• عدد المراجعات :
  • 5809
  • 3/8/2014
  • تاريخ :

سورة المدثر منهج الدعوة إلى الحق

قرآن

بسم الله الرحمن الرحيم

(يأَيُّهَا الْمُدَّثِرُ(1) قُمْ فَأَنْذِرْ(2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ(3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ(4) وَالرُّجْزَ فاهْجُرْ(5) وَلاَ تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ(6) وَلِرَبِّكَ فاصْبِرْ(7) فَإِذَا نُقِرَ فِى النَّاقُورِ(8) فَذَلِكَ يَوْمَئِذ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) عَلَى الكَـفِرِينَ غَيرُ يَسِير(10)).

(المدثر): بتشديد الدال والثاء، أصله المتدثر، اسم فاعل من التدثر بمعنى المتغطي بالثياب عند النوم، والدثار الثوب الذي يستدفأ به، وتدثر بالثوب أي اشتمل به داخلا فيه. (1)

وللمفسرين احتمالات أخرى في المقصود من (المدثر) في الآية، فمنهم من قال: المراد تلبسه بالنبوة، شبهت بالثياب التي يتحلى بها ويتزين. وقيل: المراد اعتزاله وغيبته عن النظر حيث كان في غار حراء. (2)

في طريق الدعوة هو الصبر في هذا الطريق لله سبحانه وتعالى، وهو يشمل الصبر في تبليغ الرسالة وما يتطلبه من جهد، والصبر على أذى المشركين، والصبر في جهاد النفس والعبادة، والصبر في الحروب، وغير ذلك.

والمناسب هنا ذكر بعض ما وجهه النبي صلى الله عليه وآله من مشركي مكة، حيث كان يدعوا الناس إلى الإسلام سرا امتثالا لأوامر الله عز وجل، ثم صار خبره ينتشر شيئا فشيئا، وأخذت قريش تواجهه وتبعد الناس عنه، ومن ذلك أنهم صاروا يتهمونه بعدة تهم تصرف الناس عنه، فقالوا أنه شاعر أو مجنون، حتى قالوا أنه ساحر يفرق بين المرء وزوجه، فبلغه ذلك، ولاشك أن ذلك مما يۆذيه ويعيق تبليغه الرسالة، ولم يۆمر بالمواجهة أو الجهر بالدعوة بعد، فيحتمل أنه كان مغتما لذلك متدثرا بثيابه فنزلت عليه هذه الآيات تأنسه وتأمره بالجهر بالدعوة وتنذر المشركين عذاب يوم عظيم.

وَ مَآ أَرْسَلنَـكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً (3)، لكن الإنذار هو الأنسب لبداية الدعوة، فالغافل إنما ينذر ليحذر قبل أن يبشر فيستر (4).

أمر بالإنذار من كل ضلال بعمومه، ولكل الناس في شموله، فعليه أن ينذر الناس من الشرك وعبادة الأصنام والكفر والظلم والفساد، ينذرهم جميعا أن يقعوا فيما يوجب لهم العذاب الإلهي، فاليُعدوا للحساب يوم المحشر، بل وينذرهم أن يشملهم غضب الله وعذابه في الدنيا أيضا.

ثم يۆمر صلى الله عليه وآله بتكبير الله وحده، فتقديم (ربك) فيه دلالة على حصر التكبير والإجلال لله سبحانه وتعالى، والأمر هنا أيضا يعم كل أنواع التكبير، ويشمل كل الأوقات، فهو يرسم منهجا للرسالة؛ أن ذلك الرب هو مالكك ومربيك، وجميع ما عندك فهو منه تعالى، لذلك عليك أن تضع غيره في زاوية النسيان، وتشجب كل الآلهة المصطنعة، وامح كل آثار الشرك، وانسبه هو فقط إلى الكبرياء والعظمة اعتقادا وعملا؛ قولا وفعلا.

والتكبير هو التنزيه من أن يعادله أو يفوقه شيء، فلا شيء يشاركه أو يغلبه أو يمانعه، ولا نقص يعرضه، ولا وصف يحده، فالتكبير يشمل معنى التسبيح الذي هو بمعنى التنزيه عن النقص، وهذه الكلمات هي أساس الرسالة الإسلامية الموجهة إلى البشر، خصوصا أهل الشرك في ذلك الزمان.

وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ(4)) كناية عن إصلاح العمل، لأن عمل الإنسان بمنزلة ثيابه، هو يشينه أو يزينه، وظاهر الإنسان عنوان باطنه، وقيل: الكلام على ظاهره والمراد تطهير الثياب من النجاسات للصلاة. وعلى هذا المعنى يكون المراد بالتكبير في الآية السابقة هو التكبير للدخول في الصلاة.

والأمر الثالث بعد الجهر بالدعوة هو نبذ وهجران كل ما دون العقيدة الحقة الثابتة السليمة، فالرجز في اللغة هو تتابع الحركات، مما يۆدي إلى الاضطراب والتزلزل، ثم أُطلق على كل أنواع الشرك والمساوئ، التي تسبب اضطراب الإنسان في أمره وعقيدته، فيكون في شك وعلى غير ثقة ولا اطمئنان، وقيل أن المراد بالرجز هو العذاب وما يسببه، أي اهجر ما يسببه من الذنوب المعاصي(5).

وكل هذه المعاني يمكن ربطها بمعنى عام يمثل أيضا جزاء من المنهج العام في مسيرة الدعوة إلى الله، وهو هجر كل انحراف وعمل سيء، كل ما لا يرضي الله وما يجلب سخطه في الدنيا أو الآخرة.

والأمر الرابع هو جزء مهم أيضا من منهج دعوته صلى الله عليه وآله، وهو أنه لا يمن على أحد بما يقدم في سبيل هذه الدعوة، ولا يستكثر عملا يعمله في هذا الطريق، فمقام الرسالة نعمة من الله عليه، والمعنى: فلا تمنن ولا تستكثر تكبيرك لله وتطهير ثيابك وهجران الرجز، فإنما كل ذلك توفيق من الله عز وجل، إنما أنت عبد لا تملك من نفسك إلا ما ملكك الله ولا تقدر إلى على ما الله أقدرك عليه.

والأمر الخامس في طريق الدعوة هو الصبر في هذا الطريق لله سبحانه وتعالى، وهو يشمل الصبر في تبليغ الرسالة وما يتطلبه من جهد، والصبر على أذى المشركين، والصبر في جهاد النفس والعبادة، والصبر في الحروب، وغير ذلك.

المصادر:

1ـ مجمع البيان ج 10 ص 94، ولسان العرب ج 2 (دثر) ص 1229.

2ـ راجع الميزان ج 20 ص 87.

3 سورة الفرقان 56.

4ـ ذكر هذا المعنى في الميزان ج 20 ص 88.

5ـ ورد معنى الرجز في الأمثل ج 19 ص 117، ولسان العرب ج 2 (رجز) ص 1457، وفي مجمع البيان ج 10 ص 96 وذكر معان أخرى.

 


شرائط التأويل الصحيح

معاني التاويل

الفرق بين التفسير والتاويل

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)