• عدد المراجعات :
  • 1410
  • 3/15/2004
  • تاريخ :

الإيمان بالغيب

إنَّ الرغبة في معرفة توقيت ظهور الإمام المهدي (عج) شبيهة بالرغبة في معرفة أسرار كثيرة من الغيب الذي يختزن المستقبل، وقد أشار اللَّه تعالى لنا في القرآن الكريم عن بعض ما ينتظرنا، كالحديث عن أحداثٍ في يوم القيامة، وبعضٍ من ثواب المؤمنين، وبعضٍ من عقاب الكافرين، لكنَّه لم يذكر لنا كل شي‏ء، فالتفاصيل كثيرة جداً أجملها رسول اللَّه (ص) بكلامٍ مُعَبِّر عن نعيم الجنة: «بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر»(1).

وتكمن الحكمة الإلهية في الإيمان باللَّه، والارتباط بشريعته والتعلق بالنبي والأئمة (ص) والإيمان برسالات السماء وتكاملها... والاكتفاء بما أعلمنا به من دون الخوض في تفاصيل لا تؤثر على المضمون الإيماني، بل لعلَّ غموض بعضها يساهم في قوة الإيمان، فالروايات الكثيرة التي تحدثت عن علامات الظهور الخاصة والعامة، قد تعرضت لذكر أحداث اجمالية وعامة، كانتشار الفساد، وتشبه الرجال بالنساء وبالعكس، وكثرة الظلم وقلَّة العدل، والتضييق على المؤمنين، واشتعال الحروب في العالم، وحصول أحداث طبيعية ذات طابع كارثي كالزلازل المدمِّرة والبراكين وغيرها...

وحتى العلامات المباشرة فهي بالمواصفات: كظهور السفياني  واليماني والخسف بالبيداء، والصيحة في شهر رمضان، وقتل النفس الزكية؛ وهي علامات متلاحقة ومتسارعة في فترة قياسية لا تتجاوز الخمسة عشر شهراً كما في الروايات. لكننا لا نجد للتوقيت محلاً، بل النهي عن التوقيت مشهور، ففي رواية عن الإمام الصادق (ع) عن عبد الرحمن بن كثير بأنه دخل عليه «مهزم» فقال له: جُعلت فداك أخبرني عن هذا الأمر الذي ننتظر، متى هو؟ فقال الصادق (ع): «يا مهزم، كذب الوقَّاتون، وهلك المستعجلون، ونجا المسلمون»(2).

فإذا كان الإيمان بالمهدي (عج) وظهوره هو الأصل، وإذا كان انتظار الفرج عبادة، فلا داعي لصرف الوقت بالبحث عن التوقيت المنهي عنه، ويكفينا الأمل بالانتظار، والثقة بالظهور، وبتسارع الأحداث التي نأمل معها قرب الفرج، وهذا هو تكليفنا وفرجنا، فعن أمير المؤمنين علي (ع): «انتظروا الفرج، ولا تيأسوا من روح اللَّه، فإنَّ أحبَّ الأعمال إلى اللَّه عزَّ وجلَّ انتظار الفرج ما دام عليه العبد المؤمن»(3).


التسليم

ثم هل ينعكس التوقيت على الإيمان؟

إذا كان كذلك ففي الإيمان خلل، لربط الإنسان مستوى إيمانه بقرب الظهور، وتأثر سلوكه وأداءه بما ينتظره بعد مدة، وهذا ما لا يريده اللَّه تعالى.

أمَّا إذا لم ينعكس التوقيت على الإيمان، فهذا يعني استقلال الإيمان عن التوقيت، وهذا هو الإيمان الحقيقي، وما إخفاء التوقيت إلاَّ لابقاء الاختيار حراً من دون ضغط، ولعلَّه مدار الحكمة الإلهية في ذلك. وبناءً عليه يكون الإيمان بالمخلِّص مفصولاً عن الزمان، فهو إيمان بالقيادة والولاية التي تزداد اللهفة لظهور خاتمها مع ازدياد الإيمان، وتزداد الرغبة للانقياد المباشر تحت لوائها وهذا أمر مشروع، لكن لا يتأثر الإيمان بها بالتوقيت الذي نُهينا عنه، فعلمه عند اللَّه تعالى، ولا حاجة للسعي من أجل مطابقة الأحداث لحساب الزمان، كي لا نخالف الأصل المرتبط بالإيمان بالمهدي (عج) وليس بزمان ظهوره، وكي لا يُصاب البعض بصدمات أخطاء التوقعات والحسابات، وليكن التركيز على انتظار الفرج كأمر تعبدي يؤدي هدفه في تعميق الارتباط بالمهدي (عج)، مع الدعاء الدائم للَّه تعالى أن يعجِّل فرجه ليكون في زماننا، فنتمتع بالنظر إليه والانقياد له واعلاء كلمة الحق مهما كلَّفنا ذلك تحت إمرته.

