• عدد المراجعات :
  • 5030
  • 5/9/2004
  • تاريخ :

   تعليم الإمام الصادق ( عليه السلام ) جابرا علم الكيمياء

الإمام الصادق ( عليه السلام )

توجّه الإنسان في عصرنا الحاضر إلى ميدان العمل ، مصمِّماً على اجتياز المراحل العسيرة للوصول إلى رحاب المعرفة ، التي تجرِّدُه من الأوهام المضلِّلة ، والأفكار الرديئة ، وتنقله إلى الواقعية المجردة والحقيقة الناصعة .

فما أحرى بنا أن ننضم إلى ركب هذا الإنسان المتطوّر ، السائر بخُطى سريعة نحو الحياة الأفضل ، للتغلب على استبداد الأقدار ، واستعباد الأفكار ، وإبعاد الخرافات ، والرجوع إلى أصدق الروايات ، لنأخذ منها الدروس والعبر ، مُتَجنِّبين الانزلاق في المهاوي السحيقة ، التي طالما أهلكت الحرث والنسل .

فنحن في عالم تغلي مراجله بالحقد والكراهية ، والانقسام والتعصب ، وعلينا أن نقلع عن كل ما يُبعدنا عن المحبة ، والصدق ، والتعاون ، والسلام .

هذه الكلمات الموجزة نستوحيها من تعاليم

الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) الذي يستحق إحياء ذكراه ، والانتقال إلى عصره المتقلِّب المتجهم ، لنشاهد الأحداث والوقائع .

ونشهد ببراءة على العباسيين كيف سرقوا الخلافة من أبناء عمومتهم ، ثم قبضوا على ناصيتها بالقوة ، وقتلوا كل من تصدَّى للخلافة ، حتى ولو كان من أحفاد الرسول الكريم ( صلى الله عليه وآله ) .

أما

الإمام الصادق ( عليه السلام ) فساعدَهُ حِسّه ، وشعوره ، وعقله الراجح ، في تلك الفترة الحاسمة ، على اجتياز أقسى مرحلةٍ تاريخية .

مدرسة الإمام الصادق ( عليه السلام ) :

يُعتبر الإمام الصادق ( عليه السلام ) صاحب مدرسة فكرية كبرى ، كان لها وجود عالمي ، وفضل كبير على الإسلام .

فالإمام الصادق ( عليه السلام ) طلب الحكمة ، وسعى لاكتشاف أسرارها ، وغاص في عميق معانيها ، وفجَّر الينابيع بطاقة العقل ، وصفاء النفس ، وأخذ بيد الإنسان وقاده إلى مناهل المعرفة ، بكلِّ ما فيها من عمق وشمول .

تطبّع الإمام الصادق ( عليه السلام )

بصفات الفضل ، ومحبة العلم ، وتعلَّم من جَدِّه ( صلى الله عليه وآله ) أن يُطعِم حتى لا يبقى لعياله طعاماً ، وأن يكسو حتى لا تبقى لهم كسوة .

وإن إحصاء فضله ( عليه السلام ) ، وسعة علمه ، وآفاق فكره ، وعبقريته ، ضَرْبٌ من المستحيل ، كما أنَّ الإحاطة بتاريخ حياته ( عليه السلام ) من الصعوبة بمكان .

علم الكيمياء :

لا بُدَّ لنا ونحن في رحاب

الإمام الصادق ( عليه السلام ) من الوقوف قليلاً لإلقاء نظرة عابرة على علم الكيمياء ، ودور تلميذه جابر بن حيَّان .

الذي أخذ عنه هذا العلم ، وسعى إلى تطويره ، وإخراجه من الجمود ، والسحر ، والشعوذة ، والتدجيل ، والخرافات ، إلى علم يقوم على البحث والاختبار ، ويقود إلى خير الإنسانية ، وسعادتها .

يقول ابن النديم في الفهرست رداً على بعض المصادر المغرضة التي شكّكت في وجود جابر واعتبرته أسطورة وهمية :

الرجل له حقيقة ، وأمره أظهر وأشهر ، وتصنيفاته أعظم وأكثر ، ولهذا الرجل عدداً من الكتب في مذهب الشيعة .

