكرة الامامية عن البداء لا تتعدى حدود هذا المعنى ولا تتجاوز عنه.

ففي رواية العياشي عن ابي عبد اللّه (ع) يقول : ان اللّه يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء ويمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء وعنده ام الكتاب. وقال فكل أمر يريده اللّه فهو علمه قبل أن يصنعه ليس شيء يبدو له الا وقد كان علمه ان اللّه لا يبدو له عن جهل.

وروى الكليني عن ابي عبد اللّه الصادق (ع) : (ما بدا لِلّه في شيء الا كان في علمه قبل ان يبدو له) وروى الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة عن الرضا (ع) : (قال علي بن الحسين و علي بن ابي طالب قبله و محمد بن علي وجعفر بن محمد : كيف لنا بالحديث مع هذه الآية : «يمحو اللّه ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب» فأما من قال بأن اللّه تعالى لا يعلم الشيء الا بعد كونه فقد كفر وخرج عن التوحيد) وبعد هذا كله لا نجد مجالاً للتشكيك في فكرة البداء اذا أخذناها في حدود فكرة النسخ مطبقة على التكوين ولا يكون اتهام الامامية بالانحراف لانهم قالوا بهذه الفكرة الا شبيهاً بالاتهام الذي وجهه اليهود والنصارى الى عامة المسلمين لاخذهم بفكرة النسخ ).

النسخ في الشريعة الاسلامية :

وأما النسخ في الشريعة الاسلامية فهو أمر ثابت لا يكاد يشك فيه أحد من علماء المسلمين سواء في ذلك ما كان نسخاً لاحكام الشرائع السابقة أو ما كان نسخاً لبعض أحكام الشريعة الاسلامية نفسها. ومن هذه النسخ ما صرح به القرآن الكريم حيث نسخ حكم التوجه في الصلاة الى القبلة الاولى وأمر بالتوجه شطر المسجد الحرام. ولكن مع ذلك نجد النسخ مثاراً للخلاف في علوم القرآن حيث وقع الجدال في ان شيئاً من الاحكام الثابتة في القرآن الكريم منسوخ بالقرآن الكريم نفسه أو بالسنة النبوية المتواترة.

وهذا الخلاف جاء على صياغتين الاولى : الخلاف الذي أثاره أبو مسلم الاصفهاني المتوفى سنة 322 هجري حيث ذهب على أحسن الاحتمالات في كلامه الى عدم جواز وقوع النسخ في القرآن الكريم مستدلاً على ذلك بقوله تعالى في وصف القرآن ( لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد).

فهذه الآية تقول ان القرآن لا يعتريه البطلان ولما كان النسخ ابطالاً لما في الآية من حكم فهو لا يرد على القرآن الكريم. ولكن هذه الآية الكريمة لا يمكن ان تكون دليلاً لمذهب ابي مسلم لان النسخ ليس باطلاً حتى يكون وروده على القرآن الكريم خلافاً لمنطوق الآية وانما هو محض حق وموافق لواقع الحكمة والمصلحة على اساس ما ذكرناه عن حقيقته. واذا كان النسخ باطلاً فلا نحتاج في رفضه الى الاستعانة بالآية الكريمة بل يكفي بطلانه سبباً لذلك.

ففكرة ابن مسلم هذه تقدم في الحقيقة على اساس من المغالطة والايهام حيث يقصد من الباطل هنا ما يكون في قبال الحق سواء في العقيدة أم النظام أم الاسلوب البياني والقرآن الكريم لا يأتيه شيء من الباطل في كل هذه الجوانب ولا يقصد منه الابطال والازالة التي هي معنى النسخ والثانية : الخلاف الذي اثاره بعض علماء القرآن حيث ذهبوا الى عدم وقوع النسخ في القرآن الكريم خارجاً وان كان لا يوجد مانع عقلي أو شرعي عنه.

