• عدد المراجعات :
  • 1684
  • 2/18/2006
  • تاريخ :

ثبوت النّص القرآني و دور المسلمين

ثبوت النّص القرآنی

من البحوث القرآنية الهامة هذا البحث الذي نحن بصدده. لان نتيجة هذا البحث سوف تؤكد لنا سلامة المضمون في النص القرآني و سلامة الأسس والمفاهيم والأحكام المذكورة فيه.

والنقطة موضوعة البحث هي مدى مطابقة هذا النص القرآني مع الوحي الذي نزل على

الرسول الاعظم (ص) ومدى سلامة الطريقة التي وصلنا بها هذا النص، الامر الذي يجعله في منجاة عن التحريف والتشويه.

وحين نريد ان نرجع الى تاريخ هذا البحث نجده من البحوث القرآنية التي تناولها الباحثون منذ العصور الاولى للبحث القرآني خصوصاً اذا نظرنا اليه من خلال النصوص والاحاديث التي تناولته. ولكن الآراء العلمية تكاد ان تتفق على نتيجة واحدة وهي قطعية التطابق بين النص القرآني المتداول والوحي الذي نزل على الرسول الاعظم (ص).ومع كل هذا نجد ان خلافاً نسب الى علماء الامامية وغيرهم في هذا الموضوع حيث قيل عنهم انهم يقولون بتحريف القرآن الكريم.

كما ان شبهة التحريف اصبحت فيما بعد مجال الاستغلال المتنوع للطعن في القرآن الكريم من قبل مختلف التيارات الكافرة التي واجهها المسلمون في عصورهم القديمة والحديثة، وكانت آخرها محاولات التبشير التي قادها المستشرقون وغيرهم للتشكيك في سلامة النص القرآني.

وعلى اساس كل من الخلافين نجد البحث حول هذه النقطة يواجه مسؤوليتين :

- الاولى: مسؤولية مناقشة هذه الشبهة وتحقيق فسادها وبطلانها على اساس الفرضية الاسلامية ومستلزماتها التي تعترف بالنصوص الدينية، القرآنية او الصادرة من النبي واهل بيته الكرام.

- الثانية : مسؤولية مناقشة هذه الشبهة على اساس البحث الموضوعي وما تفرضه طبيعة الاشياء من نتائج دون الالتزام بالنصوص الدينية ومستلزمات الايمان ببعضها.

والمواجهة الاولى قد تبدو انها اسهل منالاً ولكنها لا تحقق الغرض تجاه الفرد المسلم الذي يؤمن بالاسلام ونصوصه الدينية ورجاله الطيبين.. الامر الذي يفرض علينا ان نعطي المواجهة الثانية حقها من الاهمية لانها تحقق الغرض بشكل شامل وتقطع الطريق على الشبهة عند كل واحد من الناس حتى لو كان غير مؤمن بشيء من الفرضية الاسلامية.

ونكتفي هنا ان نشير - بصدد المواجهة الاولى - الى ان الرأي السائد لدى علماء الامامية هو التزام بسلامة القرآن الكريم من التحريف كما أن السيد الخوئي قد تحدث بشكل تفصيلي وجيد عن الشبهة(1). حين تناولها في الاطار الاسلامي وانتهى الى الحق الذي لا شبهة فيه وهو سلامة النص القرآني من التحريف(2).

لذا فسوف نخص بالبحث المواجهة الثانية وندرس الشبهة على اساس موضوعي وبمقتضى ما تفرضه طبيعة الاشياء من نتائج.

