• عدد المراجعات :
  • 1173
  • 2/25/2006
  • تاريخ :

المنهج النبوي في بناء الوحده ..كيف يمكن تحقيقة ؟

كيف يمكن تحقيق الوحدة السياسية الاجتماعية في مجتمع يعيش انقسامات حادة على اساس قومي أو ديني– مذهبي , أو مناطقي أو قبلي ؟ هل يكون ذلك بالمراهنة على على تذويب الهويات وإ لغاء مشاعر الا

نتماء الخاص ؟ أو بغلبة طرف وإخضاعه لسائر الأطراف ؟ أم أن هناك أساليب وخيارات أصوب ؟

بامكاننا أن نقرأ في الأنجاز التاريخي الذي تحقق على يد رسول الله (ص) بقيام الدولة والمجتمع الأسلامي الأول ، تجربة ناجحة رائدة على هذا الصعيد. حيث يجمع المورخون أن مجتمع الجزيرة العربية قبل الاسلام كان ممزقاً لا يجمعة كيان , ولايلم شملة نظام , كانوا قبائل متناثرة, في أجواء علاقات مضطربة غالباً ما تقضي الى العداء والاحتراب , ومن يقرأ أيام العرب وهو ما يطلق على معاركها وحروبها , تدهشة تلك المعارك الضارية , التي تنشب لأتفة الأسباب , ففي كتاب (أيام العرب في الجاهلية) الذي اشترك في أعدادة ثلاثة من الباحثين , عرض لعشرات الحروب الداخلية بين القبائل العربية, فمعارك القبائل القحطانية فيما بينهم بلغت عشر معارك, وبين القبائل القحطانيين والعدنانيين عشر معارك, وفيما بين قبائل ربيعة ست معارك, ومابين ربيعة وتميم خمسة عشر معركة , وبين قيس وكنانة عشر معارك وبين قبائل قيس إحدى عشرة معركة وبين قيس وكنانة عشر معارك وبين قيس وتميم سبع معارك , وبين قبائل ضبة وغيرهم خمس معارك , وهناك معارك أخرى متفرقة , ويبدو أن هذه  الحروب التي عرضها المؤلفون , هي ماتناقلت كتب التاريخ والأدب أخبارها , أما سائر المعارك وهي كثيرة فقد تجاوزوا ذكرها أختيارنا… وروى صاحب كشف الظنون وغيرة : أن أبا عبيدة قد ألف كتاباً صغيراً حوى خمسة وسبعين يوماً (معركة) , وآخر كبيراً جمع فيه ألفا ومائتي يوم , وان أبا الفرج الأصفهاني ألف كتاباً جمع فيه ألفا وسبعمائة يوم…

الهوية المشتركة

في حالة الانقسام الاجتماعي تتضخم الهوية الخاصة عند كل طرف من الأطراف , فهي حدود الدفاع عن ذاته , وخندق مقاومته , وعنوان وجودة , ومن أجل أن يتوحد المجتمع , لابد أن تنخفض درجة الغليان والهويات الخاصة , لصالح هوية مشتركة يتمثل فيها وجود كل الأطراف , وترى من خلالها ذاتها بدرجة متماثلة .

وهنا لا يمكن أن تقوم هوية أحد الأطراف بهذا الدور , لأن بروزها يستثير تحدي بقية الهويات , وإعلائها يعني غلبتها واعتراف الاخرين بالهزيمه أمامها

فإذا كان المجتمع منقسماً على أساس قومي , فلا يمكن أن تشكل إحدى قومياته إطاراً لوحدتة , وتصبح هوية جامعة له , وكذا الحال لو كان متعدد الأديان أو المذهب , فإن أحدها لن يقوم بدور الجامع المشترك .

فلا بد من عنصر مشترك بين أجزاء المجتمع يتم إبرازه والتركيز عليه كهوية جامعة , أو تنمو حالة فكرية سياسية جديدة تتمحور حولها فئات المجتمع , وتصبح هدفاً مشتركاً وإطاراً جامعاً .

وهذا ماتحقق على يد رسول الله (ص) , ومن خلال دعوته الأسلامية المباركة , والتي أصبحت حاله سريعة النمو تخترق أوساط مختلف القبائل , وتبشر بتوجه جديد يحفز نحو أهداف سامية , ويتبنى قيما انسانية خضارية , تتجاوز أنانية الأفراد , وعصبية القبائل , وعبثية الحياة .

لقد أخذ الايمان موقعة في نفوس أبناء تلك القبائل المتصارعة , وتمحور حوله ولاؤهم , وتوثق له انتماؤهم , على حساب الولاء القبلي , والانتماء العشائري , فاصبح أطاراً جامعاُ وهوية مشتركه , يفخر به الجميع بدرجه متساوية على اختلاف فبائلهم وتفاوت مكانتها وقوتها

ثقافة الوحدة

حالة الانقسام والافرز الاجتماعي, تحفز آثارها في النفوس والمشاعر , بتضخيم الذات الفئويه , والحط من شأن المنافسين , والتعبئة تجاههم كما تنتج ثقافه تبرر التمايز , وتكرس المفاصلة , وقد تدفع إلى سلوكيات عدائية , وممارسة استفزازية .