ويكاد ان يقولآية اللّه السيد الخوئي في كتابه البيان في تفسير القرآن بهذا الرأي حيث عقد لذلك مناقشة واسعة اشار فيها الى الآيات التي يحتمل فيها النسخ ونقد مبدأ النسخ فيها على ضوء دراسة علمية دقيقة - عدا آية النجوى - وخلص الى الرأي الآنف الذكر.

اقسام النسخ

ويجدر بنا ان نتعرف على أقسام النسخ التي ذكرها الباحثون في علوم القرآن قبل ان ندخل في البحث التفصيلي حول الآيات المنسوخة وذلك من أجل ان نعرف أي قسم منها هو الهدف الرئيسي من هذا البحث. فقد قسموا النسخ الى أقسام ثلاثة نوجزها بالتالي :

الاول - نسخ التلاوة دون الحكم ويقصد بهذا النسخ ان تكون هناك آية قرآنية نزلت على الرسول (ص) ثم نسخت تلاوتها ونصها اللفظي مع الاحتفاظ بما تتضمنه من أحكام. وقد مثلوا لهذا القسم بآية الرجم التي روي عن عمر بن الخطاب نصها : (اذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة نكالاً من اللّه واللّه عزيز حكيم) حيث قيل انها كانت آية في القرآن الكريم نسخت تلاوتها مع الاحتفاظ بحكمها.

وهذا القسم وان كاد ان يعترف به أكثر الباحثين في علوم القرآن الا انه لا يكاد يعترينا الشك ببطلانه وعدم ثبوته في القرآن الكريم عندما ندرسه بشكل موضوعي.

فاولاً - نجد ان الاعتراف بهذا اللون من النصوص والروايات التي أوردتها بعض الكتب الصحيحة السنية يؤدي بنا الى الالتزام بالتحريف لان منطوق هذه الروايات يصر على ثبوت هذه الآية وغيرها في القرآن الكريم حتى وفاة رسول اللّه «ص» وانها سقطت منه في الفترة المتأخرة من حياته. وسوف ندرس هذا الجانب عند البحث عن اثبات النص القرآني.

وثانياً - ان هذه الروايات لم تصل الينا الا بطريق الآحاد ولا يجوز لنا أن نلتزم بالنسخ على أساس رواية الآحاد لاجماع المسلمين على ذلك مضافاً الى طبيعة الاشياء التي تحكم بضرورة شيوع الامور الهامة بين الناس ومن هذه الامور الهامة نسخ آية من القرآن الكريم. فكيف يقتصر النقل فيه على خبر الآحاد.

الثاني - نسخ التلاوة والحكم معاً ويقصد بهذا القسم أن تكون آية قرآنية ثابتة لفظاً ومعنى في وقت من ايام الشريعة ثم تنسخ تلاوتها ومضمونها.

وقد مثلوا لهذا القسم بآية الرضاعة المروية عن عائشة بهذا النص (وكان فيما انزل من القرآن «وعشر رضعات يحرمن» ثم نسخن بخمس معلومات فتوفي رسول اللّه (ص) وهن فيما يقرأ من القرآن)، ويناقش هذا القسم بنفس المناقشتين اللتين ذكرناهما في القسم الاول من النسخ.

الثالث - نسخ الحكم دون التلاوة ويقصد به النسخ الذي ينصب على جانب المضمون في الآية القرآنية مع الاحتفاظ بصياغتها وطريقة التعبير فيها. وهذا القسم هو ما اشتهر بين العلماء والمؤلفين في البحث والكتابة عنه حتى الفوا كتباً مستقلة فيه.

والنسخ في هذا القسم يمكن ان نتصوره على انحاء ثلاثة :

 

أ - ان ينسخ الحكم الثابت في القرآن الكريم بالسنة المتواترة أو بالاجماع القطعي الذي يكشف عن صدور النسخ من المعصوم.

ب - ان ينسخ الحكم الثابت في القرآن الكريم بآية اخرى من القرآن ناظرة في طريقة عرضها وبيانها الى الحكم المنسوخ. وهذان النحوان لا إشكال فيهما من ناحية واقعية وان كان الشك في وقوعهما بحسب الخارج.