جمع القرآن في زمن النبي

نقصد بطبيعة الاشياء مجموع الظروف والخصائص الموضوعية والذاتية التي عاشها النبي والمسلمون والقرآن او اختصوا بها مما يجعلنا نقتنع بضرورة قيام النبي (ص) بجمع القرآن في عهده. وهذه الظروف والخصائص هي ما يلي : -

أ - يعتبر القرآن الكريم الدستور الاساسي للامة الاسلامية وهو يشكل الزاوية الرئيسية التي يقوم عليها كيان الامة العقيدي والتشريعي والثقافي الى جانب المناهج الاسلامية الاخرى عن المجتمع والاخلاق. كما انه يعتبر أتقن المصادر التاريخية لديها وأروع النصوص الادبية. ولم يكن المسلمون في صدر حياتهم الاجتماعية يملكون شيئاً من القدرات الفكرية والثقافية في مختلف الميادين التي يخوضها الفكر الانساني، فالقرآن بالنسبة لهم كامة حديثه يمثل المحتوى الروحي والفكري والاجتماعي لهم.

فمثلاً لم تكن الامة الاسلامية حينذاك تملك من الثقافة العقيدية ما تبني عليها ايمانها الراسخ بوحدانية الله سبحانه وانحراف اصحاب الديانات الأخرى في نظرتهم الى المبدأ والمعاد... غير الادلة والبراهين القرآنية. والكلام ذاته يمكن ان يقال بالنسبة الى المجالات الاخرى فكرية كانت ام روحية ام ثقافية. 

كل هذا يعطينا صورة بارزة عن الاهمية الذاتية التي يتمتع بها القرآن الكريم بالنسبة الى حياة المسلمين ويحدد النظرة التي يحملها المسلمون كأمة تتمتع بقيادة النبي (ص) الحكيمة - الى القرآن الكريم.

ب - لقد عكف المسلمون منذ البدء على حفظ القرآن واستظهاره انطلاقاً من نظرتهم الى القرآن الكريم وشعوراً بالاهمية التي يحتلها في حياتهم الاجتماعية ومركزه من الدور الذي ينتظرهم في الحياة الانسانية.

وقد تكونت نتيجة هذا الاقبال المتزايد منهم على حفظه واستظهاره جماعة كبيرة عرفت بحفظها القرآن الكريم واستظهارها لنصه بشكل مضبوط.

ولكن السؤال عن كفاية هذه الوسيلة في جعل القرآن بمأمن عن التحريف والتزوير نتيجة للخطأ والاشتباه. او تعرضهم لظروف وعوامل اخرى تمنعهم عن القيام بدورهم في حفظ النص القرآني من هذه الاخطار ؟؟.

ان الصحابة الذين عرفوا بحفظ القرآن.. مهما بلغوا من الورع والتقوى والامانة والاخلاص فهم لا يخرجون عن كونهم اشخاصاً عاديين يعتورهم الخطأ والنسيان. كما ان ظرفهم التاريخي وطبيعة المسؤولية الملقاة على عاتقهم كانت تعرضهم للاستشهاد فالقتل والانتشار في الاقطار الاسلامية بغية الدعوة لله سبحانه. وكل هذه الامور التي كانت متوقعة تصبح خطراً على النص القرآني اذا ترك مرتبطاً في حفظه بهذه الوسيلة ومرتهناً بهذا الاسلوب.

ويكفينا في تحقيق الخطر على النص القرآني ان يقع بعض الصحابة البعيدين عن المدينة المنورة في اشتباه معين في النص القرآني ليقع الاختلاف بعد ذلك حينما يفقد المسلمون المرجع الاصيل لضبط النص.

ونحن هنا لا نريد ان نقول ان هذا الشيء قد تحقق فعلاً وان المسلمين قد وقعوا في هذا الاختلاف والخطأ ولكن نريد ان نؤكد ان هذا الامر كان خطراً ماثلاً يمكن ان يقع فيه المسلمون في بعض الظروف.

