• عدد المراجعات :
  • 1859
  • 1/10/2004
  • تاريخ :

القيادة الدينية وقوى الضغط

* من خلال التدبر في سورة (القلم)، نقف على محور أساسي لآياتها تحكي الموقف السليم الذي يجب على القيادة الرسالية اتخاذه من قوى الضغط، التي تحاول التأثير على القائد وتجيير قراراته ومواقفه لصالحها بتطويعه لخدمة أغراضها من حيث يدري أو لا يدري؛ وعادة ما تكون تلك القوى من المترفين أصحاب المال والقدرة الاجتماعية أو السياسية أو هما معا في المجتمع.

ويتوجه الوحي بالنهي إلى القائد بالذات، لأن قوى المترفين المستكبرة تسعى لافساد المجتمع ونظامه السياسي، من خلال إفساد جهازه الديني والسيطرة عليه، لأن السيطرة عله تجعلهم أسرع نفوذا في المجتمع، كما توفر لفسادهم غطاءاً شرعيا وهم يتسللون إلى الجهاز الديني ويؤثرون عليه بسلاح المال، حيث يجعلونه يعتمد على أموالهم التي يقدمونها خمسا وزكاة وتبرعا أو هدية ورشوة.

وإن هذه الحقيقة تظهر بوضوح حينما ندرس مسيرة الجهاز الديني عبر التاريخ، وفي كل المذاهب والأديان تقريبا.

فالقوى المترفة هي التي حولت الأحبار إلى جماعة يكنزون الذهب والفضة، وأداة طيعة في أيدي اصحاب المال والسلطة.

كما أن التحليل المتأني لكثير من الصراعات التي كانت تدور بين القيادات الدينية والمترفين يؤكد بأن سببها يكمن في رفض القيادات الدينية لهم ولسيطرتهم على الناس. فهذا السامري ومن حوله بعض اصحاب المال في مجتمع بني اسرائيل يبغون على النبي موسى عليه السلام, لأنه وقف ضد مطامعهم ومحاولاتهم الخبيثة في تطويع الدين لصالح شهواتهم وأهوائهم.

وموقف القرآن يبدو موقفا عنيفا وواضحا في تحذير الرسول صلى الله عليه وآله من المترفين، لأن خطرهم عظيم، وعادة ما يكون متسللا، بعيدا عن التحديات والضغوط المباشرة الحادة. فقد يظهر أحدهم لدى القوى الدينية بمظهر التقوى والتأييد، فإذا به يصارع الآخرين على الصف الأول من صلاة الجماعة؛ ويبذل الأموال التي تخدم الجهاز الديني ومشاريعه في المجتمع، ولكن ليس لوجه الله وتقربا إليه، ولا عن قناعة بالقادة الدينيين أبدا، بل لحاجة في نفسه هي أن يستغلهم لمصالحه وأهوائه؛ اقتصاديا أو سياسيا أو إجتماعيا، بإعطائهم الخط السياسي والاجتماعي الذي يناسبه من جهة، وباستخراج الفتاوى التي تخدم أغراضه من جهة ثانية.

وتقسم الآيات قوى الضغط المترفة إلى فريقين:

الفريق الأول: المكذبون الذين لا يؤمنون بالرسالة ولا بالرسول، كالطواغيت الذين يجاهرون بالتكذيب، وكالقوى المستكبرة.. فهم أشبه ما يكون بالكفار.

ولا ريب أن لهؤلاء أطماعهم تجاه الأمة الإسلامية، وبالتالي فهم يسعون للتأثير على قيادة المجتمع الإسلامي الدينية وتطويعها.

إنهم ـ كما الفريق الثاني ـ لا يسعون في البدء إلى القضاء على الجهاز الديني، إنما يحاولون الابقاء عليه ممسوخا ومفرغا من محتواه الرسالي، لكي يركبونه مطية إلى مصالحهم.

قال الله تعالى: 0فلا تطع المكذبين * ودوا لو تدهن فيدهنون). (القلم/ 8ـ9)

ويفضح القرآن خبثهم المتمثل في خطة المسخ والإفراغ التي يتبعونها، مبينا أنهم يسعون لتغيير بعض القيم ومواقف القيادة لصالحهم بمقايضة الدين الحق بأموالهم، وكأن قضية الحق كالتجارة تقبل البيع والشراء.

من هنا يجب أن تكون القيادة الدينية على مستوى رفيع من تقوى الله فلا تخدعها زخارف الدنيا عن الحق، وأيضا في مستوى عال من الوعي السياسي والحنكة الإدارية والفطنة الإجتماعية، يكشف مكرهم مهما كان خفيا ومحكما.

الفريق الثاني: المنافقون في المجتمع الإسلامي، الذين يتمسكون بقشور الدين كالصلاة التي يريدونها ان لا تنهى عن الفحشاء والمنظر، والصوم الذي يريدونه ان لا يورث تقوى الله ولا يعطي صاحبه إحساسا بألم الفقراء، والانفاق المحفوف بالرياء وحب السمعة.. وهكذا الممارسات التي فرغت من محتوياتها الإصلاحية. وهؤلاء لا ريب يكذبون بكثير من الحقائق الإلهية كالجهاد وحرمة الاستغلال، ويودون لو تداهنهم القيادة الرسالية ولكنهم لا يجهرون بذلك.

وما يبدو من الآيات التي تبين صفاتهم أن أهم هدف يسعون لتحقيقه من تزلفهم للجهاز الديني في الأمة، أن يجعلوه مقمعا في أيدهم يضربون به الآخرين، كالمحرومين المستضعفين والمصلحين المغيّرين، أفرادا وجماعات. والسبب أنهم لا يريدون إلا مصلحتهم، كما أنهم أول من يعارض الإصلاح والتغيير ذلك أن وجود الأنظمة الفاسدة والمنحرفة عن الحق، عامل أساسي في إستغلالهم للطبقة المحرومة ووصولهم إلى مآربهم المادية.

فيا ترى ما هي صفات هذا مالفريق؟

1ـ المبالغة في الحلف إلى حد الاحتراف، من أجل إعطاء كلامهم قيمة شرعية ومن ثم التأثير به على موقف القيادة ورأيها بالذات.

قال الله تعالى: (ولا تطع كل حلاف مهين).

2ـ الهمز والمشي بالنميمة في المجتمع، وبالخصوص عند القيادة. قال الله تعالى: (هماز مشاء بنميم).

3ـ منع الخير عن الغير، والاعتداء عليهم، وممارسة الإثم. وهذه كلها من الصفات اللصيقة بالمنافقين، إذ أنهم يريدون الخير لانفسهم فقط، لذلك يقفون أمام أي محاولة من قبل القيادة للإصلاح، ويمنعونها بالتعويق والتثبيط عمليا وبالرأي.

قال الله تعال: (مناع للخير معتد أثيم).

4ـ وكما تتداعى صفات الخير في الصالحين، تتداعى صفات الشر في المفسدين. فهم يبدأون من الحلف، ولكنهم لا ينتهون عند الإعتداء والإثم، بل يتسافلون بعد ذلك إلى صفات سيئة أخرى.

قال الله تعالى: (عتل بعد ذلك زنيم).

وثمة كلمة نقولها في خصوص الآيات المتقدمة؛ إن نهي الله تعالى عن الطاعة للذين مر ذكرهم، هو نهي عن اتخاذهم بطانة للقيادة واعضاء في جهازها الديني والسياسي لما في ذلك من أخطار عظيمة على واقع الأمة ومستقبلها، وعلى مسيرة القيادة الفكرية والإيمانية والسياسية، ومكانتها الجماهيرية في المجتمع.

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)