ج - أن ينسخ الحكم الثابت بالقرآن الكريم بآية اخرى غير ناظرة الى الحكم المنسوخ ولا مبينة لرفعه وانما يلتزم بالنسخ على اساس التعارض بين الاثنين فيلتزم بنسخ الآية المتقدمة زماناً بالآية المتأخرة.

وقد ناقش السيد الخوئي في جواز هذا النحو من النسخ على اساس انه يتنافى ومنطوق الآية القرآنية التي تقول : (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير اللّه لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً) وحين يقع التنافي بين الآيتين يتحقق هذا الاختلاف الذي نفاه اللّه سبحانه عن القرآن ولا ينفع معه دعوى النسخ لان مثل هذه الدعوى يمكن ان تقال في كل اختلاف يقع في كلام غير اللّه سبحانه وبالاضافة الى هذه المناقشة نجد السيد الخوئي يكاد ان يذهب الى انه ليس هناك حكم ثابت في القرآن الكريم منسوخاً بشيء من القرآن ولا بغيره.

ونحن وان كنا نختلف مع استاذنا السيد الخوئي في بعض الجوانب التي جاءت في مناقشته هذه وقد نختلف معه بالتالي في شمول مبدئه للآيات القرآنية كلها ولكننا سوف نقتصر في دراستنا هذه على مناقشة بعض الآيات بالطريقة التي سار عليها تقريباً.

نماذج من الآيات التي ادعي نسخها مع مناقشاتها :

الآية الاولى :

قوله تعالى ( ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد ايمانكم كفاراً حسداً من عند انفسهم من بعد ما تبين لهم الحق. فاعفوا واصفحوا حتى يأتي اللّه بأمره. ان اللّه على كل شيء قدير) ، ( البقرة : 109) .

وقد روى جماعة من الصحابة والتابعين وغيرهم القول بانها آية منسوخة بآية السيف وهي قوله تعالى : ( قاتلوا الذين لا يؤمنون باللّه ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم اللّه ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين اوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) ، ( التوبة 29) .

فان الآية الاولى تأمر بالعفو والصفح عن أهل الكتاب مع انهم يودون من صميم قلوبهم ان يردوا المؤمنين كفاراً. والآية الثانية تأمر بقتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. ولما كانت الآية الثانية متأخرة عن الآية الاولى كان الالتزام بنسخ آية السيف لآية سورة البقرة أمراً لا مناص منه.

وقد ناقش السيد الخوئي القول بالنسخ هذا بمناقشتين :

الاولى - انه لا يمكن القول بنسخ الآية الاولى بالآية الثانية بعد ان كان الحكم في الآية المدعى نسخها له غاية ووقت. وهما وان كانا مذكورين فيها على سبيل الاجمال لا التعيين الا ان هذا المقدار يكفي في عدم الالتزام بالنسخ فيها حيث ان النسخ لا يكون في حكم الموقت الذي يرتفع بانتهاء وقته وانما يكون في الحكم الذي يكون ظاهره الاستمرار والتأييد بحسب اطلاق اللفظ دون ان يكون صريحاً في ذلك وعلى هذا الاساس يكون دور الآية الثانية هو بيان الوقت والغاية للحكم المذكور في الآية الاولى دون ان تكون ناسخة له.

الثانية - ان آية السيف لا تأمر بقتل أهل الكتاب بشكل مطلق حتى تصبح معارضة للآية الاولى وانما هي تأمر بقتالهم عند عدم دفعهم للجزية.

وحينئذ فمجرد ان يكونوا من أهل الكتاب لا يكفي في جواز قتالهم وانما يشترط في قتالهم توفر أحد حالات ثلاث كما يستفاد ذلك من مجموع الآيات القرآنية وهي :

أ - مبادأة أهل الكتاب المسلمين بالقتال ( وقاتلوا في سبيل اللّه الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ان اللّه لا يحب المعتدين) ، ( البقرة : 191).

ب - محاولتهم لفتنة المسلمين عن دينهم ( والفتنة أشد من القتل) ، ( البقرة : 192).

ج - امتناعهم عن اعطاء الجزية للآية المتقدمة.