ج - وقد كان الرسول (ص) يعيش مع الأمة في آمالها وآلامها مدركاً لحاجاتها وواعياً للمسؤولية العظيمة التي تفرضها طبيعة الظروف المحيطة بتكوينها والاخطار التي تتهددها. وهذا الادراك والوعي نتيجة الدور العظيم الذي قام به منذ البعثة حتى وفاته عليه الصلاة والسلام. فقد عاش حياة الاضطهاد والضغط اللذين كانا وليدي قيامه بالدعوة الى الله سبحانه وعمله على تغيير الامة وقلب واقعها الفكري والاجتماعي. ومثل هذا الدور يحتاج الى مهارة عظيمة وادراك دقيق لواقع المجتمع وتقدير للآثار والنتائج مع فهم للنفس البشرية وما تنطوي عليه من خير وشر.

ثم عاش حياة القيادة وسياسة الامة وادارة شؤونها في أصعب الظروف التاريخية حيث انشاء الدولة وتوطيد التشريع والنظام في مجتمع كان لا يعرف الا لوناً باهتاً عن كل ما يمت الى المجتمعات البشرية المنظمة، ويؤمن بمفاهيم وافكار بعيدة عن المفاهيم والافكار الجديدة فمارس الحرب والجهاد وبلى المكر والخداع والنفاق والارتداد الى غير ذلك من الاساليب والظروف المختلفة في أبعادها وآثارها.

وكان على معرفة بتاريخ الرسالات الالهية ونهايتها على يد المزورين والمحرفين وتجار الدين.

فالانسان الذي يكون قد خبر الحياة الانسانية بهذا الشكل وحمل اعباء الرسالة والدعوة وقاد الانسان في مجاهل الظلام حتى اورده مناهل النور والحق... لا يمكن ان نشك في ادراكه لمدى ما يمكن ان يتعرض له النص القرآني من خطر حينما يربط مصيره بالحفظ والاستظهار في صدور الرجال.

د - وامكانات التدوين والتسجيل كانت متوفرة لدى الرسول (ص) حيث لا تعني هذه الامكانات حينئذ الا وجود اشخاص قادرين على الكتابة يتوفر فيهم الاخلاص في العمل الى جانب توفر أدوات الكتابة. وليس هناك من يشك تاريخياً في تمكن المسلمين من كل ذلك.

ه - والاخلاص للقرآن الكريم وأهدافه لا يمكن ان نجد من يشك في توفره لدى النبي (ص) مهما بلغ ذلك الشخص من التطرف في الشك والتفكير. لأن النبي (ص) - حتى على اسوأ التقادير والفروض التي يفرضها الكافرون برسالته والمنكرون لنبوته - لا يمكن إِلا ان يكون مخلصاً للقرآن الكريم لانه يؤمن بأن القرآن معجزته وبرهان دعوته الذي به تحدى المشركين وهو على هذا الايمان بالقرآن لابد وان يحرص على حفاظه ويكون مخلصاً في ذلك أبعد الاخلاص.

و - تحدي القرآن لمن يأتي بمثله يجعل من الضروري جمعه لكي لا تختلط على الناس المحاولات التي أبداها البشر لتقليد القرآن و محاكاته ببعض الكلام وهذه العناصر الخمسة هي التي تكون اليقين بانّ القرآن الكريم قد تم جمعه وتدوينه في زمن الرسول (ص) لان اهمية القرآن الذاتية مع وجود الخطر عليه والشعور بهذا الخطر وتوفر ادوات التدوين والكتابة ثم الاخلاص للقرآن حين تجتمع لا يبقى مجال للشك بتدوين القرآن في عهد رسول اللّه وكتابته في زمانه.

الشبهة حول طبيعة الاشياء :

وليس عندنا في مقابل دلالة طبيعة الاشياء هذه غير الروايات التي جاءت تذكر ان القرآن الكريم قد جمع في عهد أبي بكر حيث جمع القرآن من العسب والرقاق واللخاف ومن صدور الناس بشرط ان يشهد شاهدان على أنه من القرآن كما جاء ذلك في قصة جمع القرآن المروية عن زيد بن ثابت(3).

والواقع ان النصوص والروايات التي جاءت تتحدث عن قصة الجمع ليست متفقة على صيغة واحدة ولا على مضمون واحد فهي تنسب الجمع الى اشخاص مختلفين كما انها تختلف في زمان الجمع وطريقته والعهد الذي تم فيه(4).