وتؤكد المصادر أنَّ جابراً كان حقيقة وليس أسطورة ، وأنه عاش في النصف الأول من القرن الثامن للميلاد .

وهناك إجماع وتأكيد على اتصاله بـ( البرامكة ) ، الذين كانوا يحافظون على ( التقية ) ، في علاقاتهم بالإمام الصادق ( عليه السلام ) .

ويقول ابن النديم أيضاً : كان جابر بن حيَّان رياضياً ، وفيلسوفاً ، وكيميائياً ، وعالماً بالفلك ، وطبيباً ، له مؤلفات في المنطق ، والفلسفة ، وعلم الباطن ، وغَالى بعضهم فَنَسب إليه اختراع الجبر .

إن هذه الثقافة الموسوعية يصفها جابر في أنه تلقَّاها من سيده الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) ، ويردُّها جميعها إلى مُلهِمِه الذي يطلق عليه اسم ( معدن الحكمة ) .

ونقول : إنَّ لجابر مؤلفات عديدة في مختلف العلوم ، وقد تكون رسالته في التربية ، وبيان العلاقة بين المعلم والمتعلم أهم ما كتبه .

وتعتبر من روائع الآثار التربوية ، ففيها فصَّل جابر واجبات وحقوق كل من المدرِّس والتلميذ ، ويلتقي فيها مع أحدث الأساليب للدول الحضارية المتقدمة ، صاحبة الأولية في الثقافة ، والعلوم ، والآداب .

ومن الواضح أنَّ جابر ين حيَّان لم يكن الوحيد الذي تَتَلمذ على يد الإمام الصادق ( عليه السلام ) ، فهناك العديد من العلماء ، والفقهاء ، وأصحاب المذاهب ، انتسبوا إلى مدرسته ( عليه السلام ) ، ودرسوا على يده الفقه ، والحديث ، وعلم

الكلام ، والمنطق ، والفلسفة ، واللغة ، والآداب .

والفضل كل الفضل لهذا المُعلِّم الحكيم ، الذي كرَّس حياته لخدمة الإسلام دون تمييزٍ بين فِرَقِه ، وطوائفه ، ومذاهبه .

كيمياء ابن حيَّان :

لا بُدَّ لنا من عودة إلى كيمياء جابر ، وأقواله عن المعادن وطبيعتها ، وأجناسها ، وأصلها ، وكيفية صهرها ، وإذابتها ، وتحليلها ، وتحويلها .

وقد أيَّد ابن سينا ما ذكره جابر ، ولكنَّه ذهب إلى العمق في تأويلها ، وأفصح عن وجهها وجوهرها ، في كتابه ( الشفاء ) قائلاً : إن المعادن كالنفوس ، فمنها الغث والثمين ، والنافع والضار ، والنفيس والخسيس ، ويأتي ( الإكسير ) معها .

وقد بالغوا بالحديث عنه ، ووصفوه أنه يحوِّل المعادن كلياً ، وينقلها من الخسيس إلى النفيس .

ويروي لنا جابر أنَّه استعمله في الطب ، وشفى به أمراضاً مستعصية مزمنة ، وهنا يقول ابن سينا في كتابه المذكور : من المستحيل تحويل المعادن الخسيسة إلى معادن نفيسة بواسطة ( الإكسير ) ، ولكن بالإمكان بواسطته إدخال التحسينات على بعض المعادن ، وإعطائها البريق ، واللمعان ، لكي تصبح في مستوى المعادن الأصيلة .

وابن سينا هنا يؤيد أقوال الشيعة ، ويتفق مع جابر في تشبيه ( الإكسير ) بالعلوم الإمامية ، الصادرة إلى المستجيب .

فإنها تصقل نفسه ، وتغيِّر واقعه ، وتجعله كالجوهرة النقيَّة الصافية ، المتطلعة أبداً إلى الحُبِّ ، والخير ، والجمال ، ولعلَّ التأويل والرمز ، والمثل والمَمثول ، تدخل في موضوع ( الإكسير ) .

 

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)