وفي غير هذه الحالات لا يجوز قتال أهل الكتاب وانما يكتفى بالصفح والعفو عنهم كما جاء في الآية الاولى المدعى نسخها فتكون الآية الثانية مقيدة لاطلاق الآية الاولى لا ناسخة لها.

الآية الثانية :

قوله تعالى : (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فان شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل اللّه لهن سبيلاً. واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فان تابا واصلحا فاعرضوا عنهما ان اللّه كان تواباً رحيماً)،( النساء 15 - 16).

وقد روي عن جماعة من الصحابة والتابعين وغيرهم ان الآية الاولى من هاتين الآيتين مختصة بزنى النساء والعقاب فيها هو الايذاء بالشتم والاهانة وضرب النعال كما جاء عن ابن عباس ذلك - وهما في كل من الموردين تشمل البكر والثيب منهما.

وقد نسخت كلتا الآيتين بحكم الجلد مائة مرة للبكر من النساء والرجال كما في قوله تعالى : (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين اللّه) ، (النور : 2 ) ،وبحكم الرجم للمحصن من النساء والرجال كما ثبت ذلك في السنة النبوية.

وقد ناقش السيد الخوئي مبدأ النسخ في هذه الآية على أساس أن كل واحدة من هذه الآيات تبين حكماً يختلف عن الحكم المبين في الآية الاخرى ولا مانع من الاخذ بهذه الاحكام كلها لاختلاف موضوعاتها.

ومن أجل ان تتضح هذه المناقشة لا بد من ان نستعرض بعض الامور التي لها ارتباط وثيق في تفسير الآيتين المدعى نسخهما لنعرف بعد ذلك مدى صحة دعوى النسخ فيهما.

1 - ان للفظ الفاحشة في اللغة والقرآن الكريم معنى واسعاً شاملاً ينطوي تحته كل ما تزايد قبحه وتفاحش دون ان يكون مختصاً بعملية الزنى وحدها. فقد تكون لواطاً أو سحاقاً أو زنى. ولا ظهور ولا انصراف للفظ الفاحشة في خصوص الزنى.

2 - ان المقصود بالسبيل في الآية الكريمة هو المخرج والمخلص الذي يكون في حقيقته وواقعه أقل كلفة وضرراً على المرأة من الحبس في الدار لان الآية تجعل السبيل للمرأة لا عليها. وحينئذ فلا يمكن تفسير السبيل بالعقوبة التي وضعها الاسلام الحنيف بالنسبة الى الزانية والزاني البكر منهما والثيب لان هذه العقوبة ليست سبيلاً للمرأة تخلص به من شدة الحبس وعقابه وانما هو أشد وأقسى من الحبس نفسه.

3 - ان لفظ الايذاء في الآية الكريمة ليس له ظهور في الشتم والسب والاهانة وضرب النعال.. وانما هو معنى شامل لهذه الامور ولغيرها من الوان الايذاء الاخرى كالجلد والرجم وغيرهما.

وبعد ملاحظة هذه النقاط الثلاثة يمكن ان نذهب في خصوص الآية الاولى الى ان المقصود بالفاحشة: (المساحقة) وحكمها الثابت بالآية هو الحبس حتى الموت أو السبيل الذي يهيئه اللّه سبحانه لها بان تتوفر الظروف التي تجعل المرأة في مأمن من ارتكاب المنكر كأن تتزوج أو تبلغ العمر الذي تموت فيه طاقتها الجنسية أو تخمد او تتوب وتصلح.

وبهذا اللون من التفسير يمكننا ان نلتزم بعدم النسخ في هذه الآية لبقاء حكمها في الوقت الذي يلتزم به بالجلد والرجم بالنسبة الى الزاني. وبالاضافة الى ذلك يمكننا ان نذهب الى ان الحكم بالحبس ليس عقاباً وحدّاً لارتكاب الفاحشة وانما هو عمل وقائي رادع عن العودة لارتكاب المنكر مرة اخرى ويجب في كل الحالات التي يستشعر فيها الخطر من الوقوع في المنكر حتى قبل وقوعه وحينئذ فلا ضرورة للالتزام بالنسخ حتى مع الالزام بان المقصود من الفاحشة في الآية الكريمة خصوص زنى النساء لان الالتزام بالجلد والرجم يمكن ان ينسجم مع الالتزام في الوقت ذاته بثبوت الحكم الوقائي الرادع.