وهي من أجل ذلك كله لا يمكن الاخذ بمضمونها الفعلي وانما يمكن ان تفسر وجودها بأحد تفسيرين :

- الاول : ان هذه الروايات جاءت بصدد الحديث عن جمع القرآن بشكل مصحف منتظم الاوراق والصفحات الامر الذي تم في عهد الصحابة، وليست بصدد الحديث عن عملية جمع القرآن بمعنى كتابته عن بعض الاوراق وصدور الرجال كما تشير اليه بعض هذه الاحاديث.

وهذا التفسير هو ما يفرضه منطق الالتزام بصحة المضمون الاجمالي الذي تؤكد عليه الروايات بأكملها.

- الثاني : ان ظهور هذه الروايات على أساس انها قصص وضعت في عهود متأخرة عن عهد الصحابة لاشباع رغبة عامة في معرفة كيفية جمع القرآن. ونحن نعرف من دراستنا للتاريخ الاسلامي ان حركة القصة حين بدأت فانما بدأت تعيش الاطار الديني وكان ذلك في اواخر عهد الصحابة وتطورت في عهد التابعين ونمت في عصور متأخرة. واعتمدت بشكل رئيسي على الاسرائيليات وعلى الوضع والخيال الذي يحاول ان يحقق أغراضاً اجتماعية معينة.

وهذه الحركة القصصية ليست بدعاً في التاريخ الاسلامي فحسب.. بل هي رغبة عامة عاشت في مختلف العصور التاريخية القديمة منها والحديثة ولازلنا نشاهد القصة التي تعتمد على أحداث ووقائع خيالية وتستمد مقوماتها واتجاهاتها وأغراضها من الواقع الاجتماعي المعاش.

ونحن وان كنا نرغب ان نتجه في تفسير هذه الاحاديث الى الطريقة الاولى ولكن لا نجد مانعاً من طرح هذا التفسير الآخر كأساس للدراسة الموضوعية المفصلة لهذه الاحاديث وغيرها.

وبالاضافة الى ذلك كله نجد نصوصاً أخرى تصرح بأن القرآن الكريم قد تم جمعه في زمن الرسول (ص) بحيث تصلح ان تقف في مواجهة هذه النصوص(5).

اذن فمن الضروري ان نلتزم بأن القرآن الكريم قد تم جمعه وتدوينه زمن الرسول الله (ص) بشكل كامل متقن يمنع من تسرب التشويه والتزوير اليه.

كيف يقع التحريف ؟

ولابد لنا من اجل ايضاح سلامة النص القرآني من التحريف ان نذكر الحالات التي يمكن ان نتصور وقوع التحريف فيها مع مناقشة كل واحدة منها.

1 - ان يقع التحريف في عهد الشيخين بصورة عفوية دون ان يقصدا حذف شيء من القرآن وذلك بسبب الغفلة عن بعض الآيات او عدم وصولها الى أيديهم.

2 - ان يقع التحريف في عهد الشيخين مع فرض الاصرار منهما عليه بشكل مسبق ومدروس.

3 - ان يقع التحريف في فترة عهد الخليفة عثمان.

4 - ان يقع التحريف في غير عهد الخلفاء كما نسب ذلك الى الحجاج بن يوسف الثقفي. وهناك حالة خامسة لا مجال ان نتصور وقوع التحريف فيها وهي ان نفرض وقوعه من قبل بعض أفراد الرعية من الناس لان هؤلاء لا قدرة لهم على مثل هذا العمل مع وجود السلطة الدينية التي تعرف القرآن الكريم وتحميه من التلاعب والتي هي المرجع الرسمي لتعيين آياته وكلماته لدى الناس.

