• عدد المراجعات :
  • 296
  • 10/26/2014
  • تاريخ :

صفات أبناء التعبئة

از کيد دشمن غافل نمانيد

مع أخذنا بعين الاعتبار الأدوار الخطيرة والتكاليف الصعبة التي تواجهها الأمّة، فإنّ السوال يحضر عن العناصر الكفيلة بإعداد أفراد على مستوى القضية، أي إعداد رجال الله والتعبويين الذين يحقِّقون إرادة الله تعالى في إزالة الموانع عن طريق الهداية، والذين هم في الحقيقة يقومون بدور الأنبياء والأئمة عليهم السلام. لذلك أليس من الواجب وجود مستوى من الأخلاق والسلوك والعلم والمعرفة يليق بهذا المستوى من الدور؟

إنّ الذي آمن بالإسلام قلباً وقالباً، عقيدةً وأحكاماً، بشكلٍ صادق ويقينيّ سوف يكون جاهزاً وحاضراً ـ وبكامل قوّته ـ لأداء التّكليف في طريق الإسلام الأصيل وهذه هي ميزة التعبوي المجاهد، وأفضل تعبيرٍ ورد في القرآن الكريم يمكن أن يُرادف لفظ التعبويين هي كلمة (رِبِّيُّونَ)، يقول الله تعالى: (وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ)1.

ومعنى هذه الآية، أنّه في الوقت الذي أمر به الله تعالى الأنبياء بالجهاد، برز رجال لله شديدو الإخلاص، واستجابوا لنداء الجهاد وقاتلوا في ركاب الأنبياء ضد الكفار والمشركين.

فما هي صفات هولاء الربّانيين المجاهدين في القرآن الكريم؟ لنتعرَّف من خلالها على الصفات المطلوبة في التعبويين ليكونوا في صفوف المجاهدين الربيين في وقت الحاجة.

الاستقامة والصمود

لقد أثبت القرآن الكريم لهولاء المجاهدين في ركاب الأنبياء ميزة خاصة، وهذه الميزة تصدق بشكل دقيق على التعبوي اليوم، لأنَّه يواجه نفس الظروف والمصاعب، وإن اختلفت المظاهر والأشكال. فالله تعالى يقول في وصف هولاء المجاهدين: (فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ)2.

ومعنى الآية، أنّه في ميدان الحرب يواجه المجاهدون القتل والجرح والكثير من الصعوبات والظروف القاسية، ويمكن أن تُتحمل الحوادث المريرة والعذابات والمشقات والمصائب إلى حدود معينة ولمدة قصيرة، فكلُّ إنسان محدود بطاقة تحمُّل وسعة صبر معينة. لكن عندما تطول الحرب: تضعف الإرادات بالتدريج ويصبح تحمّل المشكلات أمراً غير ممكن، ومع طول مدة المعارك يشيع الفقر والخراب والمرض والتشرّد وغياب الآباء عن العائلات، وهذا ما يُنتج ضغوطاً نفسيةً وآثاراً سلبية.

ومن جهةٍ أخرى، قد تضعف قدرةُ المجاهدين شيئاً فشيئاً، ويبدأ إحساسهم بفقدان القدرة على إدامة الحرب والصمود مقابل الأعداء، وبالنتيجة إذا استمرّت تلك الحالة من التداعي في أنفسهم فسوف نراهم - لا سمح الله - يخضعون للأعداء ويتهيّأون للاستسلام النهائي.

لكنَّ القرآن الكريم يصفُ أولئك المجاهدين في ركاب الأنبياء وضدَّ أعداء الله بأنهم أقوياء، ومدحهم بقوله تعالى: (فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ)3.

فمع طول مدة الحرب وقسوتها والمصائب النازلة والعذابات المختلفة لا ترى أثراً أو علامة للضعف أو الوهن أو الاستسلام عندهم، لذا بشّر القرآن هولاء الصابرين والمُتحمّلين للمشكلات والمصائب ووعدهم بأعلى منزلة يمكن تصوّرها، ألا وهي: الحبّ الإلهي لهم. قال تعالى: (وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ)4.

هذا الحبّ هو ثواب إلهي أعطي للتعبويين المجاهدين الذين صبروا في الجبهات، ويُعطى لكل من يثبت في طريق الحقّ، وفي الحقيقة لا يمكن تصوّر أيّ ثواب أعلى من الحب الإلهي، لأنَّ الذي يصبح محبوباً لله تعالى سوف يكون مورداً للنِّعَمِ الكُبرى ومحلاً للفيوضات الإلهيَّة.