وفي خصوص الآية الثانية يكون المقصود بالفاحشة اللواط وحكمه الايذاء سواء فسرنا الايذاء بالشكل الذي روي عن ابن عباس ام بالشكل الآخر الواسع.. فانه في كل من الفرضين يمكن ان نلتزم بالحد الشرعي الثابت في الشريعة المقدسة عن ان تفسير مفهوم الايذاء بشكل يشمل الجلد والرجم يجعل آية الجلد وغيرها في موقف المفسر المحدد لنوعية الايذاء المتخذ ضد الزاني من الرجال والنساء دون ان يكون ناسخاً للآية الاولى. وهناك قرينة لفظية في الآية تدل على ان المراد من اسم الموصول (اللذان) هو خصوص الرجلين دون الرجل والمرأة كما هو تفسير القائل بالنسخ - وهذه القرينة هي ملاحظة سياق الآيتين الذي يقرر ان المراد من ضمير الجمع المخاطب المذكور فيهما ثلاث مرات من جنس واحد بحيث لا يختلف الثالث عن الاوليين. ولما كان المراد بالاوليين منهما خصوص الرجال لاضافة

النساء في أحدهما للضمير وربط الشهادة بالرجال في الثاني. ويجب ان يكون المراد من الثالث خصوص الرجال أيضاً وهذا ينتهي بنا الى ان المراد باسم الموصول خصوص الرجال. ومع هذه القرينة لا بد من الالتزام بان المراد من الفاحشة هي اللواط بالخصوص.

الآية الثالثة :

قوله تعالى (فما استمعتم به منهن فآتوهن اجورهن فريضة) ، (النساء : 24).

ولا بد من معرفة مفاد الآية الكريمة قبل البحث عن كونها آية منسوخة الحكم. وبهذا الشأن فقد جاءت الروايات الكثيرة في طريق السنة والامامية تذكر ان المقصود من الآية الكريمة نكاح المتعة (الزواج الموقت).

ولذلك اشتهر بين علماء العامة ان الآية منسوخة.. حيث ذهب هؤلاء الى أن حلية نكاح المتعة قد نسخت بعد تشريعه لمدة من الزمان في الشريعة المقدسة وقد وقع الاختلاف بين الباحثين في امر الناسخ لهذه الآية الكريمة وبهذا الصدد ذكرت

أقوال أربعة :

- الاول : ان الناسخ لها قوله تعالى : (يا أيها النبي اذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن) على اساس ان نكاح المتعة لا طلاق فيه وانما تنفسخ عقدة النكاح فيه بانتهاء المدة المضروبة في النكاح أو هبة الباقي منها. كما ان عدته تختلف عن عدة الطلاق في النكاح الدائم ولما كانت هذه الآية تذكر الطلاق كطريق لانفصال الزوجية كانت ناسخة للنكاح الذي يكون انفصال الزوجية فيه عن طريق آخر.. في الوقت الذي تختلف عدته عن عدة النكاح الذي يقع فيه الطلاق.

وهذا القول يكاد ان يكون أوهن الاقوال وابعدها عن الفهم القرآني الصحيح لان الآية الثانية لا تشير - لا من قريب ولا من بعيد - الى موارد الطلاق.

وانه لابد في كل زواج أن يقع الانفصال فيه بالطلاق وانما هي بصدد بيان ضرورة العدة في حالة وقوع الطلاق على ان نكاح المتعة تجب العدة فيه ولا تعرض في الآية الى مقدار العدة ومدتها. فهي بعيدة عن النسخ كل البعد وليس لها علاقة بآية نكاح المتعة.