اما الحالة الاولى فيمكن ان تناقش من ناحيتين :

أ - النتيجة السابقة التي توصلنا اليها في دراستنا لتاريخ جمع القرآن حيث ان القرآن الذي تم جمعه في عهد الرسول الاعظم لا يمكن ان يكون إِلا دقيقاً ومتقناً لرعاية الرسول لجمعه ومع وجود هذا القرآن لا مجال لان نتصور وقوع الغفلة او الاشتباه من الشيخين او من غيرهما كما لا يمكن ان نحتمل عدم وصول بعض الآيات اليهم.

ب - ان هناك عوامل عديدة لوجود القرآن الكريم بأكمله لدى جماعة كبيرة من المسلمين وهذا يشكل ضمانة حقيقية لوصول القرآن الكريم بكامله الى الدولة في عهد الشيخين دون نقيصة. وهذه العوامل يمكن ان نلخصها بالاسباب التالية :

1 - ان القرآن الكريم يعتبر من أروع النصوص الادبية وابلغها تعبيراً ومضموناً وقد كان العرب ذوي اهتمام بالغ بهذه لانها تكون ثقافتهم الخاصة سواء في الناحية التعبيرية او في الناحية الفكرية والاجتماعية. ونجد آثار هذا الاهتمام ينعكس على حياتهم الخاصة والعامة فيحفظون الشعر العربي والنصوص الادبية الاخرى ويستظهرونها، ويعقدون الندوات والاسواق للمباراة والتنافس في هذه المجالات. وقد يصل بهم الاهتمام الى درجة الاحتفاظ ببعض النصوص في أماكن مقدسة تعبيراً عن التقدير والاعجاب بهذا النص كما يذكر ذلك بالنسبة الى المعلقات في الكعبة الشريفة.

وقد دفعت هذه العادة الشائعة بين المسلمين حينذاك كثيراً منهم الى حفظ القرآن الكريم واستظهاره.

2- ان القرآن الكريم كان يشكل بالنسبة الى المسلمين حجر الزاوية الرئيسية في ثقافتهم وافكارهم وعقيدتهم، وقد تعرفنا على ذلك في النقطة الاولى من طبيعة الاشياء التي سقناها لابراز مدى اهتمام المسلمين بالقرآن.

وكما ان هذا الامر دفع النبي (ص) لتدوين القرآن الكريم لحفظه من الضياع كذلك دفع المسلمين الى استظهار القرآن الكريم وحفظه بدافع الاحتفاظ بأفكاره وثقافته ومفاهيمه والتعرف على التشريعات الاسلامية التي تضمنها.

3 - ان القرآن الكريم على اساس ما يحتويه من ثقافة كان يعطي الجامع له امتيازاً اجتماعياً بين الناس يشبه الامتياز الذي يحصل عليه العلماء من الناس في عصرنا الحاضر.

وتعتبر هذه الميزة الاجتماعية احدى العوامل المهمة لتدارس العلوم وتحصيلها في جميع العصور الانسانية. فمن الطبيعي ان تكون احدى العناصر المؤثرة في استظهار القرآن الكريم وحفظه.

وقد حدثنا التاريخ عن الدور الذي كان يتمتع به القراء في المجتمع الاسلامي بشكل عام وعين القداسة التي كان ينظر اليهم بها المسلمون.

لقد كان النبي (ص) كرائد للامة الاسلامية وموجه لها يحرض المسلمين ويحثهم على حفظ القرآن واستظهاره.

ونحن نعرف ما كان يتمتع به النبي (ص) من حب عظيم في نفوس كثير من المسلمين وما كان يملكه من قدرة على التأثير في حياتهم وسلوكهم الامر الذي كان يدفع المسلمين الى الاستجابة له في كثير من التوجيهات، دون الالتفات الى مدى لزومها الشرعي.

4 - الثواب الجزيل الذي وضعه الله سبحانه لقراء القرآن وحفظته ورغبة الكثيرين من المسلمين حينذاك من الاستزادة من هذا الثواب خصوصاً انهم كانوا جديدي عهد بالاسلام فهم يحاولون ان ينعكس الاسلام على جميع تصرفاتهم.

