• عدد المراجعات :
  • 3136
  • 2/4/2014
  • تاريخ :

انطباعات عن شخصية الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) (1)

امام حسن عسگري

احتلّ أهل البيت (عليهم السلام) المنزلة الرفيعة في قلوب المسلمين لما تحلّوا به من درجات عالية من العلم والفضل والتقوى والعبادة فضلاً عن النصوص الكثيرة الواردة عن الرسول (صلى الله عليه وآله) في الحث على التمسّك بهم والأخذ عنهم .

والقرآن الكريم ـ كما نعلم ـ قد جعل مودّة أهل البيت وموالاتهم أجراً للرسول (صلى الله عليه وآله) على رسالته كما قال تعالى : ( قل لا أسئلكم عليه أجراً إلاّ المودّة في القربى ) [1] .

غير أن الحكّام والخلفاء الذين تحكّموا في رقاب الاُمة بالسيف والقهر حاولوا طمس معالمهم وإبعاد الاُمة عنهم بمختلف الوسائل والطرق ثم توّجوا أعمالهم بقتلهم بالسيف أو بدس السمّ .

ومع كل ما فعله الحكّام المنحرفون عن خطّ الرسول (صلى الله عليه وآله) بأهل البيت (عليهم السلام) ، لم يمنعهم ذلك السلوك العدائي من النصح والارشاد للحكّام وحل الكثير من المعضلات التي واجهتها الدولة الإسلامية على امتداد تأريخها بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله) وحتى عصر الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) .وقد حُجبت عنّا الكثير من مواقفهم وسِيَرهم إما خشية من السلطان أو لأن من كتب تأريخنا الإسلامي إنّما كتبه بذهنية اُموية ومداد عبّاسي لأنه قد عاش على فتات موائد الحكام المستبدّين .

ونورد هنا جملة من أقوال وشهادات معاصري الإمام (عليه السلام) وانطباعاتهم عن شخصيّته النموذجيّة التي فاقت شخصيته جميع من عاصره من رجال وعلماء الاُمة الإسلامية  .

1 ـ شهادة المعتمد العباسي :

كانت منزلة الإمام معروفة ومشهورة لدى الخاصة والعامة كما  كانت معلومة لدى خلفاء عصره .

فقد روي أن جعفر بن علي الهادي طلب من المعتمد أن ينصبه للإمامة ويعطيه مقام أخيه الإمام الحسن (عليه السلام) بعده فقال له المعتمد : «اعلم ان منزلة أخيك لم تكن بنا وإنما كانت بالله عزّوجل ، ونحن كنا نجتهد في حطِ منزلته والوضع منه ، وكان الله يأبى إلاّ أن يزيده كل يوم رفعة بما كان فيه من الصيانة وحسن السمت والعلم والعبادة وإن كنت عند شيعة أخيك بمنزلته فلا حاجة بك إلينا ، وإن لم تكن عندهم بمنزلته ولم يكن  فيك ما كان في أخيك ، لم نغنِ عنك في ذلك شيئاً»[2] .

2 ـ شهادة طبيب البلاط العباسي :

كان بختيشوع ألمع شخصية طبية في عصر الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) فهو طبيب الاسرة الحاكمة ، وقد احتاج الإمام ذات يوم الى طبيب فطلب من بختيشوع أن يرسل إليه بعض تلامذته ليقوم بذلك ، فاستدعى أحد تلاميذه وأوصاه أن يعالج الإمام (عليه السلام) وحدّثه عن سموّ منزلته ومكانته العالية ثم قال له : «طلب مني ابن الرضا من يقصده فصر إليه ، وهو أعلم في يومنا هذا بمن تحت السماء ، فاحذر أن لا تعترض عليه في ما يأمرك به»[3] .

3 ـ أحمد بن عبيد الله بن خاقان :

كان عامل الخراج والضياع في كورة قم ، وأبوه عبيدالله بن خاقان أحد أبرز شخصيات البلاط السياسية وكان وزيراً للمعتمد ، وكان أحمد بن عبيدالله أنصب خلق الله وأشدهم عداوة لأهل البيت (عليهم السلام) ، فجرى ذكر المقيمين من آل أبي طالب بسرّ من رأى ـ سامراء ـ ومذاهبهم وأقدارهم عند السلطان ، فقال أحمد بن عبيد الله : «ما رأيت ولا عرفت بسر من رأى رجلاً من العلوية مثل الحسن بن علي بن محمد بن علي الرضا (عليهم السلام) ، ولا سمعت به في هديه وسكونه وعفافه ونبله وكرمه عند أهل بيته والسلطان وجميع بني هاشم وتقديمهم إياه على ذوي السن منهم والخطر وكذلك القوّاد والوزراء والكتّاب وعوام الناس» .