- الثاني: ان الناسخ هو قوله تعالى (ولكم نصف ما ترك ازواجكم) على اساس ان نكاح المتعة لا توارث فيه وهذه الآية تقرر باطلاقها وراثة الزوج لكل زوجة فيدور الامر بين القول بوراثة الزوج للزوجة في نكاح المتعة وقد ثبت عدمه وبين القول بنسخ نكاح المتعة ليبقى اطلاق الآية على حاله وهو المطلوب من دعوى النسخ.

وهذا القول كسابقه من حيث مجافاته للواقع والفهم العرفي. لانه يمكن الالتزام بان الدليل الذي دل على عدم التوارث بين الزوجين في نكاح المتعة يكون مخصصاً لمفاد الآية الكريمة دون اللجوء الى القول بنسخ آية المتعة. كما يلتزم بذلك المسلمون في بعض الموارد الاخرى من الارث فان الزوجة اذا كانت كافرة لا ترث زوجها أو اذا كان أحد الزوجين قاتلاً للآخر فانه لا ارث بينهما أيضاً.

- الثالث: ان الناسخ هو النصوص التي تدل على ان نكاح المتعة قد نسخ بعد تشريعه في الاسلام. وقد رويت هذه النصوص بطرق مختلفة كان ينتهي بعضها الى الامام علي (ع) وبعضها الى الربيع بن سبرة وبعضها الى سلمة وغير ذلك.

ولكن تناقش هذه النصوص بالوجوه الثلاثة التالية :

اولاً - ان النسخ لا يثبت بخبر الواحد لما أشرنا اليه سابقاً من الاجماع على ذلك وان طبيعة النسخ تقتضي شيوع النسخ واشتهاره بين المسلمين.

ثانياً - ان هناك نصوصاً كثيرة متواترة مروية عن طريق أهل البيت تعارض بمضمونها هذه النصوص وتكذبها الامر الذي يفرض علينا الاخذ بنصوص أهل البيت خاصة لانهم الثقل الثاني للكتاب الذي ثبت عن النبي (ص) انهم لا يفترقون عنه.

ثالثاً - النصوص الكثيرة التي وردت في الصحاح التي تؤكد بقاء حلية هذا النكاح حتى وفاة النبي (ص) والنسخ لا يجوز من غير النبي. وقد ذكر السيد الخوئي بعض هذه النصوص مع مناقشته للنصوص الاخرى الدالة على النسخ في كتابه (البيان).

- الرابع : ان الناسخ هو اجماع الامة على حرمة نكاح المتعة.

- اعتمدنا في كتابة هذا البحث بشكل رئيسي على دراسة النسخ في القرآن لآية اللّه السيد الخوئي في كتابه البيان في تفسير القرآن المدخل 189 - 276 وكتاب النسخ في القرآن للدكتور مصطفى زيد.

------------------------------------------------------------------

الهوامش

(1) صحيح مسلم 3/167.

(2)راجع بهذا الصدد لسان العرب 4/28 ط بولاق.

(3) انظر سفر الخروج 16/ 25 - 26و20/ 8 - 12 و23/12 و31/ 16 - 7 و35/ 1 - 3 وسفر اللاويين 23/ 1 - 3 وسفر التثنية 5/ 12 - 15.

(4) سفر الخروج 32/ 21 - 29.

(5) سفر العدد 4/ 2 - 3 و8/ 23 - 24 وسفر أخبار الايام الاول 23/ 24 و32.

(6) سفر العدد 30/2. انجيل متى 5/ 33 - 34.

(7) سفر الخروج 21/ 23 - 25.

(8) انجيل متى 5/138.

(9) سفر التثنية 14/ 1 - 3.

(10) انجيل متى 5/ 31 - 32 وانجيل مرقس 10/ 11 - 12.

(11) بهذا الصدد راجع الفخر الرازي في تفسير قوله تعالى (يمحو اللّه ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب) والدكتور مصطفى زيد النسخ في القرآن 1/27.

(12) راجع في النصوص التي نذكرها في موضوع البداء آية اللّه السيد الخوئي. البيان في تفسير القرآن 270 - 277.

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)