وقد كان لبعض هذه العوامل او جميعها تأثير بالغ الاهمية في حياة المسلمين حيث حدثنا التاريخ الاسلامي عن وجود جماعات كثيرة من المسلمين عرفوا بالقراء من ذوي العقيدة الصلدة كان لهم دورهم في الحياة الاجتماعية وميزتهم في ترجيح جانب على آخر عند الخلافات السياسية التي عاشها المسلمون.

5 - وبالاضافة الى ذلك تفرض طبيعة الاشياء ان يكون قد دون القرآن الكريم وكتبه كل مسلم عنده القدرة على التدوين والكتابة لان أي جماعة او أمة تهتم بشيء وترى فيه معبراً عن جانب كبير من جوانب حياتها.. فهي تعمل على حفظه بشتى الوسائل ولا شك ان الكتابة - عند من يتقنها - من أيسر هذه الوسائل وأسهلها.

ولذلك نجد بعض النصوص تشير الى وجود عدد من المصاحف او قطعات مختلفة منه عند كثير من الصحابة.

ولا بد لنا ان ننتهي الى ان القرآن الكريم بسبب هذه العوامل كان موجوداً في متناول الصحابة ولم يكن من المعقول فرض التحريف نتيجة  الغفلة او الاشتباه او عدم وصول بعض الآيات القرآنية.

وأما الحالة الثانية : فهي فرضية غير صادقة اطلاقاً، لان دراسة عهد الشيخين والظروف المحيطة بهما تجعلنا ننتهي الى هذا الحكم وتكذيب هذه الفرضية.

ذلك لأن التحريف المعتمد يمكن ان يكون لاحد السببين التاليين :

أولاً - ان يكون بسبب رغبة شخصية في التحريف.

ثانياً - ان يكون بدافع تحقيق أهداف سياسية. كأن يفرض وجود آيات قرآنية تنص على موضوعات ومفاهيم خاصة تتنافى مع وجودهما السياسي.

اما بالنسبة الى السبب الاول فنلاحظ عدة أمور :

1 - ان قيام الشيخين بذلك يعني في الحقيقة نسف القاعدة التي يقوم عليها الحكم حينذاك حيث انه يقوم على أساس الخلافة لرسول الله والقيمومة على الامة الاسلامية. وليس من المعقول ان يقدما على تحريف القرآن ويعملا على معاداة الاسلام دون تحقيق أي مكسب ديني او دنيوي. وهل يعني ذلك الا فتح الطريق امام المعارضة لتشن هجوماً مركزاً يملك اقوى الاسلحة التي يمكن استخدامها حينذاك.

2 - ان الامة الاسلامية كانت تشكل حينذاك ضمانة اجتماعية عن قيام أحد من الناس مهما كان يملك من قدرة وقوة بمثل هذا العمل المضاد للاسلام دون ان يكون له رد فعل هائل في صفوفها. لان المسلمين كانوا ينظرون الى القرآن الكريم على انه شيء مقدس غاية التقديس وانه كلام الله سبحانه الذي لا يقبل أي تغيير او تبديل. كما انهم ناضلوا وجاهدوا في سبيل مفاهيم القرآن واحكامه وضحوا بأنفسهم من أجل هذا الدين الجديد الذي كان يشكل التصرف في القرآن - في نظرهم - خروجاً عنه وارتداداً عن الالتزام به.

3 - ان الحكم في عهد الشيخين لم يسلم من وجود المعارضة التي كانت ترتفع أصواتها احياناً من اجل خطأ يقع فيه الخليفة في تطبيق بعض الاحكام.. ومع هذا لا نجد في التاريخ أي اشارة الى الاحتجاج او ما يشبه الاحتجاج مما يشير الى وقوع هذه الفرضية فكيف يمكن ان تسكت المعارضة في كلامها وأقوالها زمن الشيخين او بعدهم عن كل ذلك.

