المواضیع المتعلقة
  • عدد المراجعات :
  • 5479
  • 2/28/2004
  • تاريخ :

جولة في أفكار الشهيد المطهري حول الملحمة الحسينية

الشهيد المطهري

كربلاء قضية متجذرة في الوعي الإسلامي ، ساهمت في تشكل الوعي الحركي الثائر على الظلم و الفساد ، و باتت مع تقادم الزمن أكثر رسوخاً في وجدان الأمة ، و بعبارة أخرى إنها تلك الواقعة التي قفزت فوق الزمان و المكان مستمدة من نور مشكاة النبوة رمزيتها ، و من لون البذل عنفوانها ، فاستحالت نهجاً يحمل  شعلة متوقدة تسمو بالإنسان في آفاق العزة و الكرامة، و تعبر في مدلولاتها عن محورية الصراع الدائر بين الاستكبار و الاستضعاف ، و بين رمز العدالة و التفاني في الله و رمز الاستغراق في حطام الدنيا الفانية.

تجلى التعبير عن عاشوراء بأساليب و أشكال مختلفة ، لعلّ  من أبرزها

المجالس العاشورائية ، حيث يقوم الخطيب أو العالم بسرد وقائع هذه الحادثة و الإسهاب في عرض موضوعاتها ، و للاستزادة في التشويق و الانجذاب ، كان يطلق العنان لخياله الروائي ليحلّق في آفاقها دونما حسيب أو رقيب ، فيدخل عليها الكثير من الزيادات و المبالغات . ما دفع ببعض العلماء إلى التصدي لهذه الظاهرة ، و لعل كتاب " الملحمة الحسينية " للشهيد مطهري ، و هو مؤلف في ثلاثة أجزاء من الكتب التي عالجت هذه الظاهرة معالجة وافية ، و انطلاقاً من رؤية عميقة ، و لذلك سنحاول التوقف عند أهم المحطات التي ذكرها الشهيد في كتابه.

الانحرافات في السيرة و سبل مقاومتها

يحذّر الشهيد في مستهل كتابه من الإنحرافات التي أدخلت على عاشوراء ، باعتبار ما ينطوي على هذا السلوك من سلبيات في حركة الأمة و الشعب ، و ما تخلفه من تداعيات في النظرة إلى شخصية

الإمام الحسين(ع) ، حيث يقول : " و حادثة كربلاء شئنا أم أبينا حادثة اجتماعية كبرى بالنسبة لشعبنا و أمتنا ، أي أنها حادثة مؤثرة للغاية في تربية أهلنا و عاداتهم و سلوكهم " ، (ج1، ص11).

و لذلك ترى الناس يندفعون لإحياء هذه الذكرى بشكل طوعي و من تلقاء أنفسهم ، و فوق ذلك يصرفون الكثير من الجهد و المال من أجل الاستماع إلى هذه الحادثة و ما يرتبط بها من قضايا : "

إنها الحادثة التي تدفع بشعبنا بشكل آلي و دون تدخل أية قدرة خارجية إلى أن يتوجه الملايين منه لصرف ملايين الساعات من جهدهم و إنفاق الملايين لسماع ما يرتبط بها من قضايا.. " ، (ج1، ص11).

و انطلاقاً من أهمية هذه الواقعة و خشية الانحراف عن مسارها الحقيقي ، يدعو الشهيد إلى  التمسك بمضمون هذه الحادثة ، و عرضها كما هي بكل مفرداتها الواقعية ، و يحذر من الانزلاق في خيالات الوهم لما يجلب من ضرر على الأمة ، فيقول : "

إن هذه القضية ينبغي عرضها كما هي دون زيادة أو نقصان ، لأنه في حالة أي تدخل أو تصرف في اللفظ أو المعنى مهما كان بسيطاً ، سيرتب بلا شك حرف اتجاه الحادثة عن مسارها ، و بالتالي إلحاق الضرر بأمتنا بالتأكيد بدلاً من إفادتها منها " ، (ج1، ص11ـ12) ، محملاً مسؤولية ما يحصل للعلماء و الرواة وحتى عامة الناس ، حيث يقول و  بكل مرارة : " إن التحريفات التي أصابت هذه القضية على أيدينا كانت كلها باتجاه التقليل من قيمة الحادثة و مسخها و تحويلها إلى حادثة لا طعم لها و لا معنى ، و المسؤولية هنا تقع على الرواة و العلماء ، كما تقع على العامة من الناس " ، (ج1، ص12).