وحين يحصل تطلع للوحدة في المجتمع , لا بد من ثقافة جديدة تعالج آثار ثقافة الانقسام , وتواجه مفاعليها النفسيه والسلوكية .

لقد كان الصراع والتنافس القبلي في الجزيرة العربية . دافعاً لتربية الأبناء على الفخر والاعتزاز بانتمائهم للقبيلة , وتنمية مشاعر التميز وأحاسيس الافضلية على الاخرين ب, وهذا ماتنضح به قصائد شعرائهم , وخطب زعمائهم .

والوجه الاَ لهذا اللون من الأديب الجاهلي هو أدب الهجاء , حيث يبالغ الشعراء في الحط من شأن القبائل المنافسة لقبيلتهم ,ووصفها بأسوأ النعوت , وأقبح الصفات .

وجاء الاسلام ليوحد تلك القبائل , فأهتم بمواجة تلك الاَيات الثفافية التمييزية السائده , باجتثاث جذورها النفسية والفكرية ,ومقاومة اَثارها السلوكية , حيث أكدت اَيات القراَن الكريم , على الأصل الواحد لبني البشر , الذي خلقكم من نفس واحدة , ونسقت كل مبررات التفاضل الزائفة بين الناس , إلا على أساس كسبهم الاختياري للصفات الفاضلة :"يا أيها الذين إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم "

وشدد رسول الله (ص)في خطاباتة وأحاديثة على مبادئ الوحدة بين أبناء المجتمع الاسلامي , وشن حرباً ضارية على الافكار والتصورات الجاهلية , بالتفاخر بالأنساب والأحساب , أو التفاضل بالانتماء القبلي أو العرقي . كقولة (ص) :"ليس منا من دعي إلى عصبية , وليس منا من قاتل على عصبية , وليس منا من مات على عصبية .

وروي عنة (ص) أنه خطب يوم فتح مكة فقال :"أيها الناس ليبلغ الشاهد الغائب , إن الله قد أذهب عنكم بالاسلام نخوة الجاهلية ,والتفاخر بآبائها وعشائرها , أيها الناس إنكم من آدم وآدم من طين , ألا وإن خيركم عند الله وأكرمكم علية اليوم أتقاكم وأطوعكم له"

وعن جابر بن عبد الله الأنصاري (رض) قال :خطبنا رسول الله (ص) في أوسط أيام التشريق خطبة الوداع فقال :" ياأيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد , إلا لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي , ولا لأحمر على أسود , ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى , إن أكرمكم عند الله أتقائكم .

وفي إحدى الغزوات حصل سوء تفاهم بين مهاجري وأنصاري فصاح أحدهما ياللمهاجرين وناى الآخر ياللأنصار , فلما سمع رسول الله (ص) أدان هذا المنطق قائلاً :" ما بال دعوى الجاهلية ؟ دعوها فإنها منتنة".

بالطبع فإن المرفوض هو تفعيل الانتماء القبلي سلبياً , وتضخيمه على حساب الولاء للمبدأ , دون أن يعني ذلك رفض الاعتراف بالانتماءات والإقرار بالكيانات القبلية في مضمونها الايجابي .

        الشراكة الفعلية

لاشيء يحقق وحدة المجتمع كالشراكة الفعلية بين أطرافه في البناء واتخاذ القرار وإدارة الامور , فذلك هو مايشعر الجميع بمصلحتهم المشتركة في الحفاظ على كيان الوحدة , ورفض مايمس بها , كما يجسد واقع المساواة في الحقوق والواجبات , أما إذا استأثرت بعض الاطراف بذلك , فإن الآخرين سيملكهم الإحساس بالغبن والظلامة , وسيدفعهم شعورهم بالإقصاء والتهميش إلى القيام بردود فعل ليست في صالح الوحدة واستقرار المجتمع . إن إقصاء أي طرف يحرم المجتمع من فاعليتة وعطائه , ويفتح ثغرة في جدار وحده المجتمع وأمنه .

ومن مفاخر الإسلام العظيمة سبقه إلى إقرار مبدأ المشاركة الشعبية , والشراكة الاجتماعية ,وفي وقت كانت ترزح فيه المجتمعات البشرية في ظل أنظمة الاستبداد والعنصرية والطبقية البغيضة . كان رسول الله (ص) يمارس الشوري على الصعيد الاجتماعي العام , ليدلي كل مسلم برأيه , كبيراً كان أو صغيراً , من الأحرار أ, الموالي , من المهاجرين أو الأنصار , ومن أية قبيلة كان ,وحتى العناصر غير العربية أخذت موقعها دون أي تفاوت , بل احتل بعضعها موقعاً متميزاً بجدارته كصهيب الرومي وسلمان الفارسي .