ومن هنا يتضح موقفنا من السبب الثاني : -

أولاً - ان وعي الامة ونظرتها المقدسة للكتاب وصلته بالله بشكل لا يقبل التغيير والتبديل لا يسمح بوقوع مثل هذا العمل مطلقاً.

ثانياً - ان المعارضة لا يمكن ان تترك هذه الفرصة تمر دون ان تستغلها في صراعها مع العهد والخليفة مع اننا لا نجد اشارة الى ذلك في كلامهم.

ثالثاً - ان المناقشة السياسية التي شنتها الزهراء سلام الله عليها ومن بعدها أمير المؤمنين وجماعته المؤمنون بامامته لم تتناول أي نص قرآني غير مدون في القرآن الكريم الموجود بين ايدينا ولو كان مثل هذا النص موجوداً في القرآن لكان من الطبيعي ان يستعملوه اداة لكسب المعركة الى جانبهم واظهار الحق الذي ناضلوا من أجله.

وأما الحالة الثالثة : فهي تبدو اكثر استحالة وبعداً عن الحقيقة التاريخية من سابقتيها وذلك للأسباب التالية : -

أولاً - ان الاسلام - والى جنبه القرآن الكريم - قد اصبح منتشراً بشكل كبير بين الناس وفي آفاق مختلفة. وقد مر على المسلمين زمن كبير يتداولونه او يتدارسونه فلم يكن في ميسور عثمان - لو اراد ان يفعل ذلك - ان ينقص منه شيئاً بل ولم يكن ذلك في ميسور  من هو اعظم شأناً من عثمان.

ثانياً - ان النقص اما ان يكون في آيات لا مساس فيها بخلافة عثمان، وحينئذ فلا يوجد أي داع لعثمان ان يفتح ثغرة كبيرة في كيانه السياسي. وأما ان يكون في آيات تمس خلافة عثمان وامامته السياسية، فقد كان من المفروض أن تؤثر مثل هذه الآيات في خلافة عثمان نفسه فتقطع الطريق عليه في الوصول الى الخلافة.

ثالثاً - ان الخليفة عثمان لو كان قد حرف القرآن الكريم لاتخذ المسلمون ذلك أفضل وسيلة للثورة عليه واقصائه عن الحكم او قتله. ولما كانوا في حاجة للتذرع في سبيل ذلك الى وسائل وحجج أخرى ليست من الوضوح بهذا القدر.

رابعاً - ان الخليفة عثمان لو كان قد ارتكب مثل هذا العمل لكان موقف الامام علي عليه السلام تجاهه واضحاً ولأصر على ارجاع الحق الى نصابه في هذا الشأن. فنحن حين نجد الامام علياً (ع) يأبى الا ان يرجع الاموال التي اعطاها عثمان الى بعض اقربائه وخاصته ويقول بشأن ذلك (والله لوجدته قد تزوج به النساء وملك به الاماء لرددته فان في العدل سعة ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه اضيق)(6).. لابد ان نجزم باستحالة سكوته عن مثل هذا الامر العظيم على فرض وقوعه.

ومن هذه المناقشة التفصيلية للحالات الثلاثة السابقة يتضح موقفنا من الحالة الرابعة. فان الحجاج بن يوسف الثقفي او غيره من الولاة لا يمكن ان نتصور فيهم القدرة على تحريف القرآن الكريم بعد أن عم

-----------------------------------------------------------

الهوامش

(1) راجع بهذا الصدد السيد الخوئي : البيان في تفسير القرآن : 138 - 139.

(2) المصدر السابق : 144 - 156.

(3) البخاري : باب جمع القرآن 6/98.

(4) السيد الخوئي : البيان في تفسير القرآن : 162 - 164.

(5) راجع البيان : 164 - 166.

(6) نهج البلاغة : فيما رده على المسلمين من قطائع عثمان.


روايات التحريف

معنى التحريف

تحريف القرآن (  المقدِّمة )

 

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)