و لم يقتصر المطهري في حديثه على مظاهر التحريف المعاصرة بل يعود بالذكرى إلى

الميرزا حسين النوري أستاذ المرحوم الشيخ عباس القمي ، الذي يتطرق إلى ما ألصق بكربلاء من أكاذيب دون أن يقوم أحد بفضحها ، و لفت إلى المنحى الخطير الذي لحق بهذه الواقعة نتيجة تلك الالصاقات ، فالميرزا النوري يدعو إلى البكاء على الحسين ، ولكن ليس بسبب ما ناله جسده الطاهر من سيوف و رماح ، بل بسبب الأكاذيب التي ألصقت بالواقعة ، (ج1، ص13)  .

وكما ذكرنا ، يحمّل ( الشهيد ) مسؤولية ما يحصل في هذه الذكرى للناس بإعتبارين :

- الإعتبار الأول :

 إن النهي عن المنكر واجب على الجميع ، و عليه ، فإن من يعرف بأن ما يقال على المنابر كذب و افتراء ـ و أكثر الناس تعرف ذلك ـ فإن من واجبه عدم الجلوس في هذه المجالس ، لأنه عمل حرام و الواجب يتطلب منه مقاومة هذا الكذب و فضحه.

- الإعتبار الثاني :

لابد لنا جميعاً من قهر هذه الرغبة اللامسؤولة المنتشرة بين الناس و الخطباء ، و التي تتوقع من المجالس الحسينية أن تصبح مجالس حارة و حماسية ، أو كما يصطلح عليها البعض "

كربلاء ثانية "، فالخطيب المسكين تراه أحياناً يقع في حيرة إذا ما تكلم الصدق ، و قال الحقائق دون زيادة أو نقصان من على المنبر الحسيني ، إذ إن نتيجة ذلك ستكون نعت مجلسه بالمجلس البارد و غير الحماسي ، و بالتالي عدم رغبة الناس بدعوة هذا الخطيب مجدداً ، مما يضطره إلى اختراع بعض القصص الخيالية لإدخال الحرارة إلى مجلسه ، (ج1، ص14) .

و هنا يدعو الشهيد مطهري الناس إلى مقاومة هذه الرغبة اللامسؤولة و إثبات ذلك بسلوكهم ، فلا يقوموا بتشجيع مثل هذا الخطيب الحسيني ، الذي يريد تحويل مجلسه إلى كربلاء ثانية بأي ثمن كان ، (ج1، ص14ـ15)  ؛ و تكمن معالجة ذلك في استماع الناس إلى المأتم الحسيني الصادق ، حتى تتسع معارفهم ، و ينمو مستوى التفكير لديهم ، و يعرفوا بأن اهتزاز روحهم مع أية كلمة من كلمات المأتم الحسيني ، يعني تحليقها و انصهارها مع روح الحسين بن

علي(ع) ، و بالتالي فإن دمعة واحدة ، إذا ما خرجت من مآقيهم كافية لمنحهم ذلك المقام الكبير الذي ناله أنصار الحسين(ع) ، أما الدموع التي تخرج من خلال العرض المأساوي و رسم المجزرة و تشريح الذبح و المذبحة ، فلا تساوي شيئاً حتى لو كانت بحراً من الدموع ، (راجع ج 1 ، ص15).

و باختصار يمكن القول ، إن هذه الرغبة اللامسؤولة لرؤية واقعة كربلاء بشكلها المأساوي من طرف الناس ، كانت هي الدافع لاختلاق الأكاذيب ، و لذلك فإن أغلب التزوير و الكذب الذي أدخل في مواعظ التعزية ، كان سببه الرغبة في الخروج من سياق الوعظ و التحليق في خيال الفاجعة. و من الواضح أن الشهيد لم يقتصر في إلقاء تبعات ما وصلت إليه المجالس الحسينية على الناس فحسب ، بل يغمز من قناة الخطباء و العلماء ، حيث يقول : "

فمن أجل شدّ الناس إلى صورة الفاجعة التاريخية و تصويرها المأساوي ، و دفع الناس إلى البكاء و النحيب ليس إلا ، كان الواعظ على الدوام مضطراً للتزوير و الاختلاق " ، (ج1،ص16).