وفي مجال الوظائف والمهام القيادية , كان رسول الله (ص) يسندها إلى الإكفاء المؤهلين من مختلف القبائل , ولو أعطى هذا الجانب من نالسيرة النبوية حقه من الدراسة ,لتجلت لنا وللبشرية روعة تعاليم الإسلام , وعظمة القيادة النبوية .

إن قائمة أمراءالجيوش والسرايا , وكذلك السفراء المبتعثين للملوك والزعماء , والشخصيات التي عينها الرسول (ص) في مواقع القضاء والمسؤوليات الدينية , هذه القوائم حين نفصحها نرى التنوع في الانتماء القبلي والمناطقي لأ شخاصها .وبعض التعيينات كانت تشكل تصدمة وإثارة للرأي العام الذي كان يعاني من رواسب الحقبة الجاهلية .لكن رسول الله (ص) كان حازماً في تحقيق مبدأ الشراكة واحترام الكفاءة .

ففي يوم فتح مكة أمر رسول الله (ص) بلالاً الحبشي الأسود, الذي كان عبدأ يباع ويشترى في مكة . وأوقع به أسيادة القريشيون صنوف الإهانة والتنكيل , حتى أغروا صبيانهم وسفهاءهم أن يقتادوه بحبل ليسخروا منه ويؤذوه . هذا الرجل اختاره رسول الله (ص) ليكون أول مؤذن على ظهر الكعبة , مما أسثار حفيظة الكثير من القرشيين , حتى قال أحدهم لصاحبه : لقد أكرم الله أبي أن مات والا يكون سمع هذا   وكان الحارث بن هشام وصفوان بن أمية قاعدين فقال أحدهما للآخر : انظر إلى هذا الحبشي   فقال الآخر , إن يكرهه الله يغيره

وحينما عين رسول الله (ص) زيد بن حارثه وهو عبد اشتراه حكيم بن حزام ثم وهبه لعمته خديجة بنت خويلد , فوهبته لرسول الله (ص) وعينه الرسول (ص) على رأس جيش المسلمين إلى الروم في غزوة مؤته إلى جانب جعفر الطيار وعبد الله بن رواحة , اعترض البعض على هذا التعيين , فرد عليهم رسول الله (ص) ومن ثم عين ولده الشاب أسامة ابن زيد على رأس آخر بعث عسكري له (ص) وجعل تحت إمرته كبار المهاجرين والأنصار .

قال ابن سعد في الطبقات :" لما كان يوم الأثنين لأربع ليال من صفر سنة إحدى عشرة للهجرة , أمر رسول الله (ص)الناس بالتهيؤ لغزو الروم , فلما كان من الغد دعا أسامة ابن زيد فقال له سر إلى موضع مقتل أبيك فإوطئهم الخيل , فقد وليتك هذا الجيش… فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين الأولين والانصار إلا انتدب في تلك الغزوة , فيهم أبو بكر الصديق , وعمر بن الخطاب , وأبو عبيدة بن الجراح ,وسعد بن أبي وقاص… فتلكم فوم وقالوا : يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الأولين  ؟ فغضب رسول الله (ص) غضباً شديداً فخرج وقد عصب على رأسه عصابة , فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد أيها الناس فما مقالة بلغتني عن بعضكم في بأميري أسامة ؟ ولئن طعنتم في إمارتي أسامة لقد طعنتم في إمارتي أباه من قبلة . وأيم الله إن كان للإمارة لخليقا وإن ابنه من بعده لخاليق للإمارة…

     نهج الوحدة والحضارة

هذا النهج الوحدوي الذي اعتمده رسول الله في بناء الامة , بتركيز الهوية المشتركة ,وهي الإسلام , لتكون حقوق سائر الهويات والانتماءات , والتي لم يتنكر الإسلام لوجودها , كالقبيلة والوطن والقوم , وإنما حارب التوجهات السلبية فيها , وضخ في المجتمع الجديد ثقافة وحدوية , تعالج آثار المفاضلة القبلية السائدة , وكذلك الحرص على تحقييق الشراكة الاجتماعية بين مختلف الإطراف في البناء واتخاذ القرار وإدارة الإمور… هذا النهج هومايؤدي إلى الوحدة الحقيقية ,وهو مايؤهل المجتمع للرقي الحضاري ,

وما تنتهجه الآن المجتمعات الغربية المتقدمة , من اعتماد الوطن كهوية مشتركة , ومن احترام التنوع في مجتمعاتها , وتجريم الطروحات العنصرية ,والممارسات التمييزية بين المواطنين , وتحقيق الشراكة والمشاركة عبر النظام الديمقراطي , إنما يمثل إدراكاً لأفضل سبل التقدم والحضارة التي سبق إليها الإسلام بقرون , ومع تلاقي الكثير من الثغرات والسلبيات التي تعاني منها الحضارة الغربية . والمسلمون اليوم هم الأولى بمثل هذا النهج السليم , النابع من تعاليم دينهم , والمنسجم مع تاريخهم وثقافتهم الأصيلة .

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)