فلا شي‏ء يعيق الإيمان، ولا يكون الإيمان قوياً إلاَّ بالتسليم، ولا نفع للغرق بتفاصيل لم تُبيَّن لنا، ففي وصية النبي (ص) لعلي (ع): «يا علي، أعجب الناس إيماناً، وأعظمهم يقيناً، قومٌ يكونون في آخر الزمان، لم يروا النبي (ص)، وحُجب عنهم الحجة، فآمنوا بسواد على بياض»(4)، إنها دعوة للإيمان بالغيب وبما أخفاه اللَّه تعالى عنا من أسرارٍ وحِكَم.


التمحيص

وبما أن الدنيا دار بلاء واختيار، فلا يمكن للإنسان أن يجتازها من دون الخضوع لما فيها من تمحيص، ليميز اللَّه الخبيث من الطيب، والكافر من المؤمن. هكذا أراد اللَّه تعالى دار الفناء مسرحاً وممراً لدار البقاء في الآخرة. فعلى المؤمن أن لا يضيق ذرعاً بمصائب الدنيا وآلامها وظلم الكفرة فيها وانتشار الفساد بين الناس... فما يحصل مؤقت، ولا يُعبِّر عن مسارٍ مستقر، إنما هو الاختبار بعينه، الذي يكون تجاوزه بنجاح سبباً لسعادة الدارين، ومقدمة لا غنى عنها من أجل الفوز الذي منه الانقياد لصاحب العصر والزمان (عج). فعن الإمام الصادق (ع): «إنَّ هذا الأمر لا يأتيكم إلاَّ بعد إياس، لا واللَّه حتى يميزوا، ولا واللَّه حتى يمحَّصوا، ولا واللَّه حتى يشقى من يشقى ويسعد من يسعد»(5).


منزلتك مع الإمام (عج)

لا تستعجل الأمر، فإنَّ له أوانه، ولن تزيدك العجلة إلاَّ إرباكاً وتوتراً من دون فائدة، فعجلتك لا تقرِّب الأمر ولا تؤخره، بل تجعلك في موقع المتألم الذي يبني على غيب لا يعلمه فيوقِّت ويحسب الحسابات الكثيرة ثم يُفاجأ بخطئها.

كن مطمئناً لرعاية اللَّه للمؤمنين الصابرين المنتظرين، فتوقيت الظهور الذي اختاره اللَّه تعالى هو الأنسب والأفضل وهو الأكثر ملاءمة لمصلحة البشرية، فلا تَقِسِ الأمور على رغبتك الشخصية.

لا تستعجل الأمر، فيصرفك هذا عن حسن التدبر والعمل، وعن القيام بواجباتك في نصرة دين اللَّه تعالى، فإنَّ عليك تكاليف لو قمت بها وأحسنت أداءها لبلغت غايتك المرجوة. واعلم أنَّ ساعة الفرج قادمة لا محالة. عن الإمام الصادق (ع): «إنما هلك الناس من استعجالهم لهذا الأمر، إن اللَّه لا يُعجِّل لعجلة العباد، إنَّ لهذا الأمر غاية ينتهي إليها، فلو قد بلغوها لم يستقدموا ساعة ولم يستأخرو»(6).

فإذا كنت مهتماً بمعرفة منزلتك، وتستعجل الظهور لترى نفسك في جيش الإمام المهدي (عج)، فإنك كذلك حتى ولو لم تدركه عندما تكون في خط الإسلام ونهج الولاية، وأنت أعلم بنفسك من غيرك. انظر إلى عقلك كيف يفكر؟ انظر إلى قلبك من يحب وبمن يتعلق؟ انظر إلى سلوكك كيف تؤديه في حياتك اليومية؟ انظر إلى خلاَّنك كيف تختارهم ومن توالي منهم؟ انظر إلى قيادتك من هي وما هي مواصفاتها؟... فإذا كانت إجابتك العملية في طاعة اللَّه تعالى، فأنت مع الإمام المهدي (عج) في مسيرته، وهو إمامك وإمام زمانك، ولو لم توفق لرؤيته.

عن الفضيل بن يسار قال: سألت أبا عبد اللَّه (ع) عن قول اللَّه تبارك وتعالى: «يوم ندعو كل أناس بإمامهم»، فقال: «يا فضيل اعرف إمامك، فإنَّك إذا عرفت إمامك لم يضرَّك، تقدَّم هذا الأمر أو تأخر، ومن عرف إمامه ثم مات قبل أن يكون صاحب هذا الأمر، كان بمنزلة من كان قاعداً في عسكره، لا بل بمنزلة من قعد تحت لوائه»(7).

--------------------------------------------------------------------------------

(1) تهذيب الأحكام للشيخ الطوسي، ج‏6 ، ص‏22.

(2) الكافي للشيخ الكليني، ج‏1، ص‏368.

(3) الخصال للشيخ الصدوق، ص‏616.

(4) الزام الناصب للشيخ الحائري، ج‏1، ص‏260.

(5) المصدر نفسه، ج‏1، ص‏261.

(6) الكافي للشيخ الكليني، ج‏1، ص‏369.

(7) المصدر نفسه، ج‏1، ص‏371.

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)