و لذلك يعتبر أن اختلاق الأكاذيب و إطلاق العنان للخيال إنما يخفضان من شأن الإمام الحسين(ع) و مقامه ، و لا يرفعان من شأنه. و من اللافت أن الشهيد يُخضع ما كان يدور في كربلاء إلى المنطق و العقل ، فيجري العمليات الحسابية ، و يعرض الحادثة أولاً ، ثم يبيّن معايبها بأسلوب منطقي عقلاني مدعم بالوثائق التاريخية ، و البحث الجاد عن المكان و الزمان لدحض المزاعم و الاختلاقات التي دخلت إلى صلب عاشوراء ، (راجع ج1، ص16ـ 28).

و هنا ينتقد الشهيد هذه الظاهرة ، مستشهداً بكلام الحاج نوري الذي يرى أن الأمور وصلت إلى وضع مأساوي ، فيدعو إلى البكاء على الحسين(ع) لكثرة الأكاذيب و الاختلاقات التي تنسب إلى واقعة عاشوراء ، حيث يقول : "

إذن لا بد أن نصدق كلام الحاج نوري عندما يقول ، إذا أراد أحد أن يبكي أبا عبد الله الحسين اليوم ، و يذكر مصائبه فعليه أن يبكي مصائب الحسين الجديدة ، أن يبكي حسيناً لكثرة الأكاذيب و الاختلاقات التي نسبت إلى واقعة عاشوراء و شخصية الإمام " ، (ج1، ص22).

و هذه الأكاذيب ـ كما يقول الشهيد ـ لم يكن مردها إلى ضعف الأسانيد و إلى النقص في الوثائق : "

إن الشيء الذي يحزّ في القلب هو كون واقعة كربلاء من أغنى الوقائع التاريخية المدعمة بالوثائق الأسانيد المعتبرة. في السابق كنت أتصور أن سبب كل هذه الأكاذيب التي ألصقت بهذه الحادثة ، يكمن في عدم معرفة الوقائع الصحيحة للواقعة ، ولكنني بعد المطالعة و التدقيق لاحظت أنه ربما كانت واقعة كربلاء واحدة من أندر الوقائع التاريخية المدعمة بكل تلك الأسانيد التاريخية الباقية منذ ذلك التاريخ البعيد ، أي منذ أربعة عشر قرناً خلت "  ، (ج1، ص22ـ23).


عاشوراء بطولة القيم قبل السيف
آخر مقترحات المنتسبین
زهير القريشي القريشي
شكرا الموضوع رائع
جواب تبیان :
الجمعة 20 جمادي الاول 1433
ام احمد
بسم الله الرحمن الرحیم
السلام علیكم ورحمة الله وبركاته
اللهم صلی على محمد وآل محمد الطیبین الطاهرین
فعلا الانسان یكفی علیه ان یعیش مأساة هذه الایام وما نعیشه من ظلم نتیجه لظلم علی علیه السلام اولا ثم الائمه الاطهار علیهم السلام وبالخصوص مأساة الامام الحسین علیه السلام ستكون ایامنا كلها كربلاء ولن تجف لنا دمع طوال العام ،وأظن ان الحسینی الحقیقی لا یمر یوم دون البكاء على الحسین علیه السلام
جواب تبیان :
الخميس 19 صفر 1433
همام الياسري الياسري
اخی الكاتب بعد السلام والتحیة والاكرام انت كما عبرت هی جولة فی افكار الشهید (قدس) لیس الا والذی لا یخفى انه ابدع وانت اجدت فجزاك الله خیرا
جواب تبیان :
الثلاثاء 3 جمادي الاول 1432
غیر معروف
یلامس الحقیقة بشكل كبیر رحم الله المطهری كان امة فی عالم
جواب تبیان :
الأربعاء 1 ذيحجه 1431

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(4)