التعطّش للمغفرة الإلهية

يقول الله تعالى: (وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا)5.

تريد الآية الشريفة أن تشير إلى مسألة قد يظنّها البعض تناقضاً في شخصية المجاهدين، وهي أنّ لسان حال أتباع وأنصار الأنبياء عليهم السلام في مقابل المصائب والعذابات هو طلب الغفران لذنوبهم ولإسرافهم، لكن لماذا؟

لأنّ الذين كانوا في ركاب الأنبياء عليهم السلام لم يكونوا أناساً معصومين، بل كانت لديهم هفوات وزلات، وأخطاء وسكرات، هولاء يطلبون من الله تعالى أن يغفر لهم زلاتهم ويُوفقهم ليقدموا كامل وجودهم في طريق نصرة الأهداف الإلهية، وبالمقابل فإنّ الله تعالى يتجاوز - نتيجة صبرهم وتحملهم - عن إفراطهم وتفريطهم وما سلف من ذنوبهم.

طلب النصر والثبات

إنّ المجاهدين يواصلون السير في طريق الهداية بالرغم من كل النقائص والهفوات، والأمواج الشديدة والفتن التي تعترض طريقهم. لكن أشد ما يُقلقهم في هذا المسير وبشكل دائم هي (الحيل الشيطانية), إذ أنهم يخافون الوقوع في خُدع الشَّيطان فيلينون للباطل، وتضعف إرادتهم عن نُصرة الحقّ وبالتّالي هم دائماً في خطر الانحراف عن مسير الهداية.

وبعد مرحلة طلب المغفرة من الله تعالى, ينتقل المجاهد إلى استنزال النصر من عند الله, عبر الدعاء والتوسّل إليه, يقول الله تعالى: (وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)6.

فبالتثبيت الإلهي والتسديد الربّاني يستطيع المجاهدون إكمال المسيرة للوصول إلى الهدف المنشود والانتصار على الكفر والكافرين، لأنّه بحسب تربيتهم لا ملجأ لهم إلا إلى الله فهو القوّة العظمى والمطلقة, وهو كهفهم الحصين, وملاذهم الآمن وغياثهم عند الضرورة.

الحب المتبادل

إذا تتبّعنا الصّفات التي وردت في القرآن لأنصار الأنبياء عليهم السلام ومن زمن بعثة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم إلى اليوم، فإننا سنجد التعبويين المجاهدين مصداقاً جميلاً لهذه الصفات في زماننا.

نعم، لقد كانت في صدر الإسلام ثلَّةٌ أو مجموعة من أفضل الأصحاب والأنصار حول النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد كانت مُجاهدة، مُضحّية، يملوها الإخلاص والحبّ وقد حاربت حتى النهاية. أو كأنصار سيد الشهداء الذين حاربوا وثبتوا حتى النهاية واستشهدوا. لكن الآية الشريفة تقول: (رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ) يعني مجاهدون كثر، وبناءً عليه يمكن القول: إنه لا مصداق لهذه الآية في عصرنا أبرز وأوضح من هولاء التعبويين، لأنّنا شاهدنا هولاء الشهداء بأعداد كثيرة وبمئات الآلاف قد قدّموا أنفسهم وأرواحهم قرابين لله تعالى خلال الحرب الدّامية على إيران أو في لبنان على مرّ سنين الاحتلال والمقاومة.

فعلى هذا النحو يوجد آيات عديدة في القرآن، وقد وردتْ في تفسيرها روايات عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة المعصومين عليهم السلام مفادها أنها نزلت في شأن مجموعة من شيعة الإمام علي عليه السلام سوف تظهر في آخر الزمان.

ومن جملة الآيات التي يمكن تطبيقها على مصداق (رِبِّيُّونَ) في المجتمع الإسلامي، إضافة إلى أنّ شأن النُّزول يويّد هذا المطلب، هي الآية التالية حيث يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)7.

فإنّ لَحْنَ هذه الآية يفيدُ أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمومنين من حوله كانوا يعانون من وجود أفرادٍ ضعيفي الإيمان ومُزلزلي العقيدة، يغيّرون عقيدتهم ومواقفهم بين لحظة وأخرى.

