• عدد المراجعات :
  • 132
  • 8/10/2004
  • تاريخ :

إصلاح البيئة لا تكون بالشعارات

عن اللطيف الخبير في كتابه الكريم: (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها، ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين).

يبقى منطق القوة والضعف هو الحاكم في كثير من العلاقات الإنسانية مما يحدونا أن نشعر في قرارة أنفسنا أن الوعي الإنساني لم يبلغ بعد مستوى – الإنسانية – إن أسعفنا التعبير بها.

فعلى هامش الإصلاحات الشرق أوسطية من تبديل السياسات الدكتاتورية والاقتصاد الحديث وتبني مشروع الشرق الأوسط الكبير وتجديد الخطاب الديني والتي لم تروج هذه الإصلاحات إلا في الدول النامية أو الإسلامية أما الدول الغنية فغير معنية بها وخارج دائرتها، فهو على الأصح إصلاح مفروض من طرف أحادي – يجدر بنا أن نساهم في عملية الإصلاح إمام لرغبتنا في التحرر من أغلال كثيرة تقيدنا أو للفرض الواقع علينا.

فنقول حبذا لو توجه أنظار المصلحين في العالم إلى قضايا البيئة من ضمن قضاياهم الإصلاحية فهناك العديد من القضايا البيئية التي لا بد من النظر إليها بعين التحليل والاعتبار، وهي إن كانت متغيرة زماناً ومكاناً (كأي قضية كونية أخرى) إلا أن العالم بدأ يصنفها ضمن الحقائق الثابتة التأثير، ويحس بأهمية إدراجها ضمن تخطيطه الاستراتيجي للأجيال القادمة.

وقد ذكر من هذه الحقائق: تزايد عدد سكان العالم بمعدل سنوي متوسطه حوالي 2% أي أن هناك ما يقارب 100 مليون إنسان يولدون كل عام، منهم (80%) من العالم الثالث الفقراء، و(20%) من العالم الأول الأغنياء، وبعكس هذه النسبة يلوّث الأغنياء (80%) من البيئة (ماء، تربة، غلاف جوي، غابات، طاقة) فالطفل الأمريكي على سبيل المثال يستهلك بالمتوسط من موارد العالم وبالمقابل يلوث من البيئة العالمية خمسين ضعفاً مما يستهلكه الطفل في الدول الفقيرة، وبالتالي ما يلوثه من البيئة العالمية، ولذلك فالنداءات والحملات العالمية والمؤتمرات تتجاهل هذه القضية أو لم تضع في اعتبارها بما يتناسب وحجم هذه الحقيقة، إن المشكلة البيئية العالمية مرتبطة بالتوزيع بشكل مطلق في العالم، وأن هناك تبعات يجب أن توزع على العالم الأول بقدر استهلاكه من الموارد وتلويثه للثروة البيئية، وعلى ذلك فيحق للدول الفقيرة أن تطالب الدول الغنية بما يوازي (60%) من حقوق الثروات المغتصبة من ثروات العالم. كما ويحق لها أن تطالبها بتعويضات عن تلويثها لـ(80%) من البيئة العالمية وهي ملك للبشرية جمعاء.

والأمر الآخر كما يراه المحققون أن نظم استملاك وتشغيل الأراضي الزراعية والسيطرة عليها في العالم، تؤثر تأثيراً كبيراً في الإنتاجية الزراعية، فقد أظهرت الدراسات البيئية أن (10%) من ملاك الأراضي في أمريكا الوسطى على سبيل المثال يسيطرون على (80%) من الأراضي الزراعية فيها، وهكذا بدأت قضية الإنتاج الزراعي تتحول إلى قضايا استثمارية مرتبطة برأسمال متحكم ونظم سائدة مما يؤثر سلباً على الإنتاج الغذائي لسكان الأرض، وبالمثل تسيطر الشركات العالمية المرتبطة بنظام أحادي القطبية على حوالي (90%) من إنتاج غابات العالم و(90%) من إنتاج القهوة، و(85%) من إنتاج الكاكاو، و(85%) من إنتاج الشاي، و(60%) من إنتاج السكر.. مما يجعل سياسة الإنتاج الزراعي مرتبطة بالظروف الاقتصادية البحتة وبسياسة القوة السياسية لكل نظام في العالم بمعزل عن الحاجة السكانية الكونية وعن الاتزان البيئي والمحافظة عن الثروات البيئية العائدة للأجيال القادمة، إذ إن السياسات الاقتصادية غالباً ما تستبعد من حساباتها كل ما يؤثر سلباً على الإنتاج حتى ولو كان ذلك مما يدمر الثروات البيئية ويجعل سكان الأرض في الأعوام المقبلة المستقبلة نصف جياع أو بدون مأوى أو مرضى أو هزالى، تبعاً لنظرية مالثوس التي ترى الحروب والاستعمار والمجاعات والموت الجماعي بسبب الفقر والأوبئة، هي الحل المنطقي لمشكلة تزايد السكان (الهندسي) وقلة الغذاء (الحسابي).

بل الرقي البشري يدعونا لنظرة إنسانية تسمو فوق المعطيات التحليلية المالثوسية وتدعونا لنظرة أيضاً للتفكر في إيجاد البدائل المنطقية المعتمدة على الموازنة بين الحاجة البشرية الحقيقية في الإنتاج وما يمكن استهلاكه من الموارد الطبيعية دون الإخلال بحقوق وامتيازات الأجيال القادمة من هذه الموارد.

إن المحافظة على الثروة البيئية الكونية وعدالة التخصيص والتوزيع للثروات على المستوى العالمي، بحيث يتناقص عدد فقراء العالم كخطة استراتيجية بعيدة المدى حلول ناجعة.

إن السلوك العالمي وبخاصة سلوك الدول الصناعية تجاه البيئة لا يزال معادياً، فالمجاعات الأوبئة، أمراض الحضارة، الأخطار النووية والكيماوية والجرثومية، تقلص التربة، التصحر، أتساع ثقب الأوزون، انقراض بعض الأصناف، اختفاء أكثر من خمس غابات أوروبا، التلوث الهوائي، ازدياد حرارة الأرض والأمطار الحمضية... وما إلى ذلك كلها أمور تنادي لإعادة النظر بالسلوك المادي للإنسان، بنظرته لأخيه الإنسان، وبالنظر التي تحكم العلاقات الدولية. إن التعاون الدولي باتجاه هذا الهدف الإنساني والبيئي إضافة إلى التشجير وزيادة كفاءة الطاقة والحد من استخراجها والحد من العبث النووي، والعدالة الاجتماعية كأساس للاقتصاد العالمي... هو وحده الكفيل بإعادة التوازن لسيرة حياة الإنسان على الأرض، وهذه التحقيقات من المحققين والكلمات التي تقال في هذا المجال ما لم تتحول إلى قوانين رادعة وأفعال على أرض الواقع، تبقى صيحات ألم وتأوهات عجز.

نعود ونذكر ما قاله سبحانه وتعالى (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها..)

فهو سبحانه وتعالى خلق الأكوان وفيها الأرض وقدّر معايش الخلق وحاجاتهم في كل عصر بما يفوقهم أضعافاً مضاعفة لولا أن الإنسان يجره طمعه إلى استأثارها لنفسه ومنعها عن الآخرين.

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)