وينقل أحمد هذا قصة شهدها في مجلس أبيه إذ دخل عليه حجابه فقالوا له : إن ابن الرضا ـ أي الإمام العسكري (عليه السلام) ـ على الباب فقال بصوت عال : ائذنوا له ، فقال أحمد : تعجبت ما سمعت منهم ، انهم جسروا حيث يكنون رجلاً على أبي بحضرته ولم يكن يُكنّى عنده إلاّ خليفة أو ولي عهد أو من أمر السلطان أن يكنى ، فدخل رجل أسمر أعين حسن القامة ، جميل الوجه ، جبير البدن ، حدث السن فلما نظر إليه أبي قام فمشى إليه خُطى ولا أعلمه فعل هذا بأحد من بني هاشم ولا بالقواد ولا بأولياء العهد ، فلما دخل عانقه وقبل وجهه ومنكبيه وأخذ بيده وأجلسه على مصلاه .

ثم يقول أحمد : ولما جلس أبي بعد أن صلى جئت فجلست بين يديه فقال : ياأحمد ألك حاجة ؟ فقلت : نعم ياأبه إن أذنت سألتك عنها ؟ فقال : قد أذنت لك يابني فقل ما أحببت .

فقلت له : ياأبه من كان الرجل الذي أتاك بالغداة وفعلت به ما فعلت من الإجلال والاكرام والتبجيل ، وفديته بنفسك وبأبويك ؟

فقال : يابني ذاك إمام الرافضة ، ذاك ابن الرضا ، فسكت ساعة ثمّ قال : يابني لو زالت الخلافة عن خلفاء بني العباس ما استحقها أحد من بني هاشم غير هذا ، فإنّ هذا يستحقها في فضله وعفافه وهديه وصيانة نفسه وزهده وعبادته وجميل أخلاقه وصلاحه ولو رأيت أباه لرأيت رجلاً جليلاً نبيلاً خيراً فاضلاً[4].

4 ـ كاتب الخليفة المعتمد :

روي عن أبي جعفر أحمد القصير البصري قال : حضرنا عند سيدنا أبي محمد(عليه السلام) بالعسكر فدخل عليه خادم من دار السلطان ، جليل فقال له : أمير المۆمنين يقرأ عليك السلام ويقول لك : كاتبنا أنوش النصراني يريد أن يطهر ابنين له ، وقد سألنا مُساءلتك أن تركب الى داره وتدعو لابنه بالسلامة والبقاء ، فأحب أن تركب وأن تفعل ذلك فإنا لم نجشمك هذا العناء إلاّ لأنه قال: نحن نتبرك بدعاء بقايا النبوة والرسالة .

فقال مولانا (عليه السلام) : الحمد لله الذي جعل النصارى أعرف بحقنا من المسلمين .

ثم قال : أسرجوا لنا ، فركب حتى وردنا أنوش ، فخرج إليه مكشوف الرأس حافي القدمين ، وحوله القسيسون والشماسة والرهبان ، وعلى صدره الانجيل ، فتلقاه على بابه وقال للإمام (عليه السلام) ياسيدنا أتوسل إليك بهذا الكتاب الذي أنت أعرف به منا إلاّ غفرت لي ذنبي في عناك وحق المسيح عيسى بن مريم وما جاء به من الإنجيل من عند الله ، ما سألت أمير المۆمنين مسألتك هذه إلاّ لأنّا وجدناكم في هذا الإنجيل مثل المسيح عيسى بن مريم عند الله .

فقال الإمام (عليه السلام) : أما ابنك هذا فباق عليك ، وأما الآخر فمأخوذ عنك بعد ثلاثة أيام ـ أي ميت ـ وهذا الباقي يسلم ويحسن اسلامه ويتولانا أهل البيت .

فقال أنوش : والله ياسيدي إن قولك الحق ولقد سهل عليَّ موت ابني هذا لما عرّفتني إنّ الآخر يسلم ، ويتولاكم أهل البيت .

فقال له بعض القسيسين : ما لك لا تسلم ؟

فقال أنوش : أنا مسلم ومولانا يعلم ذلك .

فقال مولانا (عليه السلام) : صدق ولولا أن يقول الناس : إنا أخبرناك بوفاة ابنك ولم يكن ذلك كما أخبرناك لسألنا الله تعالى بقاءه عليك .

فقال أنوش : لا أريد ياسيدي إلاّ ما تريد .

قال أبو جعفر أحمد القصير البصري ـ راوي الحديث ـ : مات والله ذلك الابن بعد ثلاثة أيام وأسلم الآخر بعد سنة (كذا)، ولزم الباب معنا الى وفاة سيدنا أبي محمد (عليه السلام) . [5]

المصادر:

[1] الشورى (42) : 23 .

[2] الخرائج والجرائح، للقطب الراوندي: 3/1109 بحار الأنوار: 52/50 .

[3] الخرائج : 1 / 422 ـ 424 ح3 ب12 وذكر الكليني في اُصول الكافي: 1/512 ح24 ب124 مختصراً قريباً منه.

[4] اُصول الكافي: 1/503، 504 ح1 ب 24 وكمال الدين : 1 / 41 ـ 42 .

[5] مدينة المعاجز: 583 وحلية الأبرار: 2/498 وعنه في سفينة البحار: 2/203.


الإمام العسكري(عليه السلام) ومتطلّبات الساحة الإسلامية

رسالة الإمام الحسن العسكري ( عليه السلام ) حول أهمّية الإمامة

كلمات الإمام الحسن العسكري ( عليه السلام ) القصار

طباعة

أرسل لصديق

التعلیقات(0)