والجدير بالذكر أنَّ عدَّةً من هولاء المسلمين كانوا يشاركون في صلاة الجماعة، ويصومون ويقومون بأعمال عبادية أخرى، لكنهم فيما بعد تراجعوا عن دينهم وتخلوا عن عقيدتهم, عندئذٍ أنزل الله هذه الآية لتعطي البشارة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وتقول له: لا تقلق ولا تحزن، وتخاطب المومنين الذين كانوا حول النبي صلى الله عليه وآله وسلم، مُحذّرة لهم:

لا تتوهّموا أنّ دين الله لن يقوم إلا بكم! وبدونكم سوف يُمحى هذا الدين! فحتَّى لو تخلى عدَّةٌ من النَّاس عن نُصرة دين الله، فلن يمضِ الوقت حتّى يأتي الله بقوم يُحبهم ويُحبونه، يعشقونه ويعشقون الشهادة في سبيله، هذا العشق وهذا الحبّ قد استقر من كلا الطرفين: (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)، لا يَلجُون ساحات الجهاد أداءً للتكليف فقط بل لأنّهم أهل الحب الإلهي أيضاً, وهذه هي نيّتهم وغايتهم الأسمى.

وهذه في الحقيقة بشارة عظيمة، تقوى بها العزائم والإرادات، وتجعل أصحاب الإيمان الضعيف يندفعون إلى ساحات العمل والحركة في سبيل الله لعلّهم يحظون بالحبّ الإلهي.

التواضع للمومنين والشدة على الكافرين

ومن العلامات المهمّة والصفات المميّزة للذين يُحبّهم الله ويحبونه: أنّهم أهل تواضع للمومنين، لا يعاندون أو يتكبّرون عليهم. غير أنهم في مقابل الأعداء والكفار والذين يعاندون الحقّ هم أهل شدّة وبأس، فلا ترى فيهم أيَّ خضوع أو استكانة، ولا تلمس في طرفهم أيّ لين وعطف، فهم كما وصفهم القرآن الكريم: (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُوْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ)8.

الاتكال على القدرة الإلهية

في نظر التعبويين الجهاديين تعد أقوى القدرات وأعتاها في الدنيا ضعيفة، لأنّهم في الحقيقة لا يعبأون ولا يبالون بأي قدرة على وجه الأرض، لاتكالهم على القوة العظمى الإلهية. وعلى سبيل المثال: بعد اقتحام وكر التجسّس الأميركي في طهران، شاع آنذاك في المجتمع أنَّ أميركا تريد إرسال أسطولها الحربيّ إلى الخليج الفارسيّ، وتشنُّ حملةً عسكرّيةً على إيران، لكنّ الإمام الخميني قدس سره تحدّث وبكل اقتدار وواجه أميركا قائلاً: بأن تلك القوى لا قدرة لها على فعل أيّ شيء!.

ففي الوقت الذي تموضعت فيه كلّ القوى المستكبرة، ضدّ الثّورة الإيرانيّة المباركة ولم يكن هناك بعد أيّ تشكيلات عسكريّة نظامية في إيران سواء على مستوى الجيش أو الحرس أو التعبئة، لكن على الرغم من كل تلك الظروف، قال الإمام الخميني قدس سره وبكل قوة:أميركا لا تستطيع أن ترتكب أية حماقة. لماذا؟

لأنّ المومنين لا يخضعون لأية قدرة شيطانية، ولأنّهم متّكلون على القدرة الإلهية اللامحدودة. هولاء المومنون هم أهل إيمان صادق ويقين جازم بقدرة الله المطلقة، ويعلمون أنّ الله سبحانه وتعالى والنبي والإمام الحسين وصاحب الزمان صلوات الله عليهم أجمعين لن يتخلوا عنهم، وسوف يكونون دائماً إلى جانبهم في أوقات الشدة، ولأنهم عليهم السلام هم خير ناصر ومُعين لتلك الثلة المجاهدة والمومنة.

مثل هولاء المجاهدين، ماذا يطلبون من الله؟ غاية طلبهم منه تعالى هو إلهامهم الثبات والنصر: (...وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)9.

1- سورة آل عمران، الآية 146.

2- سورة آل عمران، الآية 146.

3- سورة آل عمران، الآية 146.

4- سورة آل عمران، الآية 146.

5- سورة آل عمران، الآية 147.

6- سورة آل عمران، الآية 147.

7- سورة المائدة، الآية 54.

8- سورة المائدة، الآية 54.

9- سورة آل عمران، الآية 147.


الإعداد العقائدي‏ 

الحثّ على الجهاد 